شريط الأخبار

ملاحظات انتقادية على نظام العقوبات الجديد في جامعة الأزهر بغزة ..بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان

09:44 - 10 تموز / ديسمبر 2013

                                                                          كاتب وأكاديمي فلسطيني

                                                                             جامعة الأزهر بغزة

    وصلتني من إدارة جامعة الأزهر صباح الخميس 28/11/2013 رسالة نصيّة قصيرة توجه إلى الاطلاع على نظام العقوبات الجديد في الجامعة. وعلى الرغم من المفاجأة الصادمة التي احتوتني عند قراءة هذا النظام الذي ذيل بعبارة تفيد أنه قد تم اعتماده بقرار مجلس الأمناء رقم 70/ج/10/2013 في جلسته رقم 10/2013 المنعقدة في 16/11/2013، إلا أنني آثرت الصبر في التعبير عن رد الفعل لديّ على مثل هذا النظام الذي يلفّه عوار طاغٍ يزداد شعور كل غيور بطغيانه كلما تذكر أنه مصنوع لبيئة جامعية راقية  قوامها أكاديميون من أساتذة الجامعات وإداريون لا يقلون في الأهمية والوزن عن زملائهم الأكاديميين. لقد انتظرت طيلة الفترة الماضية وقوامها 12 يوماً (من صباح 28/11/2013 إلى مساء هذا اليوم الاثنين 9/12/2013)، متوقعاً من الغيارى على هذه الجامعة ما يعبر عن غيرتهم. وحيث إن الغيارى ربما يؤجلون دورهم الغيور، متذرعين بالمزيد من الصبر، بغية سد باب الذرائع الذي يؤذي الجامعة ويضرّ بمسيرتها ومستقبلها- كما يرون- إذا ما تم فتحه على مصراعيه، ولأنني أحد الغيارى الذين لا يطيقون على الخطائين من غير التوابين صبراً، فإنني- وإيماناً مني بأن للصبر حدوداً- أجدني مضطراً اضطرار الحريص الغيور لأن أورد في مقالتي هذه على نظام العقوبات الجديد ملاحظات انتقادية مهمة، آملاً إدراكها واستدراكها بغية تداركها وتجنب ويلات ومخاطر إهمالها، وهي فيما يأتي:

في (أولاً) من المادة (4) حول "المخالفات المسلكية":

1)    لا أهمية ولا ضرورة للبند (2) في وجود البند (1) الذي يتضمن البند (2) ويغني عنه، ذلك أن من يستنكف عن العمل أو يرفض الامتثال للقرارات والتعليمات الصادرة له عن جهات الاختصاص، إنما يكون قد خالف الأنظمة والقوانين واللوائح والقرارات والتعليمات سارية المفعول.

2)    في البند (3)، فإن الأقوال أو الأفعال المسيئة إلى الجامعة والموجبة إلى عقوبة أو أكثر ينبغي توصيفها وتحديدها كي لا يكون من اليسير على صاحب السلطة تفسيرها على هواه بغية استعمالها لصالحه.

3)    وتعليقاً على البند (3)، فإنني أنصح ولي الأمر (أصحاب الحل والعقد في جامعة الأزهر) بالانتباه إلى ما يأتون عليه من أفعال تسيء إلى سمعة الجامعة، فيما هم ينصبون المشانق لتعليق العاملين على عيدانها. وعليه، فإن من الأحرى بهم أن ينتبهوا إلى أفعالهم بحق الجامعة قبل تشريعهم للعقوبات تمهيداً لتوقيعها على هواهم وعلى من سواهم.

4)    إن توقيع أكثر من عقوبة بموجب البنود الستة للمخالفات المسلكية هو أمر غير جائز إلا بنظام يحدد شروط وكيفية توقيع أكثر من عقوبة، وذلك لكبح جماح صاحب السلطة من إساءة استعمال سلطته.

في (ثالثاً) من المادة (4) حول "المخالفات المهنية والوظيفية وعقوباتها":

1)    في البند (أ)، فإن تقارير الأداء السنوية للعامل إذا كانت سلبية (أقل من 70%) فإن من حق جهة الاختصاص أن توقع عليه عقوبة يحددها نظام العقوبات، لكنه من غير الجائز توقيع أكثر من عقوبة هكذا دون الاستناد إلى محددات ومعايير وضوابط قانونية تجيز توقيع أكثر من عقوبة، وذلك  كما أسلفنا لقطع الطريق على صاحب القرار من أن يتعسف في استعمال سلطته.

2)    في البند (ب) أيضاً، لا بد من وضع محددات وضوابط ومعايير تجيز لصاحب السلطة توقيع أكثر من عقوبة.

3)    أولاً: ما ورد في البند (د) ورد سابقاً في البندين (1+2) في (أولاً) من المادة (4) حول المخالفات المسلكية للعاملين. وعليه، فإنه لا لزوم  لهذا البند (د)، حيث إن إيراده ليس إلا تكراراً لا لزوم له، فضلاً عن أن الأصل أن يقال: ".... يتعرض للعقوبة (4) بدلاً من أن يقال: "يتعرض لعقوبة الخصم من راتبه الشهري بعدد أيام تعطيل العمل في الجامعة...".

ثانياً: جاء في البند (د) من ثالثاً من المادة (4) في المخالفات المهنية والوظيفية وعقوباتها أنه "إذا استمر أو تكرر امتناع (العامل) عن العمل يحال إلى لجنة التحقيق، الأمر الذي يحرض على استحضار سؤال مهم وهو: كيف يجاز إيقاع عقوبة الخصم من الراتب الشهري بعدد أيام تعطيل العامل للعمل دون التحقيق معه ومساءلته؟!

4)    في المادة (5)

أ‌)       تصويب لفظة "تكون" إلى "تقوم" أو "يكون للجهات المختصة توقيع..." كي تستقيم جملة الديباجة.

ب‌)  لا يجوز توقيع أي عقوبة دون تحقيق، وهو أمر لا بد من ذكره في نظام العقوبات ومن غير الجائز تجاهله، ذلك أن من يطلع على هذا النظام للعقوبات يفاجأ بأنه يقرأ عن اختصاص كل جهة بتوقيع العقوبة كذا والعقوبة كذا من البند كذا من المادة كذا دون أن يسبق توقيع العقوبة  إدانة من خلال تحقيق يجيزها.

ج) أولاً: لم يُشّر- البتة- إلى لجنة التحقيق المتصلة أولاً بالعقوبات التي تقع صلاحية توقيعها لرئيس القسم الأكاديمي ومدير الدائرة والعميد والنائب الأكاديمي والنائب الإداري. وعليه، فإنه لا يجوز توقيع عقوبة دون تحقيق ودون مساءلة.

             ثانياً:  1) يعيب نظام العقوبات أن يتم توقيع العقوبة دون تحقيق ودون مساءلة.

2)    يعيب نظام العقوبات الاستناد على حكم تم بناءً على توصية من لجنة تحقيق دون السماح بالاستئناف عليه، وهو ما أشير إليه في البند (2) من الفقرة (و) الخاصة برئيس الجامعة، فيما أشير إلى المجلس الجزائي في البند (3) الخاص فقط بالعقوبتين 10+11 من البند (ثانياً) من المادة (4).

5)    أما المادة (6) حول حق مجلس الأمناء في "تشكيل لجنة تقصي حقائق/ لجنة تحقيق ترفع توصياتها إلى مجلس الأمناء الذي يحيلها إلى المجلس الجزائي عبر رئيس الجامعة لاتخاذ المقتضى القانوني"، فإن هناك ما يعيبها:

أ‌)       إن تشكيل لجنة تقصى حقائق/ تحقيق كلما اقتضت الضرورة لضمان استقرار مسيرة الجامعة يدفعنا إلى توجيه التساؤلات الآتية:

1)    ألا ينبغي التفريق بين لجنة تقصي حقائق ولجنة تحقيق؟!

2)    أليس واجباً تحديد الضرورة الموجبة لتشكيل لجنة تقصي حقائق/ تحقيق، بدلاً من القول "كلما اقتضت الضرورة"، الأمر الذي يعطي صاحب السلطة الحق في اعتبار ما يراه ضرورة وفق هواه، وهو ما يتناقض مع الأصول القانونية والعدالة؟!

3)    ألا ينبغي لمجلس الأمناء- وهو المشرع والمراقب- أن يوضح معنى الضرورة ويضع لها مواصفاتها، فضلاً عن ضرورة توضيحه لكيفية قياس الاستقرار في مسيرة الجامعة؟!

ب‌)  إذا كانت لجنة تقصي الحقائق/ التحقيق ترفع توصياتها إلى مجلس الأمناء الذي يحيلها إلى المجلس الجزائي (عبر رئيس الجامعة) لاتخاذ المقتضى القانوني، فهل لرئيس الجامعة من دور غير دور الوسيط، حيث يتلقى من مجلس الأمناء توصية لجنة تقصي الحقائق/ التحقيق ليحيلها إلى المجلس الجزائي لاتخاذ المقتضى القانوني؟! إن هذا يعني الآتي تدرجاً:

1)    تنعقد لجنة تقصي الحقائق/ التحقيق

2)    ثم ترفع توصياتها إلى مجلس الأمناء

3)    ثم يحيل مجلس الأمناء هذه التوصيات إلى المجلس الجزائي (بواسطة رئيس الجامعة)

4)    ثم يتخذ المجلس الجزائي المقتضى القانوني

5)    ثم يرفع المجلس الجزائي توصياته إلى مجلس الأمناء (بواسطة رئيس الجامعة).

إذاً، هل لرئيس الجامعة دور غير دور الإيصال والتوصيل؟! وعليه، فأين دوره كرئيس للجامعة أو كمقرر لأمورها ومصرف لشؤونها ومقوم للمعوج فيها؟!

    ج) لا بد من تحديد "الجهات المختصة" الواردة في البند (و) من المادة (7) والتي يتولى رئيس المجلس الدفاع عن توصياته أمامها.

6) ورد في المادة (10) أن رئيس الجامعة "يحيل العامل المخالف إلى لجنة التحقيق ومن ثم إلى المجلس الجزائي بناءً على توصية لجنة التحقيق". وفي هذا النص عوار لا بد من إدراكه وتداركه، وذلك بضرورة النص على حق العامل في الطعن على لجنة التحقيق والاستئناف إلى المجلس الجزائي.

7) إن تخفيض درجات التقاضي إلى اثنتين فقط (لجنة التحقيق والمجلس الجزائي) هو أمر يمسّ العدالة ولا يحققها وينتقص من حق المتظلّم في الدفاع عن نفسه أمام درجات التقاضي  الثلاث المتعارف عليها. وعليه، فإن تحقيق العدل وبلوغ العدالة تقتضيان توفير الدرجة الثالثة من التقاضي بغض النظر عن تسميتها (المجلس الجزائي الاستئنافي أو المجلس الجزائي الثاني أو المجلس الجزائي النهائي... إلخ).

8) أولاً: أما المادة (11) فيحتويها عوار واضح وفاضح، وهو أن يبلغ التعسف في استخدام السلطة مبلغاً يعطي الحق لرئيس الجامعة أن يمنع العامل المحال إلى التحقيق حتى من مجرد الدخول إلى الجامعة.

    ثانياً: أمّا النص على أن "يوقف رئيس الجامعة العامل المحال إلى المجلس الجزائي عن العمل إذا رأى أن وجوده على رأس عمله من شأنه أن يؤدي إلى إعاقة سير التحقيق أو يشكل خطراً على مصالح الجامعة"، فنص معيب إلا إذا أضيفت له محددات ومعايير تؤكد رؤية رئيس الجامعة أن وجود العامل المحال إلى التحقيق على رأس عمله يعيق سير التحقيق أو يشكّل خطراً على الجامعة.

9) أعطت المادة (17) لرئيس الجامعة الحق إما في توقيع العقوبة التي أوصى بها المجلس الجزائي أو في تشديدها، الأمر الذي يخالف الأصول التي تقضي وجوباً بأن لرئيس الجامعة الحق إما في توقيع العقوبة التي أوصى المجلس الجزائي بها أو في تخفيفها لا تشديدها، وإلا فما هي قيمة المجلس الجزائي؟! وما الجدوى من توصيته؟!

10) أعطت المادة (18) جهة الاختصاص الحق إما في توقيع العقوبة التي أوصت بها لجنة التحقيق أو في تشديدها، الأمر الذي يخالف الأصول التي تقضي وجوباً بان لجهة الاختصاص الحق إما في توقيع العقوبة التي أوصت بها لجنة التحقيق أو في تخفيفها لا تشديدها، وإلا فما هي قيمة لجنة التحقيق؟! وما هي الجدوى مما تصدره من توصية؟!

11) أما الأمر الأخطر فهو ما يقضي به البند (2) من المادة (19) الذي يلزم العامل الذي صدرت بحقه عقوبة الفصل من الجامعة أن يتظلّم إلى مجلس الأمناء، وليس إلى رئيس الجامعة ابتداءً، الأمر الذي يؤكد من جديد أن الجامعة لا تدار من رئيسها وإنما من رئيس مجلس أمنائها. إن الاقتراب من تحقيق العدالة يقتضي النص على أن من حق العامل الذي صدرت بحقه عقوبة الفصل من الجامعة أن يتظلم إلى رئيس الجامعة خلال فترة ما، كما أن له الحق في التظلم إلى مجلس الأمناء فيما بعد إذا شعر بحيف أو ظلم وقع عليه، أو إذا وضع يده على مواضع خلل في الإجراءات أو خطأ في تفسير اللوائح والأنظمة والقوانين... الخ.

12) أما المادة (21)، فإنها تشكل تغولاً على الحق وإيغالاً في الاستعداء على المبادئ القانونية وأسس الوصول إلى العدالة، ذلك أنه:

أ) لا يجوز قانوناً لعضو من مجلس الجامعة- حتى وإن كان برتبة أستاذ- أن يشارك في التحقيق، لأن ذلك لو جاز لجاز الجمع بين الخصم والحكم ليكون الحكم خصماً والخصم حكماً وهو ما لا يجوز على الإطلاق.

ب) إذا كان هذا حال إحالة حامل رتبة أستاذ إلى المجلس الجزائي، فماذا عن إحالة حامل رتبة المشارك أو رتبة المساعد إلى المجلس الجزائي؟

ج) على الذين صاغوا نظام العقوبات أن يصوبوه بإزالة ما شابه من عيوب لغوية أو أسلوبية أو أخطاء إملائية معيبة ومشينة.

13) إن اختيار بعض العقوبات- كما هو وارد في البند (أ) من المادة (22)- ليتم توقيعها دون تحقيق أو استجواب  هو أمر  يعد تغولاً على المبادئ والأصول وتعسفاً في استعمال السلطة، ذلك أن القاعدة التي لا يصح القفز عنها هي أنه "لا عقوبة إلا بإدانة ولا إدانة إلا بتحقيق".

14) إن من يملك سلطة إنشاء الأنظمة والقوانين يتوجب عليه أن يتحصن بالقانون ولا يتجاوزه كي يحصن الأنظمة والقوانين التي ينشئها، فلا يجعل مكاناً لرفضها وعدم التسليم بها والطعن فيها. فضلاً عن ذلك، فإن من يملك سلطة إنشاء القوانين، عليه أن يعلم أن سلطته مقيدة وليست مطلقة ، الأمر الذي يشكل عيباً كبيراً وخطيراً عند مجلس الأمناء- بصفته المنشئ لنظام العقوبات محل النقد والدراسة- لإسقاطه عقوبة الإنذار النهائي بالفصل من الجامعة بعد مرور خمس سنوات من تاريخ قرار إنزال العقوبة، دون أي تركيز أو اهتمام بنوع الجرم الذي تم ارتكابه واستحق بموجبه عقوبة الإنذار النهائي بفصله من الجامعة!!!

    وبعد، فإنني لا أظن- بل إنني لا أكاد أصدق- أن مثل هذا النظام السيء في ذاته والمسيء إلى الجامعة كما إلى المعنيين به كان قد تم عرضه على مجلسٍ أو لجنةٍ أو نقابةٍ أو تجمعٍ أو كتلةٍ لدراسته وإجراء النقاش حوله، ذلك أنه لو تم ذلك لما  تم تمريره ليصار بعد ذلك إلى إجازته واعتماده!!!

   أما آخر الكلام، فبئست هي الأنظمة التي لا ينشئها السعي الصادق نحو تحقيق الانضباط  والعدل والعدالة والفضيلة والديمقراطية، ونبذ الحكم المطلق "الذي يقطع الشجرة من جذورها" وخلق التناقض مع الحاكم المستبد "الذي يستأصل أعظم الناس كفاءة ومقدرة لكي يحمي قوته وسلطانه".

انشر عبر