شريط الأخبار

الاتفاق حول الملف النووي الإيراني ..علي عقلة عرسان

02:14 - 26 كانون أول / نوفمبر 2013


أنا لا أثق بالساسة الأميركيين، ولا بالإدارات الأميركية المتعاقبة التي رأينا منها الشرور تلو الشرور، ولكن هناك لفتات ومواقف لبعض المسؤولين في بعض المراحل وبعض الإدارات لا يمكن التغاضي عن إيجابيتها، ومن المسلم به أن المؤسسات هي الحاكمة في بلاد العم سام، وهذا أمر طيب ونفتقده، ولكن تلك المؤسسات في الولايات المتحدة الأميركية منخورة بأمراض وعدوانية وازدواجية معايير وانحياز للظلم والعنصرية والعدوان ولمنطق القوة.. إلى غير ذلك من أمراض.. ومن المواقف التي لا أرى التغاضي عن إيجابيتها موقف الرئيس أوباما الأخير في سان فرانسيسكو.. إنه موقف رجل دولة كبرى وسياسي مسؤول بحق ذاك الذي عبر عنه الرئيس أوباما في سان فرانسيسكو يوم 25 نوفمبر وهو يعرض الموقف من الاتفاق الذي تم في جنيف يوم 24 /11/ 2013 مع إيران حول ملفها النووي، فقد واجه المنتقدين بشجاعة وواقعية ووعي حين قال:" إن تبني خطاب قاسٍ قد يكون سهلا من وجهة نظر سياسية، ولكن ليس هذا ما ينبغي القيام به من أجل أمننا.. إن اللهجات الصارمة لم تضمن أمن الولايات المتحدة.. التحديات الكبيرة باقية، إلا أنه لا يمكننا ان نغلق الباب أمام الدبلوماسية، ولا يمكننا استبعاد حلول سلمية لمشاكل العالم". هذا كلام رجل دولة مسؤول يتعرض لمطالب متطرفة، صهيونية وغير صهيونية، لاعتماد حلول عسكرية ضد إيران بدلاً من الحل السياسي السلمي. وهو يدرك جيداً أن الخيار العسكري مكلف من جهة وقد لا يحل المشكلة بل سيعقدها بالتأكيد، وسيدخل بلاده في دوامة صراعات ساخنة لا تعرف نتيجتها، ويدخل المنطقة في فوضى عارمة. لم يكن أوباما مجرداً بصورة مطلقة من الهوس الأميركي بالحرب وفرض الخيارات الأميركية بالقوة، ولكنه كان قادراً على القراءة الجيدة للوضع، وقد لجم الجموح الأميركي في بعض المواقف لا سيما إذا كان ذلك في مصلحة دولته ولا يتعارض مع مصلحة " إسرائيل" بل يوفر لها ما تريد بطرق مخالفة لنظرة من يسوس دولة الإرهاب الدموي اليوم نتنياهو الذي يطالب، شأنه شأن مسؤولي الكيان العنصري البغيض دائماً، بأن تقوم القوى العظمى بقيادة الولايات المتحدة الميركية بتدمير كل دولة وكل شخصية لا تخضع للإرادة الصهيونية. لقد فعل أوباما لمصلحة إسرائيل حين انتزع السلاح الكيمياوي من سورية في مقابل عدم توجيه ضربة عسكرية قاسية لها.. وكان يفكر بالنتائج في الوقت ذاته، لأن توجيه مثل تلك الضربة كان سيدخل المنطقة كلها في دوامة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، فربحَ الموقف وحصل لحليفه المدلل " الكيان الصهيوني"على ما يريد، وأغضب بعض أصدقائه من العرب الذين لا يذهبون في غضبهم منه إلى أكثر من الكلام المعبر عن "زعل" مؤقت.

لقد تم التوصل في جنيف إلى اتفاق أولي، في مرحلة أولى من مراحل عدة، حول ملف إيران النووي الذي استمر الشغل الشاغل لكثيرين في المنطقة والعالم مدة تسع سنوات ونيف، وجاء الحل مرضياً لجميع الأطراف المشاركة في الحوار حول الملف إياه، " إنه ربح لنا جميعاً" كما قال لافروف، أو "مصلحة" لكل من الأطراف المعنية بالأمر في واقع الحال. وحدها دولة الكيان الصهيوني محبَطة لأنها لم تنجح في جعل حلفائها يدمرون الطاقة المنشآت النووية الإيرانية للأغراض السلمية وكل ما يتصل بها.. وحده نتنياهو ومجموعته العنصرية الضيقة يرفضون بصبيانية ويتحدون بوقاحة، وهم يخفون ربحهم الوفير وعلى رأسه ضمان دولي ومراقبة مزدوجة والتزامات دولية تحول دون التوجه نحو إنتاج سلاح نووي حتى لو أرادت إيران ذلك، وإيران تعلن أنها لا تريد، والصهاينة يفعلون ما يفعلون لأغراض خبيثة، قريبة وبعيدة. قريبة تكمن في الحصول على جوائز ترضية من الغرب، لا سيما من الولايات المتحدة الأميركية، على شكل مساعدات وأسلحة، وبعيدة تتصل بالاتفاق النهائي حول الملف النووي الإيراني والمشاركة من الباطن في المسار التفاوضي في المراحل القادمة وصولاً إلى المرحلة النهائية التي يبدو أن الأطراف المعنية بالحوار ترغب في الوصول إليها، لأن فيها مصالح لكل طرف ومصلحة أميركية تتصل بالتغيير الذي يجري في سياساتها وخياراتها الاستراتيجية ومواقفها من قضايا المنطقة وأزماتها ودولها ومن قضايا أكبر.

ما من شك في أن الدبلوماسية الإيرانية حققت مكسباً، وقد لخص وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف الموقف والمكسب بقوله:" إنه تم الحفاظ على بنية البرنامج النووي الإيراني خلال المفاوضات، في حين أن "بنية العقوبات تفتَّتت"، وفي إضافة لعراقجي: " "تم الاعتراف بعملية تخصيب اليورانيوم في إيران".. وهذا لا يعني أن الآخرين لم يستفيدوا، بمن فيهم الكيان الصهيوني الذي يرعى مصالحه معظمُ المفاوضين في السداسية التي فاوضت إيران. ونتبين ذلك من خلال الوقوف على ما تلتزم به إيران ومن تصله عائدات ومنافع من التزامها بالاتفاق.. ويمكن الإشارة باطمئنان إلى التزامات ومرابح ورابحين من خلال الوقوف على بعض النصوص: " فقد جاء في وثيقة وزعها البيت الأبيض في واشنطن بشأن الاتفاق:

ـ احتمال حصولها " أي إيران" على عائدات تبلغ 1.5 مليار دولار من التجارة في الذهب والمعادن النفيسة، وتعليق بعض العقوبات على قطاع السيارات الإيراني وصادرات إيران من البتروكيماويات.
- السماح ببقاء مشتريات النفط الإيراني عند مستوياتها الحالية المخفضة بشكل كبير. وسيسمح بتحويل 2.4 مليار دولار من هذه المبيعات على أقساط إذا نفذت إيران التزاماتها.". وقال وزير الخارجية الروسي لافروف:" إن الاتفاق يعني أننا موافقون على ضرورة الاعتراف بحق ايران على "الذرة السلمية" من بينها حق التخصيب، مع إدراك أن جميع الاسئلة الموجهة الى البرنامج النووي الايراني سيتم اغلاقها." و"خلال هذه الأشهر الستة ستجمد ايران برنامجها النووي ولن تضيف أجهزة طرد مركزي جديدة ولن تقوم بأي خطوات تتعلق ببناء مفاعل آراك للماء الثقيل". وقد أكدت إيران ما سبق وأشرت إليه في المقتبسين السابقين مضيفة، من خلال وكالة إيرنا، أن الاتفاق يتضمن إجراءات لبناء الثقة خلال الأشهر الستة القادمة منها:" عدم توسيع نشاطاتها في منشات اراك ونطنز وفردو إلا أن عملية التخصيب ستتواصل دون مستوى 5 بالمئة كما سيستمر إنتاج المواد المخصبة في فردو ونطنز كما في السابق، وستتواصل عملية البحث والتنمية في البرنامج النووي الإيراني.".

ومن التدقيق فيما سبق نلاحظ بوضوح أن هناك ضمناً: تخفيضاً محتملاً لآسعار النفط يسعى إليه الغرب بصورة خاصة، وعودة للشركات الأميركية والأوروبية إلى السوق الإيرانية، لا سيما في قطاعي النفط والغاز، وعودة أيضاً للشركات العاملة في مجالات الإنشاءات المختلفة والتعدين، وأسواق منها سوق السيارات..إلخ، وكل دولة أوربية لها كِسرة من الرغيف الإيراني في هذه القطاعات، أما روسيا الاتحادية فهي شريك لإيران في بناء المفاعلات النووية وتشغيل بعضها وتطويرة، وإيران تدخل ضمن رؤية روسيا الأوسع في مشروعها الأورو ـ آسيوي الكبير، وهي شريك أو حليف محتمل في القطب الجديد الناشئ ، حيث إيران وسورية والعراق والمقاومة جزء رئيس من مكونات القطب الجديد في الشرق الأوسط.

ما من شك في أن قول لافروف عن الاتفاق: " إنه ربحٌ لنا جميعاً" معبر ودقيق، وإذا أضفنا إلى ذلك قوله:" عبر الاتفاق الحالي رفعنا مخاطر ورفعنا الاسئلة التي ظهرت لدى الكثير من البلدان فيما يخص وجود تهديد لانتشار أسلحة الدمار الشامل في البرنامج النووي الايراني" يصبح منظور روسيا الاتحادية من خلال قول الوزير أكثر وضوحاً وشمولاً. ولكن لا لافروف ولا كيري ولا أي من المعنيين المباشرين بالاتفاق المتصل بالملف النووي الإيراني تحدث عن الخطر القائم من وجود سلاح نووي إسرائيلي يهدد المنطقة، ولا يتردد قادة الكيان العنصري الصهيوني بتهديد إيران، وهم باعترافهم، يتدربون منذ خمس سنوات، وفي بلدان العالم الحليفة أو الصديقة لهم، على تدمير منشآتها النووية المقامة للأغراض السلمية، معتمدين على ما يملكون من سلاح نووي وعلى دعم حلفائهم لهم، ذلك الدعم الذي بدأ الآن "يلاقي صعوبة" عندما يتصل بالمفاعلات النووية الإيرانية وبتنفيذ ضربة لها، بسبب اعترافهم بالبرنامج النووي السلمي الإيراني، وبأن إيران أصبحت دولة نووية من هذا الجانب وبهذا المفهوم. لقد قال الوزير جون كيري بوضوح:" إن هذا الاتفاق يضمن أمن أصدقائنا وعلى رأسهم إسرائيل"، وكان يعمل بوحي من رئيسه على هذا الأمر بإدراك أوسع من إدراك الصهاينة لمعنى أمنها في ظل انكفاء أميركي مدروس نحو الشرق الأقصى، ولكنه لم يجرؤ على القول إن أمن الآخرين في المنطقة مهدد من " إسرائيل" التي تحتل وتعتدي وتهدد وتملك الأسلحة النووية.. ولم ير الوزير كيري، وربما الرئيس أوباما أيضاً، الخطر الكامن في عدم جعل منطقة الشرق الأوسط بكاملها خالية من أسلحة الدمار الشامل النووية وغير النووية، لاسيما بعد تجريد سورية من سلاحها الكيمياوي .. وربما لم ينظرا من زاوية الرؤية ذاتها التي ينظران بها لمصلحة " إسرائيل" إلى السباق الذي سيبدأ من أجل الحصول على مفاعلات نووية وطاقة للأغراض السلمية أو تحت هذا المسمى، ومن ثم يبدأ مارثون إسرائيلي ـ أميركي ـ أوربي آخر ضد من يملك طاقة نووية في المنطقة غير إسرائيل، حتى للأغراض لو كانت للأغراض السلمية، لأنهم سيرون في ذلك خطراً على وجود دولة الإرهاب العنصرية، أو على نفوذها وهيمنتها بالأحرى ولا يرون خطرها على الآخرين الذين ينادون بجعل المنطقة كلها خالية من أسلحة الدمار الشامل.

بعد هذا الاتفاق التاريخي بنظر موقعيه ومعظم دول العالم، و" الخطأ التاريخي" بنظر الإرهابي العنصري المشوَّه نتنياهو، تتطلع كل من الدول الغربية وإيران إلى مستقبل أفضل وعلاقات طبيعية، وقد بدأت إرهاصات ذلك قبل الوصول إلى هذا الاتفاق المرحلي في جنيف، وبالتحديد بعد المكالمة الهاتفية بين أوباما وروحاني في طريق الأخير إلى المطار من نيويورك.. وأعني بذلك مبادرة ألمانيا وبريطانيى لإقامة علاقات على مستوى القائم بالأعمال مع طهران.. وأشير هنا إلى تصريحين مهمين يتعلقان بالتوجه المستقبلي بعد الاتفاق المرحلي، الأول للرئيس الفرنسي هولاند الذي قال بعد التوقيع على الاتفاق:" الاتفاق التمهيدي الذي اعتمد هذه الليلة يشكل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ومرحلة نحو وقف البرنامج العسكري النووي الايراني، وبالتالي نحو تطبيع علاقاتنا مع ايران". والثاني للرئيس الإيراني حسن روحاني الذي قال بعد التوصل للاتفاق: "..إن املنا هو أن يقود الاتفاق بشأن النووي إلى علاقة جديدة لإيران مع الغرب ومع جيرانها"، مضيفاً "إنني واثق، تماما مثل الرئيس اوباما، بأننا قمنا بالخيار الصائب". ولكن هذا التوجه وهذه الرؤية لا تطمئن بعض جوار إيران، لا سيما من العرب، وهو توجه مرفوض من قبل " إسرائيل" بطبيعة الحال. ومن أسف أن ينقسم عرب ومسلمون حول قضية يمكن أن تكون موضع اتفاق أو إجماع، وتساهم في تقريب وجهات النظر حول أزمات وحروب وملفات شائكة ما زالت عالقة بين دول عربية وإسلامية، لا سيما بين إيران وبعض جيرانها من العرب. وقد أتت المواقف السياسية العربية المؤيدة للاتفاق أو الحذرة منه متفاوتة في توقيتها وحيويتها ونغماتها، ورافق بعضها أو سبقه شوائب غير مستحبة لا تساهم في تنقية ما في الأنفس. ويبدو أننا في الوطن العربي وفي بلدان عدة من العالم الإسلامي، سنبقى للأسف في حالة تنازع مشوب بالكراهية ومضرج بالدماء، وفي أحوال زحف مقيت نحو الاقتتال والفتنة، ونحو الشك في بعضنا بعضاً لا يقيم لاتفاقنا المنقذ قائمة، وهو تنازع حول قضايا يجب ألا نختلف بشأنها أبداً، وإن اختلفنا بشأنها فينبغي ألا يوصلنا الاختلاف إلى التباغض والاقتتال، ولا إلى ما نشهده من رغبة فريق من المتقاتلين منا في محو الفريق الآخر عن وجه الأرض، حتى لو أضعفه ذلك الفعل أمام عدو له يفتك به، وأمام أضعف سكان الأرض؟! ذلك أمر عجيب فينا، أمر ينهى عنه ديننا، إذ ينبغي ترك الحكم في بعضه لله وحده " ﭧ ﭨ ﭽ ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾﯿ  ﰀ  ﰁ   ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ       ﰆ  ﰇ  ﰈ  ﰉ               ﰊ  ﰋ  ﰌ  ﰍﰎ  ﰏ  ﰐ  ﰑ  ﰒ  ﰓ   ﭼ النساء: ٥٩  وأمر ترفضه ثقافتنا الأصلية المتجذرة في الإيمان والأخلاق والإنساني والتاريخي الذي يجمعنا.؟! قالوا ربما يساعد حل الملف النووي الإيراني في حل الأزمة السورية التي أصبحت كارثة حقيقية، ومأساة إنسانية بكل المقاييس.. فهب نفر لرفض هذا الاحتمال الوارد لأنه لا يريد أن تُحل الأزمة سياسياً، بالتفاوض أو الحوار أو التوجهات السلمية، فهو يريد الحسم بالقذائف والقنابل والمتفجرات والصواريخ وبكل سلاح لا يبقي من غريمه أثراً.. وهو موقف يدفع ثمنه الجميع، وعلى رأس من يدفع الثمن الأطفال والشعب البريئ البسيط الذي يطلب أمناً وسلماً ورغيفاً، وأخذ يكره الساسة والسياسة.

ما من شك في أن هناك متغيرات وتحولات سياسية في التحالفات والمصالح، لا سيما في منطقتنا.. ولكن يبدو أن هناك ثوابت عدائية أو شكوك لا تسمح بتسرب الثقة إلى النفوس، فالمعسكرات المذهبية والطائفية والعرقية تستمر في قرع طبولها والبحث عن تحالفات توظفها لمناصرة أعدائها.. وهكذا يتقارب أعداء ويتباعد أخوة.

دمشق في 26/11/2013

علي عقلة عرسان

 

انشر عبر