شريط الأخبار

مخاطر انسداد الأفق السياسي في مصر ..فهمي هويدي

09:52 - 20 تموز / نوفمبر 2013

(1)

في العام الماضي كان هتاف الجماهير يجلجل في الفضاء المصري داعياً إلى إسقاط حكم العسكر. وقبل أسبوعين ذكر الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء بأنه لا عودة لحكم العسكر لمصر. إلا أن بعض الأقلام انبرت ناقدة له ومستهجنة لكلامه. حتى قرأنا لمن كتب صراحة «أهلا بحكم العسكر». (المصري اليوم 9/11)، وتابعنا تنافس بعض الكتاب في ذكر مناقب العسكر وفضائلهم، ممن حاولوا إقناعنا بأن مصر باتت في أشد الحاجة إلى قدرتهم على الحسم والضبط والربط. وهو ما توازى مع سياق آخر أطلقه الفنانون الذين تباروا في تزيين حكم العسكر والتهليل لدورهم السياسي، حتى زايدت على الجميع مغنية مغمورة، فظهرت في لقطة احتضنت فيها حذاء الجنود (البيادة) وطبعت عليه قبلة تعبيراً عن الامتنان والعرفان.

ما حدث مع حكم العسكر تكرر مع قضية الديموقراطية والتعددية التي ظللنا نتغنى بها ونلح عليها طيلة السنوات التي خلت، واعتبرنا ان «ثورة يناير» 2011 علامة فارقة على الطريق المؤدي إليها، إلا أن الاقتراب من ملف تطبيق الديموقراطية أصبح مغامرة كبرى بعد عزل الرئيس محمد مرسى في بدايات شهر تموز الماضي. ذلك ان الإشارة إليها أصبحت تكلف صاحبها الكثير وتطلق عليه أسراب الزنابير، التي لا تفتأ تلسعه وتنهش في لحمه فضلا عن كرامته وعرضه. الأغرب من ذلك ان مجرد التحفظ على أحد عناوين ملف الديموقراطية الذي تمثل في إصدار قانون جديد يمنع التظاهر السلمي، صار ذريعة لاتهام المتحفظين بأنهم «طابور خامس»، وهي إحدى مراتب العمالة للعدو والخيانة. المدهش في الأمر ان ذلك حدث مع الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء، وهو جزء من النظام الجديد وأحد أركان حكومته، الذي قيل انه اعترض على إصدار القانون. وما أصاب الدكتور محمد البرادعي والدكتور عمرو حمزاوي وأمثالهما ممن كانوا خصوماً لحكم «الإخوان» وجزءا من «جبهة الإنقاذ» ذهب إلى أبعد مما أصاب الدكتور زياد الذي يشهَّر به الآن باعتباره مشتبهاً فيه، في حين ان الأخيرين أدانهما الإعلام وقرر أنهما من طلائع الطابور الخامس.

وفي حين ظللنا نتباهى بثورة 2011 في عامها الأول. ونعتبرها مفخرة علمت العالم درساً بليغاً في الإباء والكبرياء، فإن منابر الهيستيريا الراهنة أصبحت تشير باستياء وقرف إلى تلك المفخرة، ومنهم من اعتبرها نكسة ووكسة ومسخرة، (أحدهم وصفها بأنها مؤامرة كبرى ضد مصر دبّرها جواسيس الولايات المتحدة ـ الأهرام 7/11/2013).

أما أم الخطايا والجريمة التي لا تغتفر الآن فهي الحديث عن المصالحة الوطنية. وهي الدعوة التي أطلقت عاصفة من السعار والغضب الوحشي في أوساط بعض الكتاب ورسامي الكاريكاتير الذين اعتبروها ردة وتدنيساً لصفحة انتفاضة «30 يونيو»، وكفراً باستحقاقات الانتماء الوطني، وهو ما أدركته مذيعة السي إن إن الشهيرة كريستين أمانبور حين سألت الدكتور زياد بهاء الدين في حوارها معه يوم 4/11 عما إذا كانت المصالحة قد أصبحت كلمة في مصر سيئة السمعة (قذرة في الترجمة الحرفية) فأيدها، وقال إن ذلك من نتائج الاستقطاب الحاد الذي نعاني منه.

هذه بعض قسمات المواقف التي تذخر بها مصر الآن. ولا تسأل عن لغة التعبير عنها، التي اتسمت بالهبوط والتدني في أغلب الأحوال، لكنها ظلت طول الوقت حادة وجارحة ومنحازة إلى الإبادة وتشديد القمع وإشعال الحرائق في أوسع دائرة من الساحة السياسية. إزاء ذلك فلا غرابة إن بدت مصر من هذه الزاوية ساحة حرب يتقاتل فيها الأخوة الأعداء، وليست وطناً يظلل الجميع ويحتضنهم.

(2)

يجب ألا ننكر أن المزاج المصري معبأ بدرجة أو أخرى ضد الحلول السياسية التي تفضي إلى المصالحة الوطنية. أسهم في ذلك عاملان. الأول ان أجندة الخطاب السياسي تغيرت باتجاه التصعيد والتسخين. إذ في حين ان الموضوع الخلافي الأساسي بدأ مطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فإنه تطور بعد ذلك إلى دعوة لإسقاط حكم الجماعة وإخراج «الإخوان» من المعادلة السياسية، وانتهت معركة ضد «الإرهاب» معه استصحبت دعوة إلى استئصال «الإخوان» من الوطن وليس من السياسة وحدها. وبمضي الوقت صار الإرهاب هو الكلمة المفتاح لقراءة المشهد كله. إذ بعد إطلاقها فتحت الأبواب واسعة لتسويغ مختلف إجراءات الإقصاء والقمع، وتبرير انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت القوانين سيئة السمعة والمعادية للحريات العامة من تداعياتها.

حين أطلق المصطلح في الفضاء المصري، فإن وسائل الإعلام تلقفته وقامت بدورها في التعبئة والتحريض وتهيئة الأجواء المناسبة لكسب المعركة والقضاء على «العدو» المفترض. وذلك هو العامل الثاني الذي أسهم في تسميم الأجواء المصرية.

(3)

لست غافلاً عن إخفاقات أو أخطاء وقع فيها الدكتور محمد مرسي وجماعة «الإخوان». وهي التي أثارت استياء الناس وغضبهم. ولم أسقط من الاعتبار أحداث العنف التي شهدها المجتمع المصري والتي تناقضت الروايات بشأن الأطراف الفاعلة فيها أو الضحايا الذين سقطوا بسببها. فتلك جوانب مهمة لا ريب، إلا اننا سنحتاج إلى وقت لكي ندرك حقائقها، لأن ما نسمعه بصددها في الوقت الراهن، هو قراءة ورأي الطرف المتغلب وحده، ولن يكون بمقدورنا تقييمها على نحو يُطمأن إليه، إلا إذا اطلعنا على وجهة نظر الطرف أو الأطراف الأخرى. ثم إنني ألفت النظر إلى أن ما أنا معني به في اللحظة الراهنة هو محاولة الإجابة عن السؤال: كيف نتجاوز الأزمة ولماذا تتعثر الجهود الرامية إلى حلها. ولست بصدد تحري الخلفيات وتحديد من اخطأ ومن أصاب؟

في محاولة الإجابة على السؤال المتعلق بتعثر جهود حل الأزمة أزعم أن ثمة أطرافاً أربعة تعارض الحل السياسي، وتحرص على استمرار انسداد الأفق، من خلال المراهنة على جدوى الحل الأمني وفاعليته. هذه الأطراف تتمثل فيما يلي:

(1) الجناح المتطرف في المؤسسة الأمنية، المنحاز إلى القمع والاستئصال، ورغم ما يتردد عن وجود أصوات داخل المؤسسة تقبل بفكرة الحل السياسي، إلا أن من الواضح ان كفة الأولين هي الراجحة. بدليل ان ما يصدر من قرارات وما يتم من إجراءات يعبر عن تلك الرؤية باستمرار. وحسب معلوماتي فإن اتفاقاً كان قد تم مع مفوضة الاتحاد الأوروبي السيدة اشتون بشأن اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه، تفتح الباب للتفاهم مع بعض القيادات الموصوفة بالاعتدال ضمن تحالف الدفاع عن الشرعية. ولكن ذلك الاتفاق تم العدول عنه بعد ذلك. وثمة محاولة أخرى قامت بها بعض الأطراف وثيقة الصلة بالسلطة قطعت بدورها شوطاً في ذلك الاتجاه، وثم طلب منها بعد ذلك صرف النظر عن الموضوع.

(2) دعاة الفاشية في أوساط النخبة، وأعني بهؤلاء غلاة العلمانيين وأغلبية المثقفين المحترمين والتيار الغالب بين الكتاب والصحافيين، وبعض هؤلاء لهم رصيد من الكتابات والتصريحات التي دافعوا فيها عن الدولة المدنية وعن قيم الديموقراطية المتمثلة في التعددية والتداول والقبول بالآخر، لكنهم انقلبوا على كل ما قالوا به في السابق، وأصبحوا يقودون طوابير المهللين والمنشدين الرافضين للمصالحة الوطنية والداعين إلى الإقصاء وإلغاء الآخر، كما وجدناهم يتصدرون مواكب الداعين إلى حكم العسكر والهاتفين باسم الفريق السيسي رئيساً، حتى من دون انتظار لإجراء الانتخابات.

(3) أركان نظام مبارك والمنتفعون به. وهؤلاء هم الذين تولى ذلك النظام رعايتهم طوال ثلاثين عاماً، بل أربعين، لأنهم ظهروا في ظل نظام السادات. وخلال تلك الفترة فإنهم اكتسبوا نفوذاً كبيراً في القرى، وحققوا مكاسب مالية هائلة، وظفوا جانباً منها في إسقاط حكم «الإخوان» سواء من خلال دعم بعض الحركات الاحتجاجية، وتحريض المنابر الإعلامية (التلفزيون بوجه أخص).

(4) القوى الإقليمية التي سارعت إلى مساندة النظام الجديد، وهي التي لا تعرف غير الحلول الأمنية في التعامل مع الناشطين والمعارضين بين شعوبها. ذلك ان تلك الأطراف تعتبر أن نجاح «ثورة يناير» في مصر يشجع الحراك الحاصل في محيطها، ومن ثم يهدد انظمتها. ولذلك فإنها تعتبر استمرار السياسة الأمنية في مصر خطوة مهمة في سعيها للدفاع عن نفسها وإحكام سيطرتها على جبهتها الداخلية. وفيما علمت فإن بعض تلك الدول أبلغت مصر صراحة بأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر مرهون بتمسكها بسياساتها الأمنية الراهنة، وأن المصالحة الداخلية من شأنها ان تؤثر سلباً على تدفق تلك المعونات.

(4)

الأزمة التي نحن بصددها متعددة الأوجه، ذلك انها لم تؤد إلى تسميم الأجواء المصرية فحسب، ولم تؤد إلى تشويه الإدراك العام وتحويل الاختلاف السياسي إلى اقتتال أهلي، وإنما أيضاً لأنها أفرزت نتيجتين خطيرتين إضافيتين هما: استدعاء الدولة الأمنية ومصادرة فكرة الحل السياسي. ثم إشغال الرأي العام بعناوين ملف «الإخوان» على نحو صرفهم عن التركيز على مستقبل الوطن، رغم أن مشكلة «الإخوان» فرع ومستقبل الديموقراطية في مصر هو الأصل السياسي. ولست أريد أن أقلل من شأن مشكلة «الإخوان»، لأنني أعتبرها مهمة حقاً، لكنني أزعم أن مستقبل الديموقراطية هو الأهم. وفى كل الأحوال فإن مفتاح حل المشكلتين لا بد أن يمر بالسياسة، في حين يظل الحل الأمني بمثابة «القفل» الحقيقي الذي يسد الأفق ولا يفتحه.

إنني أستغرب عدم إدراك كثيرين خطورة استمرار رفض المصالحة وإغلاق الأفق السياسي، وتأثير ذلك على استدعاء العنف وتشجيعه. وما يضاعف من الاستغراب والدهشة أننا بتنا بحاجة إلى بذل جهد لإثبات هذه البديهية التي باتت من مسلمات العصر، وغدت نهاية حتمية لكل صراع.

انشر عبر