شريط الأخبار

لن يتحقق لنا شيئ مهم في جنيف 2 ..علي عقلة عرسان

01:49 - 05 حزيران / نوفمبر 2013

خلال متابعتي لمجريات جلسة افتتاح اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة يوم الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 كنت أشعر ببالغ الحزن مشوباً بالغضب والخجل، وأفكر بعمق الهوة التي تتردى فيها السياسات والعلاقات والأوضاع العربية، في الوقت الذي يتنمر فيه الصهيوني، وتغرق فيه كثير من الأقطار العربية في الدم والفوضى والعنف والكراهية والعبث السياسي الذي يكشف عن انعدام نضج فكري وسياسي مخيف من جهة وعن تبعية فاضحة فادحة الثمن من جهة أخرى، وعن تغلغل فعلي لأعداء الأمة العربية في رسم سياسات وتوجهات واتخاذ قرارات من شأنها أن تجعل الكثير من الحاكمين والمسؤولين والمعارضين وأصحاب الفعاليات المختلفة يسقطون في المهاوي التي يحفرها الأعداء لهم أو يقبلون على الطعم اللامع في الفخ بابتهاج وهم يعرفون الثمن، ويعتزون بعبقريتهم الفردية حيث يوقعون الأمة في ما هو أدهى وأمر مما يرسمه لها أعداؤها، ويبيعونها في السوق ثم يقبضون الثمن منها، وكل ذلك نتيجة انهيار القيم، والتورم الأناني، والتخبط في الجهل والمجهول، والتبعية المغرقة في دونيتها تلك التي يقوم بها أشخاص يتسنمون قيادة أو يغتصبونها، مع توهم وانتفاخ مفرطين يصوران لهم أنه الفهم والنضال والوطن والمستقل، والحرص على الوطن والشعب والقيم.؟!.

موضوعان كانا على رأس المحزنات والمضحكات المبكيات مما تناوله الكلام في تلك الجلسة، والموضعان يلخصان وضع الأمة في وقتها الراهن وربما في ماضيها القريب المستمر في تفاعل منذ سبعة عقود من الزمن.. الموضوع الأول هو: وضع المسجد الأقصى المبارك واستباحة اليهود له، وسعيهم لتقسيمه مكانياً وزمنياً ليكون لليهود قسم منه ونصيب فيه على حساب المسلمين، كما فعلوا في خليل الرحمن ومسجدها.. وذلك بعد أن هودوا القدس واستباحوا ما تبقى من الضفة الغربية بالاستيطان وانتهاكات قطعان المستوطنين لحقوق ومقومات حياة من تبقى من الفلسطينيين، وبعد أن نعق بوم اليهود بأنه لن يعطي الفلسطينيين شيء في المفاوضات الهزلية الجارية هذه الأيام، ما لم يعترفوا بيهودية الدولة الصهيونية، ويتنازلوا عن حق العودة وحقوق أخرى، ويعطوه الحق في السيطرة على الضفة الغربية لنهر الأردن وفي أن تبقى قواته على طول حدودها، وإقامة جدار عازل يصنعه ليمنع تواصلهم مع أشقائهم في الأردن، ويبقيهم في قفص ملون أسمه دولة..؟! وهو وجه من بعض وجوه المأساة العربية الراهنة الذي لخصه أو لخص بعضه وزير خارجية فلسطين رياض المالكي، وما قام النواب العرب المتمسكين بفلسطين الأرض والهوية والقضية في الأرض المحتلة منذ عام 1948 وهم في الكنيست الصهيونية، حيث احتجوا على مشروع قانون صهيوني يستبيح الأقصى،  وذلك في جلسة لجنة العلاقات الداخلية في الكنيست.. ويتم كل ذلك في ظل  غيبوبة عربية وإسلامية طويلة الأمد، وغربة نضالية عن فلسطين، واستغراق عربي مدمر للأمة وحقوقها وكرامتها، ومهين للعقل والضمير.. استغراق في العنف الدموي والفوضى والاقتتال وتعطيل الانتاج وأوجه الحياة العامة السليمة.. والغرق في كل مهلك للشعب والنسل وللحرث والزرع والضرع في وطن الأمة، مما يصب كله في مصلحة من يستبيحون ثروات الأمة ومصالحها وقراراتها وعلى رأس ما يستبيحون الأقصى وفلسطين وحقوق الأمة العربية كلها، وفي المقدمة من ذلك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره فوق تراب وطنه المحرر تلك القضية الأصل التي استبدلت بقضية لاجئين، وبتفاوض تعس على أشبار وأمتار تبقت من فلسطين التاريخية، لتقام عليها دولة فلسطينية هي قفص ملون يحمله الاحتلال الصهيوني والإمبريالية الأميركية، ويطوفان به العالم حيث يعرضانه إنجازاً: "دولة.. هي سجن"  لشعب لا حق له إلا في أن يشكو فيعتقل ويتهم ويسجن وتنتزع منه أرضه ومقومات عيشه ويصفى تدريجياً: معنوياً ومادياً، ليبقى في فلسطين يهود عنصريون قتلة زوروا التاريخ والوقائع فسكت العرب وقبل العالم بالتزوير، وعبثوا بعرب من العرب حتى باتوا أقرب إليهم من عرب ومسلمين كثيرين وأخذوا يخوضون معاركهم ويقاتلون بدلاً عنهم في توهم للاستقلال والاختيار أكثر من فتاك وفضاح، وقد نصب اليهود على على الجميع، وسلبوا الأمتين العربية والإسلامية حقهما في أولى القبليتن وثالث الحرمين الشريفين ومقدساتهما في فلسطين التي هي كلها أصلاً وقف إسلامي بامتياز على الأمتين أن تدافعا عنه بوعي ومسؤولية واقتدار.

أما الموضوع الثاني الذي كرس له الاجتماع أصلاً  في الجلسة العتيدة فكان الأزمة السورية على أعتاب انعقاد مؤتمر جنيف 2 تلك التي يصدق في وصف وضعها والموقف منها وكيفية تناولها وأسلوب عرضها في أروقة الجامعة ومن خلال بعض أعضائها ومن المعارضة المعتمَدة التي اختارتها الجامعة أو فرض عليها أن تختارها.. أما ذلك الموضوع فيصدق فيه القول: " شر البلية ما يضحك". فالجامعة العتيدة تتلون وتتحول وتتغير فيما لا يدركه وعي مقبول مسؤول: فهي من إقصاء سورية عن مقعدها في الجامعة، ورفضها الحوار مع الدولة السورية لحل الأزمة وتشجيع المعارضة على ذلك، والهرولة إلى مجلس الأمن الدولي بغطاء للتدخل العسكري في الشأن الداخلي السوري باسم معارضة أنشأتها دول عربية وغربية وفرضتها، والمطالبة بتدمير قدرات سورية ومؤسسات الدولة كافة بتدخل عسكري تحت مسميات متعددة، خارج حدود مجلس الأمن الدولي وصلاحياته على أيدي الأميركيين الذين تهمهم أصلاً مصالح " إسرائيل" وتهمهم استراتيجياتهم ومصالحهم.. الجامعة العتيدة من ذلك كله إلى مباركة الحوار " التفاوض" في جنيف2 الذي عرقلته حتى جاء وقت عَقَلها فلغَت به.. وجدناها اليوم تقبل بجنيف وبأن تقدم غطاء للمعارضة المعتمَدة من قبلها لتذهب إلى جنيف2، ومن دون الإشارة إلى الشروط التي أملاها رئيس الائتلاف في افتتاح الجلسة على الفضاء الخارجي الممتد من المجموعة الشمسية إلى الثقب الكوني الأسود، ومن فضاء المحيط الأطلسي إلى فضاء المحيط الهادي، مروراً بجغرافية أرضية عربية تمتد بين طنجة وعُمان، وبين شروطه ومواقف فريقه التي يجب أن يقبلها كل من يعنيه أن يرضوا..  حيث لم يتكلم بيان الجامعة عن مطالب مُتبنَّاه المعارِض وشروطه التي بدأت بالسلاح والمساعدات والقرارات على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.. والموقف الحازم القائل برفض بقاء الرئيس بشار الأسد في منصبه والمطالبة بإقصائه قبل الدخول في جنيف2، واستبعاده من الدولة السورية كلياً في ظل الحكومة الانتقالية الكاملة الصلاحيات، لم يقارب بيان الجامعة شيئاً من تلك المطالب بل حث على " ضرورة التزام كل الأطراف المعنية بتوفير المناخ الملائم لمواكبة انطلاق أعمال مؤتمر " جنيف 2 ".. مسقطاً الشروط، وأشار بيان الجامعة أيضاً إلى ما أخذت تقدمه المعارضة شرطاً وهو في الأصل هدف مؤتمر جنيف 2 المنصوص عليه في اقتراح كوفي عنان الذي أصبح بيان جنيف1 وجدوله أو برنامجه المعتمَد دولياً، وقد وافقت عليه الدولة السورية في حينه، وأكده قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118، فقد جاء النص في البيان " الجامعي" عمومياً:"..الموقف العربي الداعم للائتلاف الوطني السوري وموقفه التفاوضي المطالب بالضمانات الدولية اللازمة لرعاية وانجاح مسار الحل السلمي التفاوضي لمؤتمر" جنيف 2 " و بما يكفل التوصل إلى الاتفاق على تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة وفقا لبيان جنيف الصادر في 30 يونيو 2012 والذي أقره مجلس الأمن الدولي بقرار رقم / 2118 / لسنة 2013.".. فهل كان مسعى الجامعة والمعارضة الخاصة التي تتبناها، قبل هذا التاريخ، تاريخ الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 وقبل جولة جون كيري المطابقة لذلك التاريخ، هو هذا المسعى الذي كرسته الدول الراعية لمؤتمر جنيف 2 وتلك التي أيدتها؟!، أم أن مطلبهما المجهَض اليوم على أعتاب جنيف2، بعد تبني الحل الساسي للأزمة السورية دولياً.. كان العسكرة واستمرار الحرب في سورية حتى تدميرها كلياً؟! ومن يقراً ما بين السطور وما خلف مواقف بعض الدول يجد أن هذا المطلب ما زال قائماً من دون إعلان عنه، ومتضمَّناً في النص على دعم "المعارضة المعتدلة"، ربما إرضاء وتطميناً، وهو ما ركز عليه جون كيري في جولته الأخيرة وصرح به من الرياض وهو الذي يمثل سياسة الوجه والقناع، أو الازدواجية الأميركية المعهودة.. مع إشارة منه ذات مغزى، ربما هي التي أقنعت الرياض ببعض مواقفه، أعني إشارته إلى أن " القوى المتطرفة أو المنظمات المتطرفة تزداد قوة في سورية"، يعني تلك التابعة للقاعدة أو المتعاونة معها.. مما يعني فيما يعني استمرار الحرب في سورية وعلى سورية، ولكن بتحول في الأهداف وفي التحالفات والخنادق، وبتحويل للبنادق من كتف إلى كتف.؟!

إن مؤتمر جنيف2 سيعقد فيما يبدو من تحركات ومؤشرات واتصالات، وسيكون يوم الثلاثاء 5 نوفمبر مؤثراً في مجرياته حيث يجتمع وفد الراعيين الأميركي والروسي ووفد الأمم المتحدة للبحث في إجراءات وتسمية دول مشاركة في المؤتمر.. إلخ، وينتظر أن تتخذ المعارضة المعتمَدة من جامعة الدول العربية قراراها الرسمي المعلن بالمشاركة في استانبول يومي 9 و10 الجاري حيث يجتمع الائتلاف.. ولكن تبقى هناك عقبة كأداء أمام جنيف 2 تتمثل في رغبة رعاة المؤتمر في أن يكون للمعارضات السورية وفد واحد في مقابل الوفد الرسمي، ورفض بعض المعارضات أن تكون في وفد موحد مع الائتلاف الذي يريد بدوره أن يكون المفاوض الوحيد، لكي يستلم مفاتيح دمشق والسلطة فيها من دون أن يحاور أحداً أو يشاركه في ذلك المجد أحد، ومن ثم لا يكون في الميدان إلا حديدان، حسب حسابات أشخاص وتوهماتهم. وعلى هذا لن يكون جنيف2 سهلاً ولا طريقه معبدة، ولن تذلل معظم صعوباته إلا في حالة واحدة: أن تصدر أوامر القادة للتابعين، ويمون الحلفاء على الأصدقاء، وتقول دول نافذة كلمتها ويلتزم بها ممولون ومسنثمرون ومكابرون ومقاتلون في الأزمة السورية.. فيقبِل الكل على الحوار المسؤول كل من الدولة السورية والمعارضة، أما أن يقبل وفد الدولة التفاوض على تسليم مفاتيح السلطة لوفد المعارضة فذاك وهم ويخرج عن هدف جنيف 2 بالتوافق بين الطرفين على "تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة"، لا سيما والدولة تدرك مدى قوتها على الأرض من خلال تقدم الجيش العربي السوري في مواقع عدة، لا سيما في ريفي دمشق وحلب على الخصوص.

يريدون أن تتحقق أمور كثيرة في جنيف 2 مما تضمنه برنامج جنيف1، وقد يتحقق شيء من ذلك إلا أن أهم شيء وهو وقف الاقتتال على الأرض السورية لن يتحقق للأسف، ذلك لأنه إذا اتفقت المعارضات المسلحة على وقف القتال مع الجيش السوري من خلال تحكمها بفصائل تلتزم بأوامرها، فإن هناك من يرفض الإلتزام بأوامرها من تلك الفصائل التي أعلنت ذلك، ولأن سورية تقول بأنها لن تتوقف عن ملاحقة منظمات إرهابية محددة تقاتل في سورية منها داعش والنصرة ومن يلتزم معهما بتنسيق قتالي، ولأن الدول الراعية للمؤتمر وتلك الملتزمة بقرارات مجلس الأمن الدولي تقول بملاحقة المنظمات التي تصنفها منظمات " إرهابية" وبينها ممن يعمل في سورية من يتصل بالقاعدة أو هو منها مثل داعش والنصرة وغيرهما.. ولأنه أيضاً وفي مسار آخر هناك اقتتال غير محكوم بقدرة الدولة السورية على الضبط ولا بقدرة الجيش الحر والمعارضات المفاوضة على الضبط أيضاً بين داعش وأخواتها من جهة وفصائل مسلحة من الجيش الحر وغيره في مناطق معينة في سورية من جهة أخرى.. وعلى هذا ولكل هذا فإن الأمنية الكبرى للسوريين، والتطلع الأعظم والأهم لهم مما يتعلق بجنيف 2 وهو وقف الاقتتال في الأرض السورية كافة وانسحاب المقاتلين غير السوريين من الأرض السوريين.. لن يتحقق إلا بوسائل قتالية وبتعاون دولي عبرت عنه وطالبت به دول كثيرة في المنطقة تعنيها الأزمة السورية وتمتد إليها نارها وتقلقها تطوراتها.. وتلك من مصائب زمننا ووقتنا وعالمنا ومن مسببات ألمنا ونتائج أزمتنا نحن السوريين من كل التوجهات والأطياف والمناطق والتطلعات.

والأمر لله من قبل ومن بعد.

دمشق في 5/11/2013

 علي عقلة عرسان  

 

انشر عبر