شريط الأخبار

فهمي هويدي يكتب ..هل تفتح مصر «صفحة جديدة» مع إيران؟

03:15 - 10 تشرين أول / ديسمبر 2013

ـ السفير ـ 10/12/2013

ما عاد فتح صفحة جديدة مع إيران خياراً مطروحاً على مصر، لأنه غدا ضرورة تفرض نفسها ضمن واجبات الوقت.

(1)

مصطلح «الصفحة الجديدة» استعرته من تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف التي أدلى بها أثناء زيارته الكويت في الأسبوع الماضي، ضمن الجولة التي زار خلالها قطر وسلطنة عمان والإمارات، حيث ذكرت الصحف إنه ستعقبها زيارة يقوم بها للسعودية الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص المصلحة ورئيس الجمهورية الأسبق.

هذه الجولات تأتي في إطار مسعى «الصفحة الجديدة» التي تسعى إيران لفتحها مع دول منطقة الخليج، التي اتسمت علاقاتها مع طهران بالتوجس والقلق منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979. وهو قلق تزايد بصورة نسبية بعد الإعلان عن المشروع النووي الإيراني، وتضاعــف مؤخــراً حين تم التفاهم بين واشنطن وطهران الذي أســفر عن توقيع الاتفاق بين إيران ومجموعة الدول الخمس في جنيف على حل مبدئي لأزمة البرنامج النووي، التي ظلت معلقة بين الطرفين بلا حل منذ سبع سنوات. وفي أعقاب إعلان الاتفاق زار طهران وزير خارجيــة دولــة الإمــارات الشيخ عبدالله بن زايد، حيث التقى هناك نظيره الإيراني وافتتح المقر الجديد لســفارة بــلاده هــناك. في تــزامن بدا متجاوباً ـ ربما مصادفة ـ مع الدعوة إلى فتــح «صفحة جديدة» بين الجانبين، اللذين ظلـت علاقـاتهما مشوبة بالتوتر، بسبب النزاع حول الجزر الثلاث. ولفت الانتباه أن وزير الخارجية الإيــراني كان قد كتب مقالة في صحيفة الشرق الأوسط (يوم 21 تشرين الثاني) قبل جولته، دعا فيها إلى ترتــيب إقليــمي جديد يضم الدول الثماني المطلة على الخليج (دول مجلس التعاون الخليجي الست زائد إيران والعراق) يحقق التعاون بين تلك الدول، وأشار فيه إلى الإفادة من مضيق هرمز بحيث يصبح مصدراً لازدهار الجميع.

من التصريحات التي لفتت الانتباه أيضاً أن الوزير الإيراني أعرب أثناء جولته عن استعداد بلاده للتفاهم مع دولة الإمارات بخصوص جزيرة أبو موسى (أكبر الجزر الثلاث المتنازع عليها). كما انه شدد على أهمية التعاون مع المملكة العربية السعودية «لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة». وهو الذي كتب على موقع «تويتر» بعد جولته قائلا إن جولته بينت «أن ما يوحدنا أكبر بكثير من خلافاتنا البسيطة».

(2)

بالتوازي مع هذه التحركــات، وجــدنا أن وزير خارجيـة تركــيا الدكتــور أحــمد داود أوغــلو قــام بزيارة سريعة لقطر. وبعدها بأيام كان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في الدوحة (الأربعاء 4/12). وقد وصل إليها بعد 48 ساعة من تسليم رســالة خــطية بعث بهــا الرئيــس التركــي عبــدالله غــول إلى أمــير قطر الشيخ تميم بن حمد، وفهم أن هذه الاتصالات شملت ـ إلى جانب تعاون البلدين ـ أموراً عدة، على رأسها القضية السورية، وذكرت صحيفة «الحياة» اللندنية ان المباحثات شملت أيضاً الملفين المصري والإيراني.

حين كان أردوغان في الدوحة، كان رئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان في زيارة نادرة وغير مألوفة لموسكو، التقى فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومما قاله الناطق باسم الكرملين إن المباحثات تناولت ملفين أساسيين هما: النووي الإيراني والأزمة السورية ومؤتمر جنيف الخاص بها. وقبل وصول الأمير بندر كان رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان قد قام بزيارة لها اجتمع خلالها مع الرئيس بوتين، وقد لوحظ أن الموقف التركي أصبح بعدها أكثر مرونة بخصوص الملف السوري، حيث اتفق الطرفان على الدعوة إلى وقف إطلاق النار من جانب المعارضة والنظام قبل انعقاد مؤتمر جنيف، وكان وزير الخارجية التركي الدكتور أحمد أوغلو قد تنقل في وقت سابق بين طهران وبغداد لإجراء اتصالات وثيقة الصلة بزيارة أردوغان لموسكو.

هذا الذي ذكرت يرصد جانباً من التحركات المعلنة التي تسارعت في المنطقة في أعقاب التفاهم الإيراني الأميركي وتوقيع إيران لاتفاق جنــيف، الذي بــدا مؤشراً على حدوث متغيرات مهمة في الموازين والخرائط السياسية، على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد لاحت مقدمات ذلك التغــيير مــنذ تم الاتفاق بين موسكو وواشنطن على تجنب الضربة العسكرية لسوريا لتفكــيك والتخلــص من كــل ما يتعلق بالكيميائي الســوري. ثم قطع التغيير شوطاً أبعد باتفاق الإطار الذي وقــع في جنيــف لاحــقاً ونجح في علاج الجوانب الشــائكة والمعــقدة في البرنامج النووي الإيراني، وبمقتضاه اتخذ كل طرف عدة خطوات إلى الوراء. فإيران قبلت بالحد من تخصيب اليورانيوم في تنازل مهم، في مقابله قررت الدول الكبرى رفع بعض العقوبات الاقتصادية ومراقبة الموقف لستة أشهر.

هذا الاتفاق الأخير بدا وكأنه حجر ثقيل ألقي في مياه الشرق الأوسط الراكدة، فخلط أوراقه وأربك خرائطه. فالخليج الذي كان يعتمد على الغطاء الأميركي في مواجهة إيران، أدركت دوله أن ذلك الغطاء اهتز. وإيران المنبوذة من بعض الدول الرئيسية في المنطقة أصبحت في موقف أقوى كاد يحولها إلى مرغوبة، بعدما نجحت في مد جسورها إلى واشنطن. والمراهنات على إسقاط النظام السوري بقوة السلاح، وبنت على ذلك تغييراً في خرائط المشرق يشمل لبنان والعراق على الأقل، تراجعت وما عاد لها محل. والتباعد الذي حدث بين طهران وأنقرة بسبب تعارض المواقف إزاء سوريا تحول إلى تفهم وتقارب، وصل إلى حد ترتيب زيارة تفترض أن يقوم بها الرئيس الإيراني حسن روحاني لأنقرة خلال الأسابيع القليلة القادمة. والقطيعة التي حدثت بين قطر و«حزب الله» بسبب الموقف في سوريا ثم تجاوزها بعد استقبال السيد حسن نصر الله مبعوثاً قطرياً مؤخراً.

(3)

في هذه الأجواء تلوح في الأفق محاور جديدة. فإيران تبدو أقرب إلى روسيا والصين، ولها على الأرض نفوذها في سوريا والعراق ولبنان (ثمة كلام عن دور لها في اليمن والبحرين). وفى الوقت ذاته فإن التفاهمات بين حكومة الرئيس حسن روحاني وبين الإدارة الأميركية تجاوزت مرحلة الخصام وهتاف «الموت لأميركا». وتركيا المرتبطة بملف «الناتو» توظف ما تتمتع به من مرونة في مد جسورها مع طهران وموسكو وتلين بصورة نسبية ما موقفها إزاء سوريا، في الوقت الذي تحتفظ على الأرض برصيدها مع المعارضة السورية وتمد يداً لحكومة بغداد من ناحية وأكراد أربيل من ناحية ثانية، في الوقت الذي تقوى من علاقاتها مع قطر. ولعلك لاحظت ان وزير خارجية إيران نوه أكثر من مرة إلى أهمية الدور السعودي برمزيته في عالم أهل السنة في تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة، التي تتجاوز محيط الخليج لتشمل دولا أخرى مثل سوريا والعراق ولبنان، حيث للسعودية حضورها المعلن وغير المعلن. وهو الدور الذي دفع رئيس الاستخبارات السعودية لشد رحاله إلى موسكو لمناقشة الملف السوري مع الرئيس بوتين.

استوقفتني في هذا الصدد ملاحظة سجلها المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة في تقرير له صدر يوم 28/11 ذكر فيها ما نصه: الحوار بين إيران ودول الخليج من المتغيرات التي ستعيد ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط. وقد ينتج عنه شرق أوسط يعتمد على ثلاث قوى هي إيران والسعودية وإسرائيل، لتكون مرتكزاً للاستقرار في المنطقة.

(4)

ربما لاحظت أن أحداً لم يأت على ذكر مصر في ما يجرى من مشاورات وتحليلات، حتى مركز الدراسات الذي يتخذ من القاهرة مقراً له أغفل الإشارة إليها. وإذا تفهمنا إمكانية استبعاد تركيا فإن عدم الإشارة إلى مصر بكل حجمها ووزنها وتاريخها أمر له دلالته التي ينبغي ان تستوقفنا.

لقد صدر بيان عن الخارجية المصرية يوم 24/11 تعليقاً على الاتفاق الذي وقعته مجموعة الدول الكبرى مع إيران في جنيف، ووجدته مناسباً تماماً في التعبير عن دولة غائبة بلا دور. إذ رحب بالاتفاق وأعرب عن الأمل في أن يفضي إلى اتفاق دائم يأخذ في الاعتبار الشواغل الأمنية لكل دول المنطقة، استناداً إلى مبدأ الأمن المتساوي للجميع. وذلك وفقاً لما طرحته مصر نحو إخلاء منطقة الشرق الأوســط من الأسلــحة النووية وكل أسلحة الدمار الشامل، بطريقة جادة وفعالة بعيدة عن المعايير المزدوجة أو الاستثناءات. وذكرت الصحف تصريحاً للمتحدث باسم الخارجية المصرية أعاد إلى الأذهان حديث وزير الخارجية المصري أمام الأمم المتحدة، عن تطلع مصر لأن تمثل التغيرات بعد انتخاب الرئيس الإيراني مؤشراً مستقراً نحو علاقات حسن الجوار بين إيران وجيرانها في منطقة الخليج.

إن بيان الخارجية المصرية قرأ اتفاق جنيف من ثقب صغير وزاوية شديدة التواضع، أزعم أنها أبعد ما تكون عن رؤية الدولة المحورية أو حتى الشقيقة الكبرى، التي تدرك تأثيره على توازنات المنطقة ومستقبلها. وأذهب في ذلك إلى أن دولة صغيرة الحجم مثل موريتانيا أو جزر القمر لو عنَّ لها أن تعلق على الاتفاق فلن تذهب إلى أبعد مما أورده بيان خارجيتنا الموقرة، التي يبدو أنها لم تستوعب بعد تأثير ما جرى، سواء على دور مصر أو على الشرق الأوسط الذي تنسج خرائطه وترسم خرائطه في الوقت الراهن بعيداً عن عواصمه.

من مفارقات المشهد أن مصر إذا أعادت التفكير في علاقاتها مع إيران فلن تجد سبباً وجيهاً يمس مصالحها المباشرة يبرر القطيعة التي استمرت بين البلدين طوال أكثر من ثلاثين عاماً، علماً أن طهران هي التي بادرت إلى قطع العلاقات معها في العام 1979 استجابة لطلب من ياسر عرفات، بعد توقيع اتفاقيات «كامب ديفيد» حينذاك، لذلك أزعم أن محاولة فتح «صفحة جديدة» مع طهران لا تتطلب في الوقت الراهن أكثر من إرادة سياسية ورؤية إستراتيجية ناضجة لا تتحرى المصالح المشتركة للبلدين فحسب، وإنما أيضاً تعزز الموقف العربي وتؤمنه.

في زمن العافية تحدث الدكتور جمال حمدان عن المثلث الذهبي الذي ارتآه في تحالف الدول الكبيرة في المنطقة مصر وتركيا وإيران، لكننا ما عدنا نرى في زماننا سوى مثلث الصراع على الهيمنة التي تتنافس عليها الدول المحيطة بالعالم العربي. إن مصر لا تملك ترف الاكتفاء بموقف المتفرج على ما يجرى، لأن مسؤوليتها الوطنية والقومية تفرض عليها أن تثبت حضوراً من خلال تحرك سياسي يليق بحجمها ووزنها. صحيح أن جهداً يبذل الآن لتجاوز الأزمة الاقتصادية، لكنني أخشى أن يستغرقنا همّ اللحظة بحيث يخرجنا في النهاية من التاريخ.

انشر عبر