شريط الأخبار

المشروع الوطني الفلسطيني: أفكار وأسئلة حول المأزق والآفاق(*)..د. عزمي بشارة

12:49 - 08 تموز / ديسمبر 2013

ـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

يَحارُ الباحثُ عندَ الكتابةِ عَنْ قضيّةِ فلسطين بينَ واجبِه الوطني والإنسانيّ من جهةٍ، وضَرُورةِ توَخِّي الموضوعيّةِ (النِّسبيّة) لاستِقراءِ الوقائعِ الجارية، ولإجْراءِ مُحاكماتٍ عقليّةٍ مفيدةٍ مَعرِفيًّا مِنْ جهةٍ أُخرى. وتُثيرُ هذهِ الدوّامةُ تداعياتٍ متعلِّقةً بالتفاؤلِ والتّشاؤمِ اللّذَيْن قَدْ يَقودُ إليهِما التّحليلُ الموضوعيُّ. فهَلْ يُبنَى الأملُ على التحليلِ العلميِّ الذي قَدْ يَدفعُ إلى تشاؤمِ العقلِ أمْ على إرادةِ العملِ وتفاؤلِ الإرادةِ مِنْ أجلِ التغيِير؟ وأقصد ذلكَ العملُ الذي يستندُ إلَى معرفةِ الواقِع، ولكنّه بتفاؤُلِ الإرادةِ يُغيِّرهُ بصُنعِ وقائعَ جديدةٍ. أنا مُنْحازٌ إلَى فكرةِ أنَّ الأملَ يَقومُ على العملِ وإرادةِ التغيِير، وأنَّ العملَ يُمْكنُ أَنْ يَسترشِدَ بالتحليلِ العقلاني، ولكنَّ الأملَ لا يَقومُ عليه.

لا تَناقُضَ بينَ المعرفةِ العلميةِ مِنْ جهةٍ والواجبِ الوطني والممارسةِ الفاعلةِ منْ أجلِ هدفٍ مَحمودٍ، مثلَ الحريةِ والعدالةِ من جِهةٍ أُخرى. هذا أَكِيد؛ فالغايةُ الأساسيةُ للمعرفةِ العلميةِ في العلومِ الاجتماعيةِ والإنسانية هيَ الحرية. ولكنْ، يحتاجُ المرءُ إلى قَدْرٍ مِن التفاؤُلِ التَّنويري لكَيْ يُؤْمِنَ أنَّ المعرِفةَ العلميّةَ هيَ الأداةُ المثلى لتغييرِ المجتمعاتِ نحوَ الأفضلِ، وفي السَّعيِ نحوَ العدالةِ. بَيْدَ أنَّ أَحداثًا كُبْرى وكوارِثَ عُظمى جرَتْ منذُ القرنِ الثامِنَ عشَرَ، قَرْنِ هذا التفاؤلِ التاريخي بالتقدُّم، جعلَتْنا أكثرَ رَيْبيّةً تجاهَ الاعتقادِ بالتحالفِ المُطْلقِ بينَ المَعرفةِ والتنوير والعَدالة.

ولِغرضِ الاستمرارِ في العملِ مِنْ أجلِ ما هو أفضلُ بمعاييرِ الحريةِ والعدالةِ، نُفضِّلُ المبدأَ الذي يقولُ إنَّ علينا بوَصْفِنا علماءَ وباحثِينَ، أَنْ نَقومَ بواجبِنا العلميِّ بموضوعيّةٍ، وعليْنا في الوقتِ ذاتِه أنْ نَقومَ بما تمليه علينا المواقف الأخلاقيّةِ التي يتَضمَّنُ واجبَنا الوطنيَّ تجاهَ شعبِنا بانحيازٍ كامِل. والأخلاقُ في حالتِنا، كَما في كلِّ حالةٍ، مُرتبطةٌ بفَهمِنا للخيرِ والشرِّ، كَما أنَّها مرتبطةٌ بالانتماءِ إلى الجماعةِ الوطنيّةِ والإنسانيّة؛ فهذهِ طبيعةُ القِيَمِ. ونحنُ نَختلفُ على تدريجِ الجماعةِ الأخلاقيةِ مِن الأضيَقِ إلى الأعَمِّ الإنسانيّ، أَوْ مِن الأعَمِّ الإنسانيِّ إلى الأضيَقِ. ولكِنّهما على كلٍّ حالٍ تلتقِيان في القضيّةِ الوطنيّةِ إذَا كانتْ عادلةً؛ فالجماعةُ الصُّغرَى هُنا هيَ الجماعةُ الكُبْرى، لأنَّ قضيَّةَ الجماعةِ هيَ ذاتُها قضيّةٌ إنسانيةٌ في الوقتِ ذاتِه، ولأنَّ الشعبَ هنا يَتعرّضُ إلَى ظلْمٍ بالمقاييسِ الإنسانيةِ الكوْنِيّة. نحنُ نَتحدّثُ عن ظُلمٍ واقعٍ بحقِّ شعبٍ بأكملِه، ومشروعٍ استيطانيٍّ متواصِلٍ، وملايِينَ من المُهجَّرينَ مِنْ وطنِهم، وأبنائِهم الذين حافَظوا على هُويّتِهم كلاجئينَ فلسطينيِّين فيمَا يُسمَّى الشّتاتَ الفلسطينيّ، ومَلايِينَ آخرين يعيشونَ في واقعِ فصْلٍ عنصريٍّ استعماريّ تحتَ الاحتِلال.

لَقدْ عُمِل كثيرًا خلالَ العقودِ الأخيرةِ، على إيجادِ تسميةٍ أُخرى للقضيّةِ الفلسطينيةِ مِنْ نوعِ "أزمةِ الشرقِ الأوْسط" (التي لَمْ نَعُدْ نَسمعُ بها)، وتسمياتٍ لهذهِ الوَقائعِ مِنْ نوعِ، "الداخلِ والخارِج"، و"السُّلطةِ الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ في الضفّةِ الغربيّة"، و"عرَبِ إسرائيل"، و"الحكومةِ المُقالَة"، و"عمليةِ السَّلام"، و"القدسِ والضفّةِ" كأنّهُما كِيانان... هذا، إذَا لَمْ نأخُذْ بعينِ الاعتبارِ الانتشارَ المفْرطَ في المُعجمِ التداولي الإعلامي السِّياسي الدولي لِتَسمِياتٍ صهيونيّةٍ مباشرة؛ مثلَ "عرَب أرضِ إسرائيل"، و"يهودا والسامرة"، و"المستوطناتِ الشرعية وغيرِ الشرعيّة"، وغيْرِها.

لكيْ نَكونَ قادرينَ على إطلاقِ حُكمٍ قيميٍّ واضحٍ على ما يجرِي في بلادِنا بشأنِ قضيّةِ فلسطين، لا بدَّ مِنْ تَنقيةِ الطاولةِ مِنْ كُلِّ هذهِ المُصطلحاتِ والطَّبقاتِ المُتراكمةِ التي خلَّفتْها الهيمنةُ الصهيونيّةُ على الخِطابِ السياسيِّ بِشأنِ فلسطين، وصراعاتِ الأيديولوجياتِ والأنظمةِ العربيةِ، والمفاوضاتِ السياسيّةِ، وإِسقاطاتِ صراعاتِ الهُوِيّةِ والتاريخ في أوروبا وأميركا بشأنِ المسألةِ اليهوديّةِ علَيْنا، وغيرُ ذلك كثيرٌ. عندَها يمكنُنا أنْ نَرى قضيّةَ فلسطين كقضيّةِ شعبٍ سُلِبَ وطَنُه، وهُجِّرَ مِنْ أرضِه.

وعندَها، يُمْكنُنا أيضًا أنْ نَرى أنّه خلالَ إقامةِ الكيانِ السياسي على أرضِ هذا الوطنِ، مُورِستْ باستمرارٍ سياساتٌ عنصريّةٌ واستعماريّةٌ، وما زالَتْ تُمارَسُ مِن دونِ توقُّفٍ. وتُلَخَّصُ هذه تحتَ عنوانِ المصادرة أو الاستملاكِ أو السَّطْوِ المُسلَّحِ، بدْءًا مِن مصادرةِ الأرضِ واستملاكِها ومَنْحِها لوَافدينَ بتبريراتٍ مختلِفةٍ، ونهايةً بمُصادرةِ التاريخِ والذّاكرةِ وحتَّى الأسماء؛ وهو الاستملاكُ الذي تَحَوَّل في الواقعِ إلى عمليّةِ إحلالٍ كامِلةٍ.

لا نَحتاجُ هنا إلى تصنيفِ البشرِ بينَ أخيارٍ وأشرارٍ؛ فليس المظلومونَ أخيارًا بالضرورةِ، ولا الظالِمون أشرارًا كأَفرادٍ. ومَنْ يقَع في فخِّ هذه التصنيفاتِ يَبْتعد عَنْ مَفهومِ العدالة، ويبدأُ في محاكمةِ الفلسطينيّينَ بمعاييرِ التفوُّقِ الأخلاقي، وغيرِها من الأوهامِ ممَّا وقعَ فيه خِيرةُ المثقّفينَ الفلسطينيّين، ويبدأُ من ناحيةٍ أخرى في التعاملِ مع الطرفِ الآخرِ كمُعسكرِ الشَّرِّ، أوْ كشياطينَ لا كظالمِينَ؛ فيَفوتُهُ فَهْمُ ما يجري اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا عندَ مَنْ يمارِسُ الاحتِلالَ، ويفوتُهُ التميِيزُ الصّحيحُ بينَ مُحتَلٍّ وواقعٍ تحتَ الاحتِلالِ. فمَنْ يناضِل ضدَّ الاحتلالِ هو صاحبُ قضيَّةٍ عادِلة. ولكِنْ هذا لا يَعنِي أنَّ الوقوعَ تحتَ الاحتلالِ فضيلةٌ، مثْلَما أنَّ دُخولَ السِّجنِ بحدِّ ذاتِه ليسَ فضيلةً. النِّضالُ ضدَّ الاحتلالِ عادلٌ حتّى لوْ أَدَّى إلى السِّجنِ، والنِّضالُ ضِدَّ السّجنِ بغيْرِ حَقٍّ، هو نضالٌ مِنْ أجلِ قضيَّةٍ عادِلةٍ، بِغَضِّ النظرِ عنْ طبيعةِ المَسجونِ؛ وهكذا.

وعلى النقيضِ مِن ذلك، يَقعُ مَنْ يبتعدُ تمامًا عن الحُكمِ الأخلاقيّ في فخِّ الإعجابِ بالظالِمِ، لأنّه يرَى أنَّ التطوُّرَ والتقدُّمَ، همَا سببُ تَفَوُّقِهِ مُحمِّلًا "تخلُّفَه" مسؤوليةَ فِقدانِه الحقوقَ الوطنيةَ والفرديَّة... وقد يُعجَبُ المظلومُ نفسُه بالظالمِ إذَا فقَدَ التوازنَ بينَ المعرفةِ اللازمةِ لتشخيصِ بنيةِ العَلاقةِ بينَ المحتَلِّ والواقِعِ تحتَ الاحتلالِ مِنْ جهةٍ، والحُكمِ الأخلاقي عليْها من جهةٍ أخرىِ.

ولا نَحتاجُ أيضًا إلى الحديثِ عن الحقوقِ التاريخيّةِ، وتشَكُّلِ القوميّاتِ، والقانونِ الدولي وغيرِه؛ لكَيْ نَحْكُمَ أنَّ ظُلْمًا بيِّنًا وقَعَ على الشعبِ الفلسطيني، وأنَّ هذا الظُّلْمَ ما زالَ يُمارَسُ، وأنَّه يُعيدُ باستمرارٍ إنتاجَ مسألةٍ استعماريّةٍ مستمِرّةٍ، ومسألةِ تمييزٍ عنصريٍّ يَبدو أنَّ العالَمَ يَستسهِلُ التعايُشَ معَها.

إنَّ البحثَ في الحقوقِ التاريخيّةِ والتبريراتِ التي يَسوقُها كلُّ طرَفٍ في دَعمِها، ومَسألةَ وُجودِ شعبٍ فلسطينيّ وتَشكُّلِه، والمسألةَ اليهوديّةَ في أوروبا وتداخُلَها مع قضيّةِ فلسطين كمصدرِ خصوصيّةٍ وتعقيدٍ لهذه القضيّةِ، وأثَرَ قضيّةِ فلسطين في الشعوبِ العربيّة، بَلْ في صَوْغِ القوميةِ العربيّةِ أيديولوجيًّا، ونُشوءَ الأنظمةِ العربيّةِ الأيديولوجيّةِ في خمسينيَّاتِ القرنِ العِشرين، وأثَرَ النّكبةِ في المرحلةِ اللبراليّةِ العربيّة بينَ الحربَيْن، والعَلاقةَ بينَ نَكبةِ فلسطين ونُشوءِ الأنظمةِ العسكريّةِ العربيّة؛ كُلُّها أسئلةٌ تَدخلُ في مَجالِ الدراسةِ والبَحْثِ الذي يتطلَّبُ تَوخِّي أَكبرَ قدْرٍ ممكِنٍ مِنْ مَعرِفةِ الحقائقِ الموضوعيَّةِ. هذا ما أَشغلَنا في جدولِ أعمالِنا البحثيِّ عمومًا. وهذا ما يجِبُ أنْ يَشْغلَنا لاحقًا... إضافةً إلى ما جَرى تَثْبيتُه مِن كتابةٍ تاريخيةٍ تَوْثيقيّة لتاريخِ فلسطين والقضيّةِ الفلسطينيةِ في مقابلِ السرديّةِ الصهيونيّةِ. وليْس الانشغالُ بهذهِ المواضيعِ بديلًا عن الموقفِ القيَمِيّ الأخلاقي والأفعالِ المُمارَسةِ انطلاقًا منه، والتي تُسمَّى نِضالًا.

وإذَا كان مِنْ حَقِّ المُؤسَّسةِ الجامعيّةِ الصهيونيّةِ أنْ تَستخدِمَ العلومَ الاجتماعيّةَ النظريّةَ والتطبيقيّةَ وعِلْمَ التاريخِ وغيْرَهُ في فَهْمِ العَوائقِ أمامَ استيعابِ الهجرةِ الصهيونيَّةِ وتذْليلِها، وفي فَهْمِ البنيةِ الاجتماعيّةِ والثقافيةِ للهِجْراتِ، وفي السوسيولوجيا العسكريّةِ، وفي فَهْمِ تاريخِ فلسطين وبنيةِ الشعبِ الفلسطيني... وذلك لأغراضِ سياسات السيطرةِ وتبريرِها، وفي طَرْحِ تَوقُّعاتٍ مِنْ أجلِ المستقبلِ، فما بالُكَ بالشّعبِ الذي كانَ وما زالَ ضَحيَّةً للْمُمارسةِ الصهيونيّةِ! مِنْ حقِّنا، بلْ مِنْ واجبِنا، أَنْ نَسترشِدَ بالتحليلِ العلميِّ لِمَا يَدورُ منْ حَوْلِنا في خِدمةِ قضيّةٍ عادلةٍ. ولهذا، نَعَمْ يَصِحُّ مؤتمرٌ أكاديميٌّ عُنوانُه "قضيّةُ فلسطين ومستقبلُ المَشروعِ الوطنيّ الفلسطينيّ".

ولَوْ سلَّمْنا بوُجودِ مَنهجٍ عقلانيّ ونَوايَا مَعرفيّةٍ حقيقيّةٍ، فسُرعانَ ما يَتبيَّنُ أنَّ أحدَ العَوائقِ الرئيسَة أمامَ التفكيرِ العلميِّ البحثيّ بشأنِ حالِ قضيّةِ فلسطين، هوَ الأَصنامُ المعرِفيّةُ التي قد يكون أصلها تحليليا عقلانيا في كلِّ حِقْبةٍ، ولكنها تَغدو مقدَّسةً ومُحَرَّمةً على التفكيرِ إلى حين. وهيَ في الواقعِ نتاجُ مرحلةٍ مُحدَّدةٍ، ولكنَّ تقديسَها يَدومُ غالبًا حتّى بعدَ أَنْ تنقضِيَ هذهِ المرْحلةُ. ثَمّةَ مَراحلُ جرَى فيها التعاملُ معَ قضيّةِ فلسطين كمسألةِ هجرةٍ يهوديّةٍ على حِسابِ السُّكَّانِ الفلسطينيِّينَ، وجَرى بشأنِها مُناشدةُ الدّوَلِ الاستعماريّةِ لتَفْهمَ قُدرةَ فلسطين الاستيعابيَّة، ونُظِرَ إليها في مرحلةٍ أخرى كمرحلةِ مطامِعَ بريطانيّةٍ في المشرق، وفي مرحلةٍ ثالثة، وخلالَ مَوْجَةِ حرَكاتِ التحرُّرِ الوطنيّ، نُظِرَ إليْها كقضيّةِ نضالٍ تحرُّريٍّ مِن الاستعمار. وفي مَرحلةِ المَدِّ القوْمي تَناقَشْنا طوِيلًا: مَن الذي يجبُ أَنْ يسبقَ الآخَرَ؛ الوحدةُ العربيّةُ أَمْ تحريرُ فلسطين؟ وكان للْيسارِ مُصطلحاتُهُ في فَهْمِ قضيّةِ فلسطين كقضيّةِ صراعٍ طبقيٍّ في فلسطين ذاتِها وفي الإقليمِ ضِدَّ الصهيونيّةِ والرجعيّةِ العربيّةِ والإمبرياليَّة. وكانَ للتيَّارِ الإسلاميِّ مصطلحاتُهُ، وكذلك للتيَّارِ القومِي. وقادَتْ جميعُها إلى تَعميماتٍ مِنْ زوايَا نَظَرٍ مُحدَّدةٍ. ومعَ أنَّ المُصطلحاتِ هذه تَكونُ مُفيدَةً مِن زاويةِ النظرِ المحدَّدةِ هذه، إلا أنها تُصبِحُ مُضِرَّةً حينَ تُعلِنُ عنْ نفسِها رُؤْيةً شموليّةً إقصائيَّةً تُفسِّرُ الواقعَ كلَّه، فتنتهِي بإخضاعِه للأيديولوجيا. وهي حينذَاكَ لا تَكتفي بتَخْطِئةِ زاويةِ النظرِ الأخرى، بلْ تَعُدُّها خَصْمًا سياسيًّا.

وغالبًا ما تَخسِرُ الأيديولوجيا العالَمَيْن، عالَمَ المعرفةِ العلميةِ وعالَمَ الأخلاقِ؛ لأنَّها لا تَنظرُ في الواقعِ لكَيْ تفهَمَه، بلْ لكَيْ تَنتقِيَ منْه ما يُثْبتُ نفسَها، وتَحكُم عليْهِ بأحكامٍ غيرِ علميَّة؛ وهي مِنْ جهةٍ أخرى تحدّدُ القيمة المعيارية بالإجابةِ على سؤال لا علاقة له بها، وهو السُّؤال: معِي أوْ ضِدِّي؟ أو السؤال: في مَصْلحةِ مَنْ؟ وبذلك، تَخسِرُ خصوصيَّةَ الأخلاقِ.

ولا تَكمُنُ المُهمّةُ في تَحطيمِ الأصنامِ، ولا في تَفْنيدِ زوَايا النّظَرِ، بَلْ في احتوائِها وتَجاوُزِها. فليستْ زاويةُ النّظرِ الطبقيّةُ كلامًا فارِغًا، ولا زاويةُ النّظرِ القوميّةُ، ولا زاويةُ النّظرِ الإسلاميّةُ الدينيّة، ولا زاويةُ النظرِ اللبراليّةُ؛ فكُلُّها زوَايا نظَرٍ نابِعةٌ مِن الواقعِ وقد تَكونُ مفيدةً، إذَا فهِمْنا مَنْبعَها التاريخيَّ وحدودَها، لكنَّها تُصبِحُ عائقًا أمامَ المعرِفةِ وأمامَ الأحكامِ الأخلاقيّةِ بشأْنِ العدالةِ حينَ تُصِرُّ على أنَّها رُؤيةٌ شموليّةٌ تَصْلُحُ لتفسيرِ كُلِّ شيْءٍ.

ولا أَرغبُ في هذه المُحاضرةِ الافتتاحيّةِ في مُراجَعةِ التاريخِ على أهميّةِ إجرائِها، ولا في تَفْنيدِ زوَايا النّظرِ المختلِفةِ، بَلْ سأُحاولُ مُلامَسةَ مَوضوعِ مُؤتمرِنا الذي لمْ يَجْرِ اختِيارُه صُدْفةً، فقَدْ كانتْ مبرِّراتُ المركزِ العربيّ للأبحاثِ ثلاثَةً، وهي: أوّلًا، فِعْلُ أمْرٍ ما في وَضعِ أجندةٍ بحثيّةٍ بشأْنِ فلسطينَ تتجاوزُ ما جَرَى حتَّى الآن. وثانيًا، إرسالُ إشارةٍ مِن أكاديميّينَ عرَبٍ وفلسطينيِّينَ تُعبِّرُ عَنْ عدَمِ الرِّضى عنْ تهميشِ قضيّةِ فلسطين. وثالثًا، التأكيدُ على الحاجةِ إلى بحثِ المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيّ ومستقبلِه في الظروفِ المتغيّرةِ دوليًّا وإقليميًّا. ولا يمكنُ تجاهلُ الاعتقادِ المُنتشرِ بأنَّ المشروعَ الوطنيَّ الفلسطينيَّ يعيشُ حالةَ انسِدادٍ تُحَتِّمُ التفكيرَ في مستقبلِه.

ومِنْ دونِ مقدّمةٍ تاريخيّةٍ، أَقولُ إِنَّ المشروعَ الوطنيَّ الفلسطينيَّ وقَفَ دائمًا، وليس مُنذ الستينيَّات فقطْ، علَى رِجلَيْن؛ الأُولى مقاوَمةُ الظُّلمِ والعُدْوَانِ المتمثِّلَيْن بالاستيطانِ والتّوسُّع، وذلك بَدْءًا بالمقاومةِ السلبيّةِ، ونِهايةً بالكفاح المسلَّح على أشكالِه المُنظَّمَةِ والأقلَّ تنظيمًا. والثانيَة، العملُ السِّياسي، وذلك مُنذ أَنْ بَدأَتْ اتّصالاتُ الهيئةِ العربيةِ العُلْيا بالدولِ العربيّةِ والمجتمعِ الدولي قبْلَ عامِ 48، ومرورًا بمَرْحلةِ اتِّصالاتِ منظَّمةِ التحرير لتَحْصيلِ اعترافٍ بها بوصْفِها مُمثِّلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعبِ الفلسطينيّ، وحتَّى طَرْحِ مشروعِ الدّولةِ الفلسطينيّةِ والصِّراعِ على تحقيقِه منذُ السبعينيَّات.

نَجِدُ رُكْنَي المشروعِ الفلسطيني هذَيْن في مراحلِ تَطوُّرِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ كافَّةً. ويمكنُ كتابةُ التاريخِ الوطني الفلسطينيّ الحديثِ عبْرَ النّظَرِ في تَلاقِيهِما وانْفصالِهِما؛ ففِي مراحِلَ كان فيها أحدُهما يخدِمُ الآخَرَ، وفي مراحلَ أخرى تَمايَزَا وتقاطَعَا، وفي أخرى تَناقَضَا وانْفصَلَا. واحتاجَ كُلٌّ مِن المِحورَيْن إلى ذاكرة ومبرّراتٍ خاصة بها (سرعان ما تحوّلت إلى تاريخه الخاص)، كما استند إلَى علاقاتٍ دوليةٍ وعربيةٍ تسْندُه.

وقدْ تعايَشَا تارةً في الحَركاتِ نفسِها، وحتّى في الشخوصِ أنفسِهمْ، وانفصَلَا طوْرًا في حركاتٍ مختلِفةٍ وشخوصٍ مختلفين، اختلفَتْ في تشديدِها على هذيْنِ المِحورَيْن كمُركَّبَيْن في العملِ السياسي، ووَصَلَ الاختِلافُ أحيانًا إلى جَعْلِ أحدِهِما هَدفًا والثاني وَسيلةً، أَوْ في جَعْلِ أحدِهِما حقًّا والآخرِ باطلًا، وهكَذا. وبِمَا أنَّ كلًّا مِن المِحورَيْنِ استَندَ إلى حاضنةٍ عربيّةٍ، وسياساتٍ عربيّةٍ مختلِفةٍ، فقَدْ فرَّقتهُما في كثيرٍ مِن الحالاتِ الصراعاتُ العربيّةُ، كَمَا استندَ كلٌّ مِن المِحوَرَيْنِ إلى سياساتٍ وصراعاتٍ دوليّةٍ.

ويُمكنُنا القوْلُ إنَّ المِحورَ السياسيَّ انتهَى عبْرَ طريقٍ طويلٍ إلَى التقَوْلُبِ بمُوجبِ تَسيُّدِ الدولةِ القُطْريّةِ العربيّةِ المشهدَ منذُ الاستقلالِ على الرَّغمِ منْ هَيمنةِ الأيديولوجية القوميّةِ في بعضِ المَراحل، وإلى تَبنِّي طَرْحِ مَشروعِ دولةٍ قُطريّةٍ فلسطينيةٍ، هيَ الدّولةُ الفلسطينيّةُ في الضفّةِ الغربيّةِ وقِطاعِ غزّة. وكما انتهى الصّراعُ العربيُّ الإسرائيلي عبْر تسيُّدِ الدولةِ القُطريّةِ، إلى المُفاوضاتِ المنفرِدةِ لكلِّ دولةٍ مواجِهة عربيّة مع إسرائيل على حِدَة، كذلك انتهَى أصحابُ مَشروعِ الدولةِ الفلسطينيّةِ إلى الإصرارِ على أَنْ يكونَ تَفاوُضُهُمْ معَ إسرائيل ثُنائيًّا منفصِلًا عنْ بقيَّةِ المَساراتِ التفاوضيَّة.

وكانتْ حقيقةُ توفُّرِ مَشْروعٍ سياسيّ لدَى أصحابِ مَشروعِ الدولةِ، مصدرَ قُوَّةٍ لهمْ لفترةٍ طويلة. ولكِنَّ قبولَ مبدإِ الدولةِ الفلسطينيةِ دوليًّا اقتضَى التَّخلِّي عنْ خِيارِ الكفاح المسلَّح. وعليْنَا أيضًا أَنْ نُضيفَ أنَّ التّخلِّي عَن الكفاح المسلَّح، لَمْ يَكُنْ لهذا السببِ فقَطْ، بلْ ساهمَتْ في الدفعِ إليْهِ أيضًا تغيُّراتٌ بنيويَّةٌ في الوطنِ العربيّ وفِي حَواضِنِ الكفاحِ المسلَّحِ وامتداداتِه العربيّةِ والدوليّة، وذلِكَ بعدَ حربِ لبنان 1982، وانهيارِ النظامِ العربيِّ القديم بعدَ ذلك بِعَقْدٍ في حربِ الخليجِ الثانية 1991، وانهيارِ المعسكَرِ الاشتراكي، وغيرِ ذلك.

ومعَ تَحوُّلِ مَشروعِ الدّولةِ بالمُجملِ إلى مشروعٍ يَجْري التوصُّلُ إليه بالتفاوضِ مباشرة معَ إسرائيل في مفاوضات ثنائية، أو ما يُسمَّى بالعمليّةِ السياسيّة، ضَعُفَتْ مقاومتُه أمامَ لُغةِ الغرْبِ وإسرائيل ومصطلحاتِهما في رُؤيةِ قضيّةِ فلسطين، كَمَا أصبحَ رهينةَ ميزان القوى المعبر عنه في عمليّةِ التفاوُض الثنائي. وفي لحظةٍ تاريخيّةٍ أخيرةٍ، تمَرَّدَ فيها على هذا المصيرِ، وعادَ إلى الكِفاحِ المسلَّحِ عوْدةً عاليَةَ التَّكلِفةِ في الانتفاضةِ الثانية، اضْطُرَّ بعدَها إلى أَنْ يَختارَ بصورةٍ قاطعة بينَ المُفاوضاتِ كخِيارٍ يَكادُ يكونُ مصيرًا أو قدَرًا مكتوبًا، والكِفاحِ المسلَّحِ. وكان ياسر عرفات ضحيَّةَ هذا التمرُّدِ الأخيرِ على محاوَلةِ فَرْضِ مَوازينِ القوَى المتسجدة تحديدا بالتحالف الأميركي المطلق مع إسرائيل في التفاوضِ على الحل الدائم، وتحديدًا على موقِفِه بشَأْنِ القُدْس. ومعَ ياسر عرفات ذهبَتْ بَقايا الازدواجيةِ في المَوْقِف، واختارَ أصحابُ مَشروعِ الدولةِ المفاوَضاتِ خِيارًا نِهائيًّا وحاسِمًا.

وانْفصَلَ الكِفاحُ المسلَّحُ تحت تسمية المقاومة ليُشكِّلَ خِيارًا خارجَ العمليّةِ السياسيّةِ، ومِنْ دونِ مَشروعٍ سياسيٍّ في الحقيقة، وإنْ أَطلقَ مِنْ حينٍ إلى آخرَ مبادراتٍ سياسيّةً وغيرَها في مُواجهةِ محاولاتِ شيْطنتِهِ في الغرب. وليس صدفةً أنْ تَتبنَّاهُ بمُثابرةٍ، قوًى مِنْ خارجِ منظَّمةِ التحريرِ التي تَحوَّلتْ بمُجملِها إلى مَشروعِ السُّلطةِ الوطنيةِ الفلسطينيّة. وسوفَ نشهَدُ أنَّ الفصائلَ التي تَبنَّتْ الاستمرارَ في خِيَارِ المقاومةِ المسلَّحةِ مِنْ خارجِ ما يُسَمَّى بالعمليةِ السياسيّةِ سوف تَقعُ في المأْزِقِ نفسِه حينَ تَدفعُها العمليةُ الانتخابيةُ إلى التَّورُّطِ في مَشروعِ سُلْطة.

لقَدْ أَقْصَتْ عَمليّةُ التفاوضِ السياسيِّينَ المتمسِّكينَ بخِيَارِ المقاوَمةِ، عن السياسة؛ إِذْ أَعلنَ الطَّرفانِ اللُّعبةَ الوحيدةَ في المدينة. واشتُرِطَ على الطّرفِ الفلسطيني أنْ يَعُدَّها الخِيارَ الوحيدَ. وأصبحَ حتّى الاحتجاجُ على بنيتِها غيرِ المُتكافئةِ والإملاءاتِ التي تَسُودُ فيها والناجمةِ عن استفرادِ الطرَفِ الإسرائيليّ بالفلسطينيِّين، يَجرِي بالأَدواتِ السياسيّةِ والأَرْوِقةِ الدبلوماسيّةِ فقَطْ، وأصبحَ التوجُّه إلى الأممِ المتّحدة، على أهمّيتِه، يُعَدُّ خطوةً ثوريّةً لأنَّها تَتمرّدُ على الاستفرادِ الإسرائيلي به في المفاوضاتِ الثنائيَّةِ، وهو أمر يزعج إسرائيل لأنه خروج عن التفاوض الثنائي. ولكن مع ذلك تبقى محاولة تصحيحِ الخلَلِ في العمليّةِ السياسيّةِ تجري أيضًا بأساليبَ سياسيّةٍ خاضعةٍ لِموازينِ القوى.

هنالك حَواشٍ وهوامِشُ كثيرةٌ لهذا التطوُّرِ؛ ومنْها بالطّبعِ تجَذُّرُ قُوَّةِ اليمينِ على الساحةِ الإسرائيليّةِ، وقَرارُ الولاياتِ المتّحدةِ الواضحُ بعدَمِ فَرْضِ إملاءاتٍ على إسرائيل، بِمَا في ذلك مَسائلُ عُدَّتْ ثَوابتَ في السياسةِ الخارجيّةِ الأميركيّةِ مثلَ مُعارضةِ الاستِيطان، ومنْها أيضًا مَأْزِقُ التفكُّكِ العربي منذُ حربِ الخليجِ الثّانية، وغِيابُ مَشروعٍ عربيّ يُمْكنُه أَنْ يُحافظَ على الحدِّ الأدنى من الثوابتِ في مُواجهةِ إسرائيل، واعتماد السياسات العربية على رِضَى الولاياتِ المتّحدة، ومُبادرةَ السلامِ العربيّةَ التي رَفضَتْها إسرائيل وظلَّتْ الأنظمةُ العربيةُ متمسِّكةً بها فقط لكَيْ لا تفكِّرَ في البدائلِ، واختباءُ الأنظمةِ هذه وراءَ المُفاوضاتِ الإسرائيليّةِ - الفلسطينيّةِ مُتَحجِّجةً بالقَرارِ الوطني الفلسطيني المستقِلِّ واحترامِ إرادةِ الفلسطينيِّين، وعدَمِ المُزايَدة، وغير ذلك.

والمهمُّ هو أنَّ المشروعَ الوطنيَّ الفلسطينيَّ المتمثِّلَ بالدّولةِ الفلسطينيّةِ، أصبحَ رهينةَ عمليّةٍ سياسيّةٍ تفاوضيّةٍ يرافقُها توسُّعٌ استيطانِيٌّ إحْلالِي مُذْهلٌ يَنجمُ عنْه على الأرضِ حَصْرُ كيانٍ فلسطيني في ما يُسمَّى المناطقَ "أ" و"ب"، وهو كِيانٌ مَنْقوصُ السِّيادةِ، ولا مانِعَ لدى إسرائيل أَنْ يُسمَّى دوْلةً، ولكنَّها تُريدُ مع ذلك ثمَنًا في المقابل. والمهم أن يعيش هذا الكِيانُ حالةَ انفصالٍ عنْ تفاعلاتِ المجتمعِ الإسرائيلي؛ كَيْ لا يُؤثِّرَ في بنيتِه الديموغرافيّةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ؛ ولكنْ لا يسمحُ له مِنْ جهةٍ أخرى بِأَنْ يَتحوَّلَ إلى دولة ذات سيادة على أرضها، ولا إلى امتِدادٍ عربيّ لمُحيطِه. وهو بطبيعة الحال ليس حلًا لقضية اللاجئين.

هنا، لا يَسعُنِي إلّا أَنْ أقولَ إنَّ بعضَنا تَوقَّعَ هذا السيناريو بتَفاصيلِه منذُ تَوقيعِ اتِّفاقِ أوسلو، وبعضُنا لَمْ يَتوقَّعْه، وتَحدَّثَ عَنْ سيناريو مُختلفٍ يتوقَّفُ خلالَه الاستيطانُ، ويقودُ إلى دولةٍ وطنيَّةٍ يتحوَّلُ فيها قِطاعُ غزَّة وحدَهُ إلى سنغافورة جديدة. هذا إذَا افترَضْنا أَنَّ الاجتهادَ بحُسنِ النِّيّةِ رائِدُ الجميعِ في سبيلِ المشروعِ الوطني الفلسطيني. ولكنَّ تحليلَ الوقائعِ القائمةِ حاليًّا يَكادُ يقودُ الجميعَ إلى إدراكِ السيناريو الكارثِيّ. ولكنْ، حينَ أصبحَت النتائجُ واضحةً للْجَميعِ، نَشَأَ خِلافٌ جديدٌ، وهو ليسَ خلافًا على قراءةِ الواقعِ لِلْأسف؛ فالجميعُ يُدركُ المأْزِقَ. وإنَّما الخِلافُ الفلسطينيُّ الفلسطينيّ حاليًّا هو صراعٌ على السُّلْطة. إنَّه الصِّراعُ الَّذي يمنَعُ من رؤيةِ الواقعِ الفلسطيني الواحِدِ والموَحَّدِ، والسياساتِ الإسرائيليةِ الواحدة؛ والصراع على السلطة أمر طبيعي، المشكلةُ أنَّه في حالتنا صراعٌ على السُّلطةِ قبْلَ مرحلةِ الدولة.

أمَّا بالنّسبةِ إلى الكِفاحِ المسلَّحِ، فسَأُغْنِيكُمْ عَن الخلفيّةِ أيْضًا؛ منذُ ثورةِ 36 – 39 وصولًا إلى نشوءِ فصائلِ العملِ الفِدائيّ ونِضالِها بعْدَ النَّكبة، وانتهاءً بحركاتِ المقاومةِ الإسلاميّةِ الفاعِلةِ حاليًّا. لقدْ أصبحَ التَّخلِّي عَن الكِفاحِ المسلَّحِ شرْطًا للدخولِ في العمليّةِ السياسيّة، ولهَذا تَحوَّلَت المُقاومةُ المُسلَّحةُ إلَى خِيارٍ خارجَ العمليّةِ السّياسيةِ، بَلْ يُعَدُّ نقِيضًا لَها حتّى في الحالاتِ التي لا يَرَى فيها نفْسَه كذلك.

ولسْتُ في حاجةٍ إلى إطالةِ الكَلامِ عن التطوُّراتِ التي طرَأَتْ على الدُّوَلِ التي عُدَّتْ حاضِنةً للكِفاحِ المسلَّحِ الفلسطينيّ. كمَا لَنْ أُعدِّدَ لكُمْ إنجازاتِ الكِفاحِ المسلَّحِ الفلسطيني بدْءًا مِن الإنجازِ القيَمِي الأخلاقِي المتمثِّلِ بعَدمِ الاستكانةِ للظُّلمِ ومُقاوَمَتِه، ومُرورًا بصَوْغِ الهُوِيَّةِ الوطنيّةِ الفلسطينيّة، ونهايةً بمَا يُسمَّى إعادةَ الانتشارِ الإسرائيليةَ في المناطقِ المحتلَّةِ التي التقَتْ فيها ضغوطُ الكِفاحِ المسلَّحِ الفلسطيني مع المَخاوفِ الديمغرافيّةِ الصّهيونيّة. وهذه الأخيرة كانتْ قائمةً أكاديميًّا، ولكنَّها تحوَّلَتْ إلى تحريكِ السِّياسةِ بسببِ الكِفاحِ المسلَّحِ؛ فالشّعبُ السّاكِنُ المُستكينُ، والشعبُ المقسَّمُ إلَى طوائِفَ متصارِعَة، لا يُشكِّلُ خطَرًا ديموغْرافيًّا.

والحقيقةُ الصلبةُ والثّابتةُ حاليًّا هيَ أنَّ إسرائيلَ سَعَتْ منذُ انسحابِها مِنْ طرفٍ واحدٍ منْ جنوبِ لبنان، ثمَّ مِنْ قطاعِ غزَّةَ بعدَ ذلك بأربَعِ سنَوَاتٍ، إلى أَنْ تُحَوِّلَ عملياتِ المقاومةِ إلى سبَبٍ للْحَرب casus belli. كانتْ هذه إستراتيجيّةَ إيهود باراك وأرئيل شارون في الانسحاباتِ مِنْ طرَفٍ واحِدٍ من جنوب لبنان ومن غزة. وكانَتْ هذهِ إضافةً جدِّيةً إلى العقيدةِ العسكريّةِ الإسرائيليةِ في بدايةِ هذا القَرْن.

وكان الكفاح المسلح قد تحوّل سابقا من الخيار الوحيد لتحرير فلسطين إلى استراتيجية في مقاومة الاحتلال، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي لبنان بعد العام 1982. وبعد الانسحابات من طرف واحد، وتحديدا بعد عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، وعلى غزة في عام 2008\2009، تَحوَّلَتْ المقاومَةُ تحولًا ثانيًا إلى خِيارِ إستراتيجيّةِ الدِّفاعِ عَن النَّفْس أمام احتمال أي عدوان إسرائيلي مقبل. إنَّ ما يَتِمُّ الإشادَةُ به حاليًّا كمقاومَة هو ليْسَ ما سُمِّيَ مقاوَمةً في السابِق، فقد كانَتْ المقاومةُ إستراتيجيّةَ تحريرٍ بِغَضِّ النظرِ عَنْ واقعيَّتِها، ثم تحوّلت إلى خيار "مقاومة الاحتلال". ولكنَّ المقاومة المسلحة المنظمة حاليًّ هيا استراتيجيةُ دفاعٍ عن الذّاتِ وعَن الإقليمِ الذي تُسَيطِرُ علَيْه، وهذا لا يقلِّلُ مِنْ أهمّيَتِها. هذا، إذَا ما نَحَّيْنا جانِبًا الخطاباتِ التي تُحوِّلُها إلى لَقَبٍ لجماعةٍ أو حزْبٍ أو مِحْوَرٍ، والتي تَأْتِي في إطارِ صراعِ المَحاوِرِ العربيّةِ.

المُشْكلةُ أنَّ هذا الخِيارَ الذي باتَ دفاعيًّا يُستَخدَمُ مؤخَّرًا في خِدمةِ أغراضٍ أُخرى (ولا أقصد حالة غزة المحاصرة). ولِهذا تقليدٌ طويلٌ في السِّياساتِ العربيّةِ؛ وأَقْصِدُ استخدامَ العملياتِ ضِدَّ إسرائيل لتسجيلِ نِقاطٍ سياسيَّةٍ داخليةٍ أَوْ في الصِّراعِ بينَ الفصائلِ والأنظِمةِ. وهذا يَقودُنِي إلى فِكرةٍ لا بُدَّ مِن العودةِ للتّأكيدِ عليْها في مَرحلةِ نِضالِ الشّعوبِ العربيّةِ مِنْ أجْلِ الحريّةِ والديمقراطيّة. إذَا كانَتْ قضيّةُ فلسطين قضيَّةَ عدالةٍ وتحرُّرٍ كَما قُلْتُ في المقدِّمة، فهيَ لا تتناقَضُ مع العدالةِ للشُّعوبِ الأُخْرى، ولا سِيَّما مِنْ أبناءِ الأُمّةِ الواحدةِ، أَي الشُّعوبِ العربيّة.

لقَدْ حمَلَتْ قضيّةُ فلسطينَ دائمًا بُعْدَيْن: الأوَّلُ ذلك المتعلّقُ بالعدالةِ وحتَّى بالهُوِيّةِ العربيّةِ، والَّذي جَعلَها مسأَلةً تَتجاوزُ القِيَمَ إلى الوِجدانِ ذاتِه عندَ الشُّعوبِ العربيَّة. ولا يُمكنُنا هُنا أَنْ نُقْصِيَ العديدَ مِمَّنْ وَصلُوا إلى الحُكْمِ، وهُمْ يَرفَعونَ شِعارَ تحريرِ فلسطين، فلا شَكَّ في إِخلاصِ كثيرٍ مِنْهُمْ. ولكِنْ لا شكَّ أيْضًا في أنَّ حساسيّةَ الرَّأْيِ العامِّ العربِيّ لقضيّةِ فلسطين، أَغْرَت الأنظمةَ الاستبداديّةَ علَى أنواعِها لاسْتخدامِها كأداةٍ سياسيَّةٍ. وهذا هو البُعْدُ الثّاني. لقَد استُخْدِمَت قضيّةُ فلسطين في تبْرِيرِ القَمْعِ، وفِي مُحاربةِ الخُصومِ الذين كانُوا يُتَّهَمونَ بالخِيَانةِ حتَّى ولَوْ حارَبُوا مِنْ أَجلِ فلسطين، وكانَ خَدَمُ الأنظمةِ وحُلَفاؤُها يُشَرْعِنونَ مَنْ في مُعَسكرِهِم حتَّى لَوْ كانَ مِنْ مُؤيِّدِي التطبيعِ معَ إسرائيل، بَلْ حتَّى لَوْ تعاوَنَ معَ إسرائيل مباشرةً، ويُخَوِّنونَ مَنْ هوَ ضِدَّ معَسْكرِهِمْ حتَّى لَوْ كان مناضِلًا فلسطينيًّا.

يُمْكنُنِي الجَزْمُ أنَّ تحويلَ قضيّةِ فلسطين إلى أداةٍ استخداميَّةٍ بِيَدِ أنظمةٍ استبداديّةٍ فاسِدةٍ، لَمْ يُضرَّ بِها أخلاقيًّا وقيمِيًّا فقَطْ، بَلْ أَضَرَّ بِها فِعْليًّا؛ فالأنظمةُ ذاتُها التي لَمْ تُوَجِّه الطاقاتِ إلى الصِّراعِ معَ إسرائيل، استَخْدَمَتْ قضيَّةَ فلسطين في لُغَةِ الاستبدادِ، بحيْثُ لَوَّثَت الخِطابَ التحرّرِيَّ الفلسطينِيّ، مِثلَما لَوَّثَتْ في مرحلةٍ ما كلِمَةَ "ثوْرة"، و"مَجْلس ثوْرة" قبلَ أَنْ تُعِيدَ الشُّعوبُ الاعتبارَ لهذهِ المُفْرداتِ في الأعوامِ الثَّلاثةِ الأخيرة. وأصبحَ بعضُ اللِّبراليِّينَ العرَبِ مُعجَبًا بإسرائيل كردَّةِ فعْلٍ على فسادِ الأنظمةِ الدكتاتوريَّةِ التي تُتاجِرُ بِهَا شِعارًا، كَمَا انحازَ بعضُ الفلسطينيِّينَ إلى ديماغوغيا الأنظمةِ في مقابلِ الاستسلامِ والتطبيعِ، فأصبَحُوا هُمْ أيْضًا أدواتٍ يَتعاملُونَ في السياسةِ الفلسطينيَّةِ لأهدافٍ لا عَلاقةَ لها بفلسطين. لقد فاتَ الكثيرَ مِن اللِّبراليِّينَ أنَّ هذهِ الأنظمةَ تَستخدِمُ قضيَّةَ فلسطين في تبريرِ عَجْزِها وتَخَلُّفِها، وأَنَّ قضيَّةَ فلسطين ليستْ هيَ سبَبُ العَجْزِ والتخلُّفِ، بَلْ غالِبًا ما كانَت العامِلَ الذي فَضَحَ العجْزَ والتخلُّفَ، وغالِبًا ما كانَتْ الدّافِعَ إلى التَّنمية. فلا ذنبَ لفلسطينَ في استخدامِ الأنظمةِ الاستبداديةِ لها ديماغوغيًّا، وبالعكسِ تمامًا، إِنَّ هذا الاستخدامَ يجعلُ مِنْ فلسطينَ ضحيَّةً مضاعَفَةً.

قُلْنا إذَنْ إنَّ الخِيَارَ السِّياسيَّ في مأْزِقٍ، وإنَّ خِيارَ الكِفاحِ المسلَّحِ في حالَةِ انْفِصالٍ عَن السِّياسةِ مُنْخرِطٌ في صِراعٍ على وجودِه، وتَحَوَّلَ مِن إستراتيجيَّةِ تحريرٍ إلى خِيارِ دِفاعٍ عَن النَّفس. فمَا الأُفُقُ الذي يُمكِنُ بَحْثُه الآنَ في ضَوْءِ هذهِ الحالَة؟

لقَدْ رَصَدَت السّياسةُ الإسرائيليّةُ بجانبِها الأكاديمِي وجانبِها السِّياسي العمَلِي، خطَرًا شديدًا في الثّوراتِ العربيّةِ واحتمالاتِ التطوُّرِ الديمقراطي في البُلْدانِ العربيَّة. ونُشِرُ عدَدٌ كبيرٌ مِن البحوثِ عَن الأخطارِ المُحْدِقَةِ بإسرائيلَ نتيجةَ تحرُّرِ الشُّعوبِ العربيّةِ، ونُشوءِ رأْيٍ عامٍّ عربِيٍّ، وعوْدَةِ البُعدِ العربِيّ لقضيّةِ فلسطين. ولكنَّها عادَتْ لِتعيشَ حالةَ استِقْرارٍ نتيجةً لمظاهرِ الثورةِ المُضادَّةِ التي انتَشَرَتْ، والتي تَظْهَرُ وكأنَّها ردّةٌ على خِياراتِ الصناديقِ الانتخابيَّةِ، في حينِ أنَّها في الواقعِ انقلابٌ على المَسارِ الديمقراطي برُمَّتِه، بِما في ذلك قَمْعُ حريّةِ التعبيرِ، والسيطرَةُ على الرَّأْيِ العامِّ، وعوْدَةُ الممارساتِ القمعيّةِ الأَمْنِيّة. وتَتجَلَّى الثِّقَةُ الإسرائيليّةُ بالنَّفْسِ حاليًّا في توَسُّعِ الممارَساتِ الاستيطانيّةِ داخِليًّا، والعودةِ إلى التّعاونِ الأَمْنِيّ معَ بعض الأنظمةِ، والبناءِ على انقسامِ العالَمِ العربيّ إلى مِحوريْنِ سُنِّي شيعِي خارجيًّا، وغيْرِ ذلكَ مِن الظَّواهرِ التي كادَت الثّوراتُ العربيّةُ تُودِي بها وتُبَدِّدُها.

مِنْ هُنا، لا بُدَّ مِن العودةِ إلى التفكيرِ في مستقبلِ المَشروعِ الوطنِيّ الفلسطيني على ضَوْءِ المتغيِّراتِ التالية:

1. مَأْزِقُ المُفاوَضات، 2. مأْزِقُ الكِفاحِ المسلَّحِ، 3. انشغالُ العالَمِ العربِيّ لمرحلةٍ غيرِ قصيرةٍ، بالثورةِ والثّورةِ المُضادَّةِ حتَّى تَستقِرَّ الأُمورُ إلى ديمقراطيّاتٍ عربيَّةٍ ناميَةٍ كمَا نَأْملُ.

وقَبْلَ أَنْ نَبدأَ في التفكيرِ في هذهِ الأُمورِ، عليْنَا أَنْ نُؤكِّدَ ما يَلِي: أنَّ خِيارَ مقاومةِ ممارساتِ الاحتِلالِ في هَدْمِ بيْتٍ أَو اقتلاعِ شجَرةٍ أَوْ بِناءِ مستوطنَةٍ، لَمْ يَتوَقَّفْ خِلالَ مأْزِقِ الخِيارَيْن؛ فَقَدْ دافَعَ الإنسانُ الفلسطينيُّ في كلِّ مناسبَةٍ عَنْ نفسِهِ وعائلتِه وأرضِه ضِدَّ الظُّلمِ. ولكِنْ، لَمْ تَجْرِ مُحاولاتٌ جادَّةٌ لتَأطيرِ طاقةِ المقاومةِ الهائلةِ هذهِ في إطارٍ نِضاليٍّ ومشروعٍ وطنِيّ يَبدأُ بالأساسيّاتِ هذِه. ولذلك، فمَا عَدَا التّضخيمَ الإعلاميَّ لهذهِ الحالةِ أو تلْك من حالاتِ المقاوَمةِ، وذلك إمَّا تَستُّرًا بقضيّةِ فلسطينَ في زمَنِ الثَّوْراتِ، غالِبًا ما تُرِكَ الإنسانُ المُقاوِمُ، أَو الحَيُّ المُقاوِمُ، أَو القريةُ الصّامِدةُ، فريسَةً لاستِفْرادِ الدّولةِ الصهيونيّةِ به، أَو للذَّهابِ بحْثًا عَن الحَقِّ في المَحاكمِ الصهيونيّةِ، معَ أَنَّها مِنْ أَدواتِ الاحتلالِ الرَّئيسة.

والملاحظةُ الثانيةُ، هيَ أَنَّ العالَمَ في أيّامِنا يَحترِمُ الشعوبَ العربيَّةَ لأنَّها تُناضلُ ضِدَّ الظُّلمِ عُمومًا، وظُلْمِ الأقرَبِينَ تحديدًا، وليسَ ضِدَّ ظُلْمِ إسرائيلَ فقَطْ. ولا يتوقَّعُ منْها أَنْ تقبَلَ بظلمِ إسرائيلَ، وهيَ تُضحِّي ضِدَّ ظلمِ أنظمتِها ذاتِها. فالصِّراعُ على الحرّيةِ والعدالةِ لا يتجزَّأُ، وأتباعُ الأنظمةِ الاستبداديةِ والأجهزةِ الأمنيَّة يُعَيِّرونَ مَنْ يُناضِلُ مِنْ أجلِ الحريةِ والعدالةِ والمساواةِ بأنَّه لا يُناضِلُ مِنْ أجلِ تحريرِ فلسطين، وكأنَّهُمْ يفْعَلُونَ.

إِنَّ أيَّ مُحاولةٍ للتفكيرِ في المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيّ مستقبَلًا، تَتطلَّبُ العودةَ إلى هذه الأساسيّاتِ؛ وهيَ التناقضُ القائمُ أصْلًا بينَ الإنسانِ الفلسطينيّ على أَرضِه، والممارساتِ الاستيطانيّةِ الإسرائيليّةِ حالِيًّا. ونَبدَأُ في البِناءِ على ذلك مِنْ هنا، فَلْنَنْظُرْ مِنْ حوْلِنا، ولْنُمْعِن النَّظَرَ بعيدًا عَن الشِّعاراتِ المُجْترَّةِ حتَّى فقَدَتْ معْنَاها: ثَمَّةَ عمليّةٌ استيطانيّةٌ واسِعةٌ جارِيَةٌ في القُدس لتحويلِ مدينةِ القدسِ العربيّةِ إلى ما يُشْبِهُ ما جَرَى لِيافا التي حُوِّلَتْ إلى حَيٍّ/غيتو داخلَ تل أبيب. هذا بالسّطْرِ الأخيرِ، ودَعْكُمْ مِن الشِّعاراتِ والخِطاباتِ التي تَأخذُ الناسَ إلى كُلِّ مَكانٍ إلَّا الموضوعَ ذاتَه. هذا هوَ الموضوعُ، تَحويلُ القدسِ إلى مدينةٍ يهوديّةٍ تَشمَلُ غيتو عربِيًّا؛ وتَجْرِي عمليّةُ استيطانٍ مكثَّفَةٌ لِضَمِّ ما سُمِّيَ في عمليّةِ أوسلو بالمِنطقةِ "ج" إلى إسرائيل في الواقِعِ وبالفِعْل؛ ويُضرَبُ حِصارٌ جائرٌ على قِطاعِ غزّةَ، ويَمْنَعُ الخِلافُ الفلسطينيّ – الفلسطينيّ، والصِّراعاتُ داخلَ مصرَ على طبيعةِ النِّظامِ، مِن اتِّخاذِ موْقفٍ حقيقيٍّ وفعلِيٍّ لكَسْرِ هذا الحِصار؛ وفي المَنَافي لاجئونَ يجْرِي تشريدُهُم الآنَ مرَّتَيْنِ وثلاثَ مَرَّاتٍ، ويتعرَّضونَ إلى نَكباتٍ جديدةٍ في سورية، حتّى اضطرَّ بعضُهم إلى اللُّجوءِ إلى مخيَّماتِ لبنان التي لا تَكادُ تتَّسِعُ لمَنْ فيها، وحتَّى وصلُوا إلى إندونيسيا. ولَنْ أُحاولَ لِلَحظةٍ أَنْ أَكونَ شاعريًّا بهَذا الشَّأْنِ، فلَنْ أُحاولَ أَنْ أَستثيرَ عواطِفَكُمْ على الإطْلاق. ولكنِّي أَكتفِي بالقوْلِ إنَّه في مدينةِ الناصرة في فلسطينَ المحتلَّة عامَ 1948 فَتَحَتْ عائلاتٌ بيوتَ عَزاءٍ لذَوِيها الذين قُتِلوا في مَجزرةِ الكيماوِي في ريفِ دمشقَ بعدَ أَنْ لَجأُوا إلَيهِ مِنْ مخيَّمِ اليرموك.

يَحْدُثُ كلُّ هذا في الوقتِ الذي يَجرِي فيه إعلانٌ إسرائيليٌّ عَنْ نَقْلِ أملاكِ اللّاجئينَ عامَ 48 مِن "القيِّمِ على أملاكِ الغائبين" إلى أَيْدٍ خاصّةٍ يهوديّةٍ شخصيّةٍ واستثماريّة. ما يَعنِي في الواقعِ إنهاءَ مسألةِ اللّاجئينَ مِن طرَفٍ واحدٍ. نحنُ نَشْهَدُ عَمليًّا تصفيةَ قضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيِّينَ، وخاتمةُ ذلك هي مطلبُ الاعترافِ العالَميِّ بإسرائيلَ كدولةٍ يهوديّةٍ.

لَنْ يَصْعُبَ على الفلسطينيِّ الذي يريدُ أَنْ يُشخِّصَ مناطقَ التَّماسِّ بينَ المشروعِ الصهيونيِّ والشعبِ الفلسطينيِّ ليَبنِيَ عليْها وحدةً وطنيّةً فلسطينيّةً تُبَلْوِرُ خِطابًا ديمقراطيًّا إنسانيًّا قادرًا على مخاطبةِ الرأيِ العامِّ العالَميِّ الذي أَهملَهُ خِيارُ التّفاوُضِ حِينَ حصَرَ الجهدَ في العَلاقاتِ مع الإدارةِ الأميركيّةِ، والإداراتِ الأوروبيّةِ بالدّرجةِ الثانية؛ وأَهملَه الكِفاحُ المسلَّحُ حينَ بَنَى على الخطابِ الدينيّ وحدَه للتحشيد والتعبئة، مِنْ دُونِ البُعدِ الديمقراطيِّ الذي كان كامنًا في مفهومِ حركةِ التحرُّرِ.

ولَنْ يَصعُبَ على الفلسطينيِّ الذي يريدُ أنْ يشخِّصَ نِقاطَ الضّعفِ الإسرائيليةَ، أَنْ يَرَى تأثُّرَها البالغَ بأَيِّ قرارٍ بالمُقاطعةِ، وحتى بحملات المقاطعة المحدودة ضدها، وبأَيِّ محاولةٍ للتعاملِ معَها بوصفِها دولةً استعماريةً أَوْ دولةَ فَصْلٍ عنصريّ. فهي تريدُ أنْ تُصَوَّرَ دولةً ديمقراطيةً (الوحيدة في المِنطقة) ضالِعةً في مفاوضاتٍ معَ طرفٍ فلسطينيّ على نِزاعٍ لا يُعرَفُ فيهِ مَن الظالِمُ ومَن المَظْلوم. ولِهذا، فكلّما ظهرَتْ بوادِرُ حملةِ مقاطعَةٍ دولية، أَوْ إِدانةٍ للاستيطانِ، استَنجَدَتْ إسرائيلُ بالعمليةِ التفاوُضيَّةِ.

تُهدِّدُ إسرائيلُ السُلطة بأَنَّ لُجوءَها إلَى خِياراتٍ نِضاليَّةٍ حتَّى مِنْ نوْعِ حملاتِ المقاطعةِ والضغطِ على إسرائيل، سوف يُهدِّدُ امتيازاتِها كسُلْطة. ويبدُو لِي أَنَّ أيَّ مشروعٍ وطنيٍّ فلسطيني سوفَ يقِفُ أمامَ هذَيْنِ الخِيارَيْنِ، وسوفَ يكونُ علَيْهِ أَنْ يَختارَ، وأن يدفع ثمن خياره إذا أراد الخروج من المأزق الحالي ولو بالتصعيد التدريجي المدروس.

المُنطلَقُ إلَى إعادةِ صَوْغِ المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيِّ، هوَ الواقِعُ على الأرضِ، سَمُّوهُ ما شِئتُمْ؛ "احتلال استيطاني"، "حالَةُ أبرتهايد"، ليسَت المسألةُ هيَ التسمِياتُ، بَلْ هيَ ما يَحُولُ بينَنا وبيْنَ طَرْحِ هذا الواقعِ الوطنيِّ الفلسطينيّ، وواقِعِ العُدْوانِ الصهيونيّ بِكُلِّيتِه، وليس كقَضايا منْفصلةٍ؛ والمسألةُ هيَ أيضًا وجودُ عُنوانٍ سياسيٍّ يتعامَلُ معَ مُجمَلِ الواقعِ الفلسطينيِّ، ويَطرَحُ هذا الواقعَ بكُلِّيتِه بلُغةٍ مَفهومةٍ دوليًّا. ويجب أن يكون تشكيل هذا العنوان الموحد هو الهدف من الوحدة الفلسطينية. فليس الهدف تشكيل حكومة موحدة ولا عقد انتخابات. وهذه على كل حال أهداف تعيد إنتاج الانقسام.

نحنُ لا نستطيعُ نَسْخَ تجرِبةِ المؤتمرِ الوطني الأفريقي بسببِ وجودِ خِلافٍ حولَ مفهومِ الدولةِ في الحالتين، وحول العمَلِ العربيّ - اليهوديِّ المشترَكِ، خِلافًا للعملِ المشترَكِ بينَ الديمقراطيِّينَ البيضِ والسُّودِ مِنْ أجلِ دولةٍ واحدةٍ، وبسببِ المسألةِ اليهوديةِ دوليًّا، وبسببِ المُفاوضاتِ الجاريةِ على كيفيّةِ فَصْلِ الشعبَيْنِ، وليس على كيفيَّةِ عيشِهِما سويَّةً. ولا نستطيعُ في الوقتِ ذاتِه أَنْ نَنْسخَ تجرِبةَ حركاتِ التحرُّرِ الوطنيِّ في الستينيّاتِ؛ فهذهِ مرحلةٌ انقضَتْ بلُغتِها ومَحاورِها الدوليَّةِ. ولكِنْ، هذا لا يمنَعُ أَنْ نتعلَّمَ مِنْ جنوبِ أفريقيا وخطابِ المؤتمرِ الوطنيِّ الأفريقي عالَميًّا، ومِنْ نِقاطِ قُوَّةِ حركاتِ التحرُّرِ الوطني، وقبلَ هذا كلَّهُ، أَنْ نتعلَّمَ مِنْ تاريخِنا نحن لكَيْ نُبَلْوِرَ خِطابًا ضاغطًا فعلًا على إسرائيل، وقادرًا فِعْلًا على استِقطابِ أوسَعِ تَأْييدٍ مُمكنٍ في الرأيِ العامِّ العربي، وعلى الساحةِ العالَميّة.

المشكلةُ حاليًّا، هيَ الدفعُ باتِّجاهِ المشروعِ السياسيِّ الَّذي يَرى معاناةَ الإنسانِ الفلسطينيِّ في سورية ولبنان، وفي غزّة، وفي القدس وبقيَّةِ أرجاءِ المناطقِ الفلسطينيةِ عامَ 1967، ويَرَى أيضًا إصرارَ إسرائيل على الاعترافِ بها كدولةٍ يهوديةٍ، ويَرَى تصفيةَ أملاكِ اللّاجئينَ في الأراضي التي احتُلَّتْ عامَ 1948 كجبهةِ مواجَهةٍ واحِدة.

لَمْ أَخُضْ في اقتراحاتِ الحُلولِ. فلقد طرح الفلسطينيون والعرب ما يكفي. ولم أخض في النِّقاشِ حَوْلَ دولةٍ واحدةٍ أَوْ دولتَيْن، معَ أنَّهُ نِقاشٌ مُفيدٌ نظَريًّا، ولا بُدَّ مِنْ خَوْضِه، فأَنا أعتقِدُ أنَّ إسرائيلَ تُدمِّرُ فعْلًا أساسَ حَلِّ الدولتَيْن. فأَنا لا أُؤْمِنُ بأنَّ واجبِ الضحيَّةِ حاليًّا هو أَنْ تَطرَحَ حلولًا، فالموضوع الآن هو التصدي لما يجري على الأرض. وطَرْحُ الحلول مرة أخرى كأنَّها بديلٌ عَن النِّضالِ السياسي والبرنامجِ السياسي النّضالِي حالِيًّا هو هروبٌ إلَى الأَمام. مرة أخرى النقاش حول "الحلول" مهم ومفيد، ولي فيه وجهة نظر. ولكن المهمة حاليا تكمن في إطار وطني شامل لمجمل طاقة المقاومة للشعب الفلسطيني، وحركته السياسية.

هذهِ أفكارٌ وأسئلةٌ لِتَجديدِ الحِوارِ بشأْنِ مستقبلِ المشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيّ، انْطلاقًا مِنْ تفاؤُلِ الإِرادةِ حتَّى حينَ تتَشاءَمُ المَعرِفَةُ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) محاضرة الدكتور عزمي بشارة في افتتاح المؤتمر السنوي الثاني لمراكز الأبحاث العربيّة بعنوان: "قضيّة فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني" 7 ـــ 9 كانون الأوّل/ ديسمبر 2013.


انشر عبر