شريط الأخبار

المفاوضات..الفلسطينيون أمام خيارات مُرّة - هاني المصري

01:33 - 22 حزيران / ديسمبر 2013

أعلن جون كيري في مطار اللد في ختام جولته الأخيرة أنه بالإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي في نهاية إبريل/نيسان المقبل، في تصريح يدل على: إما أنه حالم إلى حد الوهم والاغتراب الكلي عن الواقع، لأن التصريحات الصادرة عن المسؤولين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" تدل على أن الهوة لا تزال واسعة جداً بين الموقفين بما لا يسمح بالتفاؤل حول التوصل حتى إلى اتفاق إطار يمهد إلى ويغطي على "حل انتقالي" جديد، أو أن لديه معلومات ومعطيات من وعن مسار سري للتفاوض يسمح له بإظهار هذا القدر من التفاؤل.

في كل الأحوال بدأ جون كيري ومساعده مارتن أنديك بالتدخل أكثر في المفاوضات، وأخذ يكثف أكثر من سياسة الترغيب والتهديد للطرفين، خصوصاً للجانب الفلسطيني.

فقد حذّر "إسرائيل" من عواقب عدم التوصل إلى حل، لأن هذا سيعرضها إلى انتفاضة فلسطينيّة وإلى العزلة التي يمكن أن تمس بشرعيتها، وهدد الفلسطينيين بعقوبات متنوعة، وبخروجهم من المعادلة السياسيّة، وخيّر الطرفين بالاختيار بين طريقه وطريق الأوتوستراد؛ في إشارة إلى إمكانيّة رفع الإدارة الأمريكيّة يديها عن المفاوضات وجعل الطرفين يواجهان مصيرهما وحدهما إذا لم يبديا المرونة الضروريّة.

تتحرك الأمور بسرعة في المفاوضات الفلسطينيّة "الإسرائيليّة" خلال الأسبوعين الأخيرين بعد أن أكثر كيري ومساعده من تدخلهما، حيث زار كيري المنطقة مرتين خلال هذه المدة ويستعد للقيام بزيارة ثالثة، واستدعى كلاً من صائب عريقات وتسيبي ليفني إلى واشنطن، وأخذ يُهيِئ الأجواء للإعلان عن الاتفاق على اتفاقيّة إطار مع نهاية الشهر المقبل، لأنه يخشى من عواقب عدم إحراز تقدم بسرعة لذا يحاول إيصال الطرفين إلى نقطة يدركان فيها أهميّة التقدم إلى الأمام والخسارة البالغة من الفشل أو استمرار مراوحة المفاوضات مكانها.

الدافع وراء الزخم في التحرك الأمريكي أن نحو خمسة شهور من الشهور التسعة المتفق عليها لإحداث اختراق في المفاوضات مضت من دون تقدم وأكثر من ذلك، إذ أصبحت معرضة للانهيار خصوصاً بعد الإعلان عن مخططات لبناء عشرين ألف وحدة استيطانيّة، وبعد إعلان طاقم المفاوضات المشكل من صائب عريقات ومحمد شتيّة عن استقالتهما على خلفيّة اليأس من إمكانيّة نجاح المفاوضات.

بدأت ملامح "الخطة الأمريكيّة" تتضح في الزيارة ما قبل الأخيرة لكيري عندما قدم للجانبين خطة توضح معالم الترتيبات الأمنيّة المفترض الاتفاق عليها أولاً قبل الحديث عن خارطة الحدود ليتم رسم الحدود على أساسها . عند الاطلاع على هذه المقترحات التي أعدها الجنرال الأمريكي جون ألن وطاقمه الذي حل محل جيمس جونز تظهر بأنها تبنت المقاربة "الإسرائيليّة" التي تعطي الأمن الأولويّة على ما سواه، وذلك من خلال الإبقاء على القوات "الإسرائيليّة" في الأغوار وعلى الحدود والمعابر لمدة مؤقتة يعرف الجانب الفلسطيني من خبرته السابقة أنها ستكون دائمة.

الجدير بالذكر أن ألن توصل إلى الخطة بعد سبعة شهور من العمل، حيث كان يتم التباحث في تلك الفترة مع "الإسرائيليين" بعيداً عن الفلسطينيين الذين لم يشاركوا في وضع هذه الترتيبات الأمنيّة، وجاءت لتشكل انقلاباً تاماً عما طرحه سلفه جيمس جونز، الذي سبق أن طرح تولي قوات من حلف الناتو بقيادة أمريكيّة المرابطة في الأغوار وعلى الحدود.

ما طرحه كيري تضمن ضرورة أن تكون هناك فترة انتقاليّة تستمر لمدة عشر سنوات قابلة للتمديد إلى حين تأهيل القوات الفلسطينيّة التي لم يكفها أكثر من عشرين عاماً من التأهيل، التي يبدو أنها ستظل تحت فترة اختبار إلى الأبد، ترابط فيها القوات "الإسرائيليّة" في الأغوار وعلى الحدود وعلى رؤوس الجبال، وتقيم محطات إنذار وتسيطر على الأجواء والبحار وتنظم دوريات مشتركة، ويكون هناك وجود مرئي فلسطيني على المعابر، بينما القرار في الدخول والخروج يبقى في يد "إسرائيل"؛ على أن تشرف الإدارة الأمريكيّة على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه في توفير الاحتياجات التكنولوجيّة التي يحتاجها تطبيق الاتفاق الأمني.

نقطة أخرى طرحها كيري، وهي ضرورة التوصل أولاً إلى "اتفاق إطار" وليس إلى "اتفاق نهائي" يتضمن الخطوط العامة التي ستحكم التفاوض حول قضايا الوضع النهائي . وبما أن الهوة واسعة بين الموقفين حول قضايا الوضع النهائي سيكون اتفاق الإطار عاماً وقابلاً لتفسيرات عدة، ولن يُحسم الموقف من القضايا الأساسيّة ويجعلها مفتوحة للتفاوض مجدداً من دون مرجعيّة، ما يجعل التوصل إليه ليس أكثر من غطاء للاتفاق الانتقالي الجديد "أوسلو 2"، الذي تجري محاولة لفرضه على القيادة الفلسطينيّة بحجج واهية، طالما استُخدمت منذ بدء ما يسمى "عمليّة السلام"، مثل أن تحقيق شيء أحسن من لا شيء، وأن فشل المفاوضات سيتحمل المسؤوليّة عنه الفلسطينيون كالعادة، وهذا سيكون له عواقب وخيمة، مثل فرض عقوبات أمريكيّة و"إسرائيليّة" على السلطة، وإطلاق يد "إسرائيل" أكثر في تنفيذ مخططاتها الاستعماريّة والاستيطانيّة والعنصريّة، واندلاع انتفاضة ثالثة سيدفع ثمنها الباهظ الفلسطينيون؛ وسيؤدي ذلك كله إلى ظهور خيارات وبدائل وقيادات جديدة ستكون أكثر تطرفاً من القيادات القائمة حالياً.

ويتناسى من يطرح ذلك أن اعتماد هذه الحجج سابقاً أوصل الفلسطينيين إلى ما هم فيه من كارثة، وأن اعتمادها مجدداً سيوصلهم إلى كارثة أكبر.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي جعل كيري ينقلب على ما بدأ به، وهو ضرورة التوصل إلى حل نهائي، واستبدال ما طرحه جونز سابقاً - وهو مقبول من أبو مازن - بما طرحه ألن المقبول، ولو ببعض التحفظ من "إسرائيل"؟

مفتاح تفسير التغير في موقف كيري يعود بصورة أساسيّة إلى التطورات التي حدثت على الملف النووي الإيراني بعد المكالمة التاريخيّة بين أوباما وروحاني، حيث فتحت الباب أمام صفحة جديدة في العلاقات الأمريكيّة - الإيرانيّة مختلفة عما شهدته هذه العلاقات من عداء منذ ثورة الخميني المنتصرة العام 1979 وحتى الآن.

فالإدارة الأمريكيّة تحاول مراعاة " إسرائيل" الغاضبة من الاتفاق مع إيران على حساب الفلسطينيين الموجودين في وضع صعب في ظل الضعف والانقسام الذي يتعمق عمودياً وأفقيًّا، ومن دون أوراق قوة ولا استعداد للخيارات والبدائل الأخرى بسبب إيمان القيادة الفلسطينيّة بالمفاوضات الثنائيّة برعاية أمريكيّة انفراديّة كخيار وحيد أوحد، بالرغم من الحصاد المر لهذا الخيار، كما نرى من خلال تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان بمعدلات غير مسبوقة، واستكمال تهويد القدس وأسرلتها والجدار والحصار وتهميش القضيّة الفلسطينيّة، حيث وصل الفلسطينيون إلى وضع لا يحسدون عليه من دون قيادة واحدة ولا مؤسسة جامعة ومن دون مشروع وطني ولا برنامج يجسد القواسم المشتركة.

كما يزيد الوضع سوءاً المتغيرات العربيّة التي أدت حتى الآن على الأقل إلى انشغال العرب بشؤونهم الخاصة، وفتح شهيّة الأمريكان على أمل الاستفادة من توظيف الأوضاع العربيّة الحاليّة لفرض "تسوية" على الفلسطينيين تستجيب للشروط والمصالح والإملاءات "الإسرائيليّة".

إذا استعرضنا الخطوط العامة للتسوية التي يحاول كيري فرضها على الفلسطينيين والتي تستند كما قال كيري في منتدى "سابان" إلى خطة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون والخطوط العامة التي حكمت مؤتمر "أنابوليس"؛ سنجد أنها تتضمن ما يلي:

 

مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف ب"إسرائيل" بوصفها "دولة يهوديّة"، وإسقاط حق العودة للاجئين، وإنهاء الصراع، والكف عن المطالب، والموافقة على ضم الكتل الاستيطانيّة التي تتوسع بشكل يومي، ويكبر مفهومها: بحيث تتحول من ضم ثلاث كتل استيطانيّة كبيرة إلى "إسرائيل" كما طرح في قمة "كامب ديفيد" العام 2000 ومباحثات "طابا" العام 2001 في أي حل نهائي؛ إلى ضم كل المستوطنات إلى "إسرائيل"، الأمر الذي يعني ضم جميع المستوطنات في سائر الضفة الغربيّة التي أصبح يستوطنها أكثر من 700 الف مستوطن، وجار العمل بشكل محموم ليصل العدد إلى مليون خلال سنوات قليلة.

أما فيما يتعلق بما تبقى من القدس، فهناك أفكار أمريكيّة بأن تكون البلدة القديمة تحت رعاية أو سيادة دوليّة، وأن تضم الأحياء العربيّة إلى الدولة الفلسطينيّة التي لن تكون دولة إلا بالاسم، مع العلم بأن العديد من الأحياء العربيّة لم تعد عربيّة خالصة بعد غزوها المتزايد من المستوطنين اليهود، وعلى أن تضم المستوطنات في القدس الشرقيّة إلى "إسرائيل".

كما تستبعد "الخطة الأمريكيّة" قطاع غزة حتى يقدم "الازدهار" الذي سيحصل في الضفة نموذجاً يؤدي إلى جعل أهل القطاع يتمردون على السلطة القائمة هناك، كما جاء في خطاب أوباما في "منتدى سابان"، الذي طالب فيه القيادة الفلسطينيّة بالقبول بحل على مراحل.

وأهم ما تتضمنه "خطة كيري" سلام اقتصادي يهدف إلى توسيع دائرة المستفيدين، خصوصاً من الفلسطينيين المطلوب منهم أن يتجندوا للدفاع عن خطة كيري، ويظهر ذلك من خلال الوعود بدعم أمريكي وأوروبي ودولي غير مسبوق وتعاون عربي "إسرائيلي"، وخصوصاً (أردني - فلسطيني -"إسرائيلي") بدأت بواكيره بالتوقيع على "اتفاق البحرين".

ما سبق يدل على أن أبو مازن في وضع لا يحسد عليه، وعليه أن يختار بين خيارين أحلاهما مر، ولكنه لايزال يراهن على المفاوضات الثنائيّة برعاية أمريكيّة انفراديّة كطريق وحيد، وإذا سار في طريق آخر فيكون ذلك من قبيل التكتيك للضغط من أجل العودة إلى المفاوضات أو لتحسين شروطها.

إن المفاوضات من دون قوة فشلت سابقاً وستفشل لاحقاً في ظل الاختلال الفادح في ميزان القوى والضعف والانقسام الفلسطيني والحالة العربيّة، التي قد تكون فتحت طريق المستقبل، ولكن آثارها الراهنة سيئة جداً للقضيّة الفلسطينيّة .

يبقى السؤال قائماً هل ينجح كيري في مهمته أم يفشل؟ والجواب: إنه معرض للفشل؛ بسبب تعنت الحكومة "الإسرائيليّة" التي تريد كل شيء، مع أن الفشل ليس الاحتمال الوحيد، خصوصاً إذا وضع أوباما ثقله وراء خطة وزير خارجيته، وإذا انتقلت المفاوضات إلى مستوى القمة، كما يحاول كيري أن يفعل بمشاركة أبو مازن ونتنياهو وكيري في البداية، وبعد ذلك أوباما . وهذا يعني أنها وصلت أو تقترب من الوصول إلى لحظة اتخاذ القرارات، مع أننا يجب أن نعمل من أجل فشل كيري، لأن نجاحه يعني فرض "تسوية" تصفويّة للقضيّة الفلسطينيّة انتقاليّة أو نهائيّة. 

 

انشر عبر