شريط الأخبار

كتب عامر خليل :كينيا وإسرائيل وهجوم "ويست غيت"!!

06:38 - 10 حزيران / نوفمبر 2013

غزة - خاص - فلسطين اليوم

 

سلط الهجوم على المجمع التجاري "ويست غيت" في العاصمة الكينية نيروبي الضوء على العلاقات الكينية الاسرائيلية فالمجمع ذو علاقة بمصالح تجارية لرجال اعمال اسرائيليين وظهر جنود اسرائيليون عملوا في المجمع ضد المجموعة التي اقتحمته، وقد اقامت كينيا علاقات رسمية مع اسرائيل منذ استقلالها عام 1963 وكانت الدولة الاخيرة من بين 39 دولة استجابت لقرار منظمة الوحدة الافريقية بقطع العلاقات مع تل ابيب تضامنا مع مصر في اعقاب حرب 1973 ورغم قطع العلاقات الا انها استمرت بشكل غير معلن خاصة في الجانب الاقتصادي والتعاون الامني والعسكري بينهما، وقد بلغت صادرات إسرائيل إلى كينيا عامي 1986- 1987 على التوالي 14.8، 8.3 مليون دولار فيما بلغت وارداتها من كينيا في الفترة نفسها 21.8، 3.1 مليون دولار، وعادت العلاقات الى شكلها الرسمي في 23 ايلول 1988 وهي مستمرة حتى الآن وعكست زيارة رئيس وزرائها السابق وزعيم المعارضة الحالي رايله اودينغا الى اسرائيل في 15 تشرين ثاني 2011 عمق هذه العلاقات وامتداداتها في جميع المجالات،وتوضح الباحثة جاليا صبار مديرة قسم الدراسات الافريقية في جامعة تل ابيب إن "كينيا وإثيوبيا وأريتريا بلدان مهمة لإسرائيل لأنها تشكل منطقة عازلة في منطقة تخطو فيها الأصولية الإسلامية خطوات كبيرة".   

 

تعود العلاقات بين كينيا واسرائيل إلى ما قبل استقلال الأولى وإنشاء الثانية، فالاستيطان اليهودي في كينيا يعود إلى أوائل القرن الماضي حينما خصص الاستعمار البريطاني منطقة "plateau Uasin Gishu" الواقعة في جنوب غرب كينيا للاستيطان اليهودي، حتى بعد رفض الكونغرس الصهيوني مشروع الدولة اليهودية في أوغندا، وأنشأ المستوطنون أول كنيس يهودي في نيروبي في العام 1912 أمّه الكثير من المهاجرين اليهود الفارين من أوروبا أيضا قبيل الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك ثمة طائفة يهودية باقية في نيروبي حتى الآن وتعد حوالي بضع مئات من الأفراد.

 ويشير أحد الكتيبات الصادرة عن السفارة الإسرائيلية في نيروبي، تحت عنوان "العلاقات الثنائية ــ إسرائيل وكينيا"، لعمل خبراء إسرائيليين الى جانب القيادة الكينية التي سعت في حينه الى الاستقلال عن البريطانيين، وقدموا لهم كل مساعدة ممكنة لإيجاد الظرف الملائم لإنشاء وتعزيز المؤسسات والهيئات القادرة فعلاً على إنشاء دولة وذلك في كل المجالات، ولخدمة هذا الهدف أقامت إسرائيل في الستينيات قطاراً جوياً بين نيروبي وتل أبيب لنقل الكوادر الكينيين الى إسرائيل، من أجل تلقي الخبرات والمهارات تحت إشراف مباشر من قسم التعاون الدولي في وزارة الخارجية الإسرائيلية، وكان المتدربون الكينيون يعودون الى بلادهم محملين بالخبرة الإسرائيلية، مع كل ما يعنيه ذلك من ترجمة لأواصر الصداقة، التي سمحت للبلدين بتجاوز كل الصعوبات التي نشأت لاحقاً، وتحديداً المقاطعة الأفريقية وقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول الأفريقية وإسرائيل عام 1973.

 

بعد استقلال كينيا عام 1963بشهر واحد فقط وانتخاب جومو كينياتا رئيسا لها، قامت غولدا مائير وزيرة خارجية إسرائيل في حينه بزيارة إلى كينيا وتقدمت لكينياتا بهدية شخصية، فكانت تلك المناسبة فاتحة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وترسخت العلاقة فيما بعد حتى افتتحت سفارة إسرائيلية بنيروبي، وقد ارتبط كينياتا بعلاقات وطيدة مع زعماء إسرائيل خصوصاً بن غوريون وغولدا مائير وأشكول، كما استطاعت تل ابيب أن تشكل قاعدة عريضة من الموالين له من الصفوة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية ممن كانوا قد تلقوا تعليماً وتدريباً في إسرائيل، وفي شهر ايلول 2009 قام وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان بزيارة الى خمس دول افريقية من بينها كينيا حيث وقع على اتفاق معها في مجال إدارة مصادر المياه وإدخال طرق ري حديثة إلى القطاع الزراعي، كما وقع على بيان للتعاون في مجالات الصحة، الزراعة، التعليم، الأمن وخدمات الطوارئ، والطاقة، والمياه والري، كما تمت مناقشة سبل توسيع حجم التبادل التجاري بين الدولتين.

 

من جهة اخرى تعتبر كينيا محطة كهمة للموساد ونقطة انطلاق للتعاون الامني الاسرائيلي الكيني والذي برز اوضح ما يكون في العملية الاسرائيلية لتحرير ركاب طائرة اسرائيلية جرى خطفها الى اوغندا عام 1976 من قبل مقاومين فلسطينيين لمبادلتهم باسرى معتقلين في السجون الاسرائيلية حيث سمحت كينيا للطائرات الإسرائيلية المشاركة في العملية بالهبوط في مطار نيروبي والتزود بالوقود، بل وقدمت العلاجات الطبية للجرحى بعد تنفيذ العملية، وقد شكلت كينيا قاعدة انطلاق لحركات التمرد السودانية بحكم موقعها الجغرافي حيث يحدها من الشمال السودان وعند انفصال جنوبه باتت دولة الجنوب واثيوبيا خط حدودها الجنوبي وهو ما يفسر تنامي قوة متمردي الجنوب فكينيا كانت بالنسبة لهم متنفسا مهما كما اشرف منها الموساد على عمليات تدريب المتمردين وتسلحيهم، ويشير موشيه فرجي الضابط السابق في الموساد في كتابه "اسرائيل وحركة تحرير السودان- نقطة البداية ومرحلة الانطلاق" الصادر عن "مركز ديان لدراسة الشرق الأوسط وأفريقيا" بتل أبيب الى ان هذا الدعم اتخذ آفاقا جديدة من بينها انتقال ضباط وجنود إسرائيليين من الوحدات الخاصة لتدريب المتمردين بالإضافة إلى استمرار تدفق الفصائل الجنوبية للتدريب في المعسكرات التي أقامتها إسرائيل في أوغندا وأثيوبيا وكينيا والعودة إلى مواقعهم مرة أخرى في الجنوب السوداني.

 

بدأ التعاون الأمني بين إسرائيل وكينيا فور حصول الأخيرة على استقلالها في العام 1963، وتدرب طيارون كينيون في إسرائيل، وطلبت كينيا من إسرائيل في العام 1975، تزويدها بمستشارين عسكريين ودبابات، وفي العام 1978 باعت إسرائيل لكينيا بارجتي صواريخ مزودتين بصواريخ بحر – بحر من طراز "غبريئيل" وعتاد عسكري، وتكشف صحيفة "معاريف" الاسرائيلية أن مسؤولين إسرائيليين درجوا في الثمانينات على زيارة كينيا سرا، وبينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير، الذي وافق على طلب الرئيس الكيني في حينه، دانيال آرب موي، بأن تحرسه إسرائيل شخصيا، وذكر موقع "ديبكا" الاستخباري الاسرائيلي انه خلال زيارة اودينغا لاسرائيل وافقت الاخيرة حسب مصادر عسكرية وافقت على مد كينيا بطائرات بدون طيار وقوارب سريعة ومدربين عسكريين وذخائر ومركبات مدرعة ومعدات للرقابة الالكترونية.

وتؤكد صحيفة هآرتس إن كينيا اشترت الكثير من السلاح والخبرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وتلقى المئات من الجنود الكينيين تأهيلا في إسرائيل على طرق مكافحة "الإرهاب"، أو قام مدربون إسرائيليون بتدريبهم في كينيا، ولذلك فإن الأنباء حول مشاركة إسرائيلية عملية أو فنية في معالجة أمر المجموعة التي احتجزت الرهائن في المجمع التجاري في نيروبي لم تكن مجرد إشاعات، وإنما حصيلة طبيعية لمستوى العلاقات والتعاون الأمني بين الدولتين.

 

ويكشف موقع (ويكيليكس) في تسريباته عن مراسلات وزارة الخارجية الامريكية انه في الخامس عشر من شهر آذار 2007 التقى دبلوماسي من السفارة الأمريكية في نيروبي مع المدير العام لوزارة الخارجية الكينية طوم أمولو، وخلال اللقاء قام المسؤول الكيني باستعراض العلاقات الخارجية لبلاده مع دول الشرق الأوسط، مركزا على العلاقة مع الدولة العبرية، حيث أكد للدبلوماسي الأمريكي أن كينيا وإسرائيل تقيمان علاقات أمنية واستخباراتية وثيقة جدا من سنوات عديدة، كما أنهما تقيمان لقاءات تنسيق وتعاون في جميع المجالات وعلى كافة المستويات، ونقلت الوثيقة عن أمولو قوله للدبلوماسي الأمريكي إن إسرائيل بالنسبة لكينيا هي شريك إستراتيجي، وأنه، أي إسرائيل، تُشكل بالنسبة لكينيا ردا مناسبا على الدول التي لا تُشاركنا في قيمنا التي نعتمد عليها ونمشي بحسبها، على حد تعبيره.

 

ويشكل تهديد القاعدة والعمليات التي نفذتها في كينيا واستهدفت في بعضها مصالح اسرائيلية محط اهتمام اسرائيلي، ومن هنا  تحولت كينيا  خلال السنوات الاخيرة الى قاعدة للمخابرات الإسرائيلية على جميع أجهزتها من أجل محاولة فهم ما يدور في القارة السمراء، ومحاولة التعامل مع التهديدات الكثيرة التي تُحدق بالأهداف الإسرائيلية في إفريقيا، ويشير باراك رافيد في صحيفة هارتس بتاريخ 23-9-2013الى ان العملية التي نفذها تنظيم القاعدة ضد السفارة الأمريكية في العاصمة الكينية عام 1998 أشعلت الأضواء الحمراء لدى أجهزة المخابرات في الدولة العبرية في ما يتعلق بتهديدات "الإرهاب" في إفريقيا، ولكن العملية التي نفذها تنظيم القاعدة ضد سياح إسرائيليين في فندق "برادايز" في بومباسا، ومحاولة إسقاط طائرة تابعة لشركة الطيران الإسرائيلية "أركيع" بواسطة صاروخ كتف في تشرين الثاني من العام 2002، حولا الأضواء الحمراء إلى صفارات إنذار حقيقية، على حد وصف رافيد.

وبدت مسألة تهديد القاعدة او ما تسميه اسرائيل منظمات الجهاد العالمي كعامل محفز لعلاقاتها مع اسرائيل وكان هذا الموضوع في صلب مباحثات زيارة رئيس الوزراء السابق اودينغا في زيارته الى اسرائيل في شهر تشرين ثاني عام 2011 والتي تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء الاوغندي يوري موسيفيني ، ونقلت صحيفة معاريف عن اودينغا قوله، خلال لقائه الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز، انه "يمكن لاسرائيل ان تساعد كينيا في بناء منظومات مطاردة للمسلحين والمساعدة في توجيه ضربة مسبقة لهم"، وقالت معاريف أن "المساعدة العسكرية الاسرائيلية لكينيا، تجعل من اسرائيل لاعباً مركزياً في الحرب التي تدور بعيداً عنها في شرق افريقيا، بين الجيش الكيني والميليشيات الاسلامية في الصومال"، مضيفة ان "اسرائيل اختارت ان تلتزم الصمت حيال المساعدة العسكرية، لكن اودينغا والوفد المرافق له، قالوا فور عودتهم الى بلادهم، "إن اسرائيل استجابت لطلباتهم وستسلح وتدرب الجيش الكيني، بل ستضع تحت تصرفهم كل ما ينبغي لحماية حدودهم وفرض النظام في الصومال"، فيما نقلت الصحيفة عن نتنياهو قوله امام ضيفه الكيني، إن "اعداء كينيا هم اعداء اسرائيل"، و ذكرت صحيفة هآرتس، ان الرئيس الاوغندي ورئيس حكومة كينيا، اعربا خلال الجلسات الثنائية مع المسؤولين الاسرائيليين، عن قلقهما من تنامي ما وصفوها ب"القوى الاسلامية الراديكالية" في القارة السمراء، مشيرة الى أن "موسيفيني أكد أن اوغندا دولة مسيحية وتخشى الاسلام الراديكالي، فيما أعرب أودينغا عن قلقه من تغلغل ما اسماه التطرف الإسلامي في الصومال، وكانت قوات كينية قد اجتازت الحدود مع الصومال في السادس عشر من تشرين اول 2011 لمواجهة تلك القوى التي تحدث عنها اودينغا وموسيفيني.

 

لا يخفى هنا ان التحرك الاسرائلي المتجدد في القارة الافريقية ارتبط في احد جوانبه بثورات الربيع حيث ساد الخوف الاسرائيلي من اعتلاء الاسلاميين لسدة الحكم في تونس ومصر فكان التحرك الاسرائيلي نحو اقامة تحالف استراتيجي ضد ما يسمى "الأصولية الاسلامية" يضم كينيا وأثيوبيا وتنزانيا وجنوب السودان ذات الأغلبية المسيحية والتي يصل إجمالي تعدادها إلى 138 مليون نسمة ويفسر كل ذلك تصريحات اودينغا وموسيفيني عن التطرف الاسلامي.

 

وقد ترك التدخل العسكري الكيني في الصومال مخاطر عديدة، منها استمرار الحرب في الصومال وابقاء عدم الاستقرار والفوضى، وكان هذا التدخل احد الدوافع الاساسية وراء الهجوم على المجمع التجاري "ويست غيت"، ويرى الباحث محمد سعيد في مركز الراصد للدراسات في الخرطوم، أن الوجود الإسرائيلي في كينيا يهدف إلى تشكيل محور استخباري ( نيروبي ـ أديس أبابا ) بهدف ضرب المصالح الإستراتيجية للدول العربية، وخاصة في المجالين الأمني والمائي، ويوضح أن الاستخبارات الاسرائيلية ظلت تعمل في القارة انطلاقاً من كينيا، حيث إن أنشطتها تتمثل في تجارة الأسلحة للقوى المتمردة ضد الحكومات في القارة السمراء، إلى جانب جلب "الماس" وبيعه من خلال الشركات البلجيكية إلى أوروبا، كما يعمل عدد كبير من المستشارين والخبراء الإسرائيليين يعملون في صفوف القوات الكينية لتدريب عناصرها ومدهم بالسلاح خصوصاً سلاح الطيران وهذا يتضح من خلال أسلحة الجيش الكيني – إسرائيلية الصنع – خصوصاً الطائرات والزوارق الحربية والمدفعية والأجهزة الإلكترونية ومعدات الاتصال.

 

ولا يقتصر التغلغل الاسرائيلي في كينيا في الجوانب الامنية والعسكرية بل يطال ابعادا اقتصادية عبر مشاريع متعددة تدر عليها فوائد دعائية وتبرز فيها وجها انسانيا يجعلها مقبولة لدى الافارقة فعلي سبيل المثال اقامت مشاريع طبية في كينيا واوغندا وتنزانيا وزودت في مطلع عام 2011 قطاعا كبيرا ومهما من النظام الطبى الكينى وبنى عاملون في البعثة الاسرائيلية أول غرفة طوارئ طبية كاملة فى ثالث أكبر مدينة كيينة وهى كيسومو واشرف عل هذا المشروع مركز التعاون الدولي "ماشاف" بوزارة الخارجية الإسرائيلية المختص بتمنية العلاقات مع الدول الافريقية.

 

وتشارك اسرائيل في مشروع ثلاثي مع المانيا وكينيا لتطهير مياه بحيرة فيكتوريا التي تبلغ مساحتها حوالي 69 ألف كيلومتر مربع وتشكل المنبع الرئيس لنهر النيل، وتم في 17-8-2012 التوقيع في نيروبي بين الدول الثلاث على مشروع  انقاذ بحيرة فيكتوريا، التي تعتبر أكبر خزان للمياه العذبة في افريقيا بهدف إعادة الثروة السمكية إليها وإبادة نباتات مائية ضارة سيطرت على البحيرة، ووقع من الجانب الاسرائيلي على هذا الاتفاق نائب وزير الخارجية السابق داني إيلون، ويتضح توظيف اسرائيل مرة اخرى للبعد الانساني في علاقاتها مع افريقيا من خلال هذا المشروع المفترض ان يزيد فرص الرزق لحوالي خمسة ملايين شخص في الدول الواقعة على البحيرة هي كينيا، أوغندا وتنزانيا وتحسين مستوى الحياة حولها وبهذا الصدد قال ايلون خلال مراسم التوقيع "ان مشاريع من هذا النوع تظهر الوجه الجميل والحقيقي لإسرائيل وتعزز التواجد السياسي الإسرائيلي في القارة الافريقية".

 

التغلغل التجاري الاسرائيلي في كينيا يبرزه الهجوم على محمع " ويست غيت" وقد اشارت صحيفة "إسرائيل اليوم"، الى أن الهجوم  هدفه ضرب أهداف إسرائيلية، وذكرت أن المبنى يحتوي على أربعة مطاعم لمالكين إسرائيليين ويعمل بها موظفون يهود، ونقلت الصحيفة تصريحات أحد سكان نيروبي الإسرائيليين ويدعى "ياريف كيدار"، ويقطن هناك منذ سبع سنوات قوله إنه بمجرد وقوع الهجوم أدركت أن دوي الانفجار هو "هجوم إرهابي" فأخفيت هويتي الإسرائيلية، ولفتت الصحيفة أن كيدار يعمل نائب رئيس شركة "عميران" التي تمثل شركات إسرائيلية تعمل في مجال الزراعة بكينيا، مشيرة إلى أنه لحسن حظه كان متواجدا بالقرب من الجدار الخارجي للمركز التجاري في حين ذهب المهاجمون إلى داخل المبنى، ونقلت الصحيفة عن إسرائيلي آخر من الناجين من الحادث قوله إن المهاجمين ربما أرادوا ضرب أهداف غربية إسرائيلية، لأن هذا المبنى بنيروبي هو غربي وله علاقة وطيدة بالإسرائيليين، موضحًا أن المبنى ينتمي ليهودي إسرائيلي ولكنه لم يفصح عن اسمه، وهو إسرائيلي من جنوب أفريقيا، وقضى طوال حياته وعمله في أفريقيا، ومعروف للسكان المحليين أن ملكية هذا المجمع تعود له.

احد جوانب حرص اسرائيل على تعزيز علاقاتها مع كينيا موقعها الجغرافي على البحر باعتبارها احد دول منطقة القرن الافريقي وهو بوابة تل ابيب الى آسيا وافريقيا ومنه تمر 22% من تجارتها الخارجية الى العالم كما تشكل دوله بعدا مهما في الاستراتيجية الاسرائيلية ازاء هذه المنطقة الحيوية لمراقبة التحركات المعادية لها في طول وعرض البحر الاحمر وجمع المعلومات الاستخبارية ومن هنا كان الاهتمام الاسرائيلي بالا تتحول منطقة البحر الى امتداد عربي يضر بالامن الاسرائيلي وهو ما انعكس في العلاقات المتينة بين نيروبي وتل ابيب ودول القرن الافريقي الاخرى وكان ميناء مومباسا الذي يطل على البحر الاحمر محط اهتمام اسرائيلي بالغ فمقابل مد كينيا بالسلاح حصلت اسرائيل على حرية حركة كاملة في الميناء وهو ما يفسر نجاح اسرائيل في ضبط سفينة "كارين ايه" عام 2002 في عرض البحر الاحمر وسفن اخرى ابحرت منه الى البحر المتوسط وزعمت اسرائيل انها كانت محملة بالسلاح النوعي وفي طريقها الى المقاومة الفلسطينية في غزة، كما ساهمت هذه العلاقة في خمس هجمات نفذتها اسرائيل في السودان عامي 2009 و2010 ضد افراد وقوافل سيارات زعمت انها ذات صلة أيضا بالمقاومة الفلسطينية.

 

العلاقات المتينة بين كينيا واسرائيل تأتي في اطار الاسترايتجية الاسرائيلية التي بدأت منذ وقت مبكر بعد نشأة الكيان الاسرائيلي عام 1948 في محاولة للالتفاف على حالة العداء العربي له وهي الاستراتيجية التي بلورها اول رئيس ورزاء اسرائيلي "دافيد بن غوريون" في نظريتي "حلف المحيط"، و"شد الاطراف ثم بترها" بتعزيز العلاقات مع الدول غير العربية المحيطة بالدول العربية والانطلاق منها الى اثارة النعرات الطائفية والعرقية والدينية في المجتمعات العربية من اجل مشاغلتها عن الصراع العربي الاسرائيلي واستنفاذ قدراتها في صراعات اخرى وقد برز ذلك بوضوح في  الدور الاسرائيلي في السودان ودعم حركة التمرد الجنوبية والتي وجدت ملاذا لها للانطلاق من دول الجوار وعلى رأسها كينيا كما اشرنا الى ذلك سابقا، وقد تحول الاهتمام الاسرائيلي الى ما تسميه اسرائيل الجهاد العالمي وتهديد القاعدة وهو ما بات محور اساس في العلاقة مع كينيا التي دعمتها اسرائيل في تدخلها في بالصومال لمواجهة الحركات الاسلامية ومنع تهديد مصالحها في كينيا كما برز في العمليات التي ضربت اهدافا امريكية واسرائيلية في العقدين الاخيرين  وآخرها مجمع "ويست غيت" التجاري حيث سارعت اسرائيل لتقديم الدعم اللوجسيتي والفني لكينيا.

 

يبقى المعلن والمعروف في علاقة اسرائيل مع كينيا اقل بكثير من غير المعلن فالسرية سمة بارزة للعلاقات الامنية والعسكرية وتبقى تلك العلاقة دليلا على عمق التغلغل الاسرائيلي في القارة السوداء خاصة منطقة القرن الافريقي وهو ما يشكل تهديدا دائما للامن القومي العربي خاصة الامن القومي المصري والسوداني، وكان الاهمال المصري لافريقيا خلال العقود الاربعة السابقة بل والانسحاب منها فرصة سانحة لاسرائيل لتمد خيوط تعاون واسعة في معظم العواصم الافريقية ولتؤسس قواعد مهمة لها امنية وعسكرية واقتصادية لا زالت تمثل دليلا على حالة الضعف والتراجع العربي في العلاقة مع افريقيا التي تركت فريسة سهلة للاخطبوط الاسرائيلي.

 

*كاتب مختص في الشأن الاسرائيلي.

 

انشر عبر