شريط الأخبار

دراسة:إدارة الدولة الحديثة في فكر الشهيد الشقاقي

11:32 - 27 حزيران / أكتوبر 2013

غزة - فلسطين اليوم

إدارة الدولة الحديثة في فكر الشهيد الشقاقي- بقلم: عبد الرحمن ربيع شهاب

مدير مركز أطلس للدراسات والبحوث

1. المقدمة:

لقد جاء الحديث حول المصطلحات الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي متزامناً مع الحملات الأوروبية على العالم الإسلامي كما أن قضية المرأة والتي جاء إنصافها في الفكر الغربي متأخراً إلا أنها أُلحقت إلى مشروع خلق حالة التحدي التي تزامن فيها التفوق الحضاري الغربي مع عصر الانحطاط الإسلامي.

وقد طرح د. فتحي الشقاقي مجموعة من الأسس للتعامل مع هذه المرحلة التاريخية من حياة الأمة الإسلامية ومن أهم ما طرحه هو ضرورة تجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث، ولذلك وفي ذكرى استشهاده اردت ان اوفي الشهيد المفكر بعضا من حقه وذلك بان ابين حقيقة بعض ما طرحه ولذا رايت أن أبحث من خلال الإجابة على سؤال بحثي كيف يرى د. فتحي الشقاقي تجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث في موضوع الديمقراطية وكذلك المرأة؟

فلقد قررت في بحثي هذا أن أبحث في الإنسان المفكر وأبتعد قليلاً عن الإنسان التنظيمي الذي كان يصرخ فينا من منفاه كي نعمل للقضية المركزية وإبقاءها محوراً مشتعلاً يستنهض الأمة ويوحدها من خلال فلسطين.

إنني أفترض في إجابتي على هذا السؤال المطروح أن د. فتحي الشقاقي حلق في رسم الصورة التي لا يمكن إلا أن يصل إليها العالم الإسلامي لأن تجاوز هذه الأزمة هو شرط للنهوض وهو من خلال العودة إلى منابع الإسلام الأصلية. فأكشف من خلال بحثي هذا أن د. فتحي الشقاقي قبل أن يتجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث تجاوز أزمة الموروث الثقافي الإسلامي الحالي الذي لم يكن موروث حضارة بل ميراث عصور انحطاط وتخلف لا يمكن أن تبدأ دوره العالمية الثانية بدون تجاوزها ولا يمكن أن تكون أبداً ميراث مرحلة الحكم العضوض أساساً لبناء مشروع خلافة راشدة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء كما واستبشر فيها الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) ولا يمكن أبداً للمبنى التنظيمي والسياسي الذي انتصر عليه الغرب وأُقيم على أنقاده مشروع إفساد بني إسرائيل الثاني أن يكون نفسه المبنى الذي يشكل أساس الانتصار عليهم هكذا ستجد د. فتحي الشقاقي يرجع في التاريخ لاستخلاص العبر ويتجاوز الانحطاط الحالي ليرقى بمشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. لا شك أن مشروع تأسيس حركة الجهاد الإسلامي كان ينظر إليه د. فتحي الشقاقي على أنه البداية لزرع بذرة هذا المشروع لكن هناك سؤالاً سيبقى مطلوباً الإجابة عليه وهو:

 

ما هو المبنى التنظيمي والسياسي المطلوب من حركة الجهاد تكوينه كي تصبح قادرة على استيعاب كل ما طرح د. فتحي الشقاقي؟

هذا ليس مجال بحثي هنا ولتكن دعوه لغيري للإجابة على هذا السؤال.


الفكر السياسي المحيط

كي تكون على بصيرة من الأمر الذي نتحدث عنه ولكي نحدد المصطلح بشكل دقيق أردت أن أعرّف مجموعة المصطلحات التي أراد د. فتحي الشقاقي تجاوزها والتي تمثلت في التحدي الثقافي والفكري الحديث.

الحقيقة ان الغرب سبقنا الى الاجابة الحديثة على الاسئلة العميقة وضع اسسا للتعامل مع القضايا الاساسية مما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة وفي موضوع المرأة وعلاقة المجتمع بالدولة وتوزيع قوة السلطة وهذا جعل التحدي بالنسبة لن أشد وأعظم لان هذه المرحلة من عمر الغرب لم تمر علينا في عصور الترف الفكري والازدهار الثقافي بل امسكت بنا عراه من الفكر والثقافة مجردين من الحضارة وحتى من شروط الانسانية التي تتعلق بحب الآخر والرحمة بالمرأة والتسامح الديني ومجردين من كل فهم لرسالة الاسلام

من هنا وبسبب ضعفنا الثقافي اقتحمت الثقافة الغربية علينا (ديننا) الذي لم يعد ديننا بل حولنا الى انماط حياة ليس لها علاقة بالدين

ولذلك وللحديث حول الشقاقي واسئلة الفكر السياسي لا بد من معرفة الفكر السياسي في المحيط مما طرحه الغرب والاسلاميون لنرى المنطقة التي يقف فيها الشقاقي.

أولاً: مركبات الفكر السياسي الغربي

أ. الديمقراطية الليبرالية:

الديمقراطية الليبرالية خرجت من تحت يدي جون لوك "john Locke" وجيمس مديسون "James Madison" وقد رأت في الدولة سلطة عليا بينما المجتمع هو سوق أو شبكة العلاقات بين الأفراد وفي مفهومها فإن الليبرالية تقدم مصالح الأفراد والتي تراها مجتمعه بمثابة الإرادة العامة ومصلحة المجتمع (habermas,1996.21).

ففي نظر الليبرالية تعتبر الديمقراطية أداه لتحصيل مجموع مصالح فردية ولا تعتبر أن من حق الدولة تحديد المصلحة العامة إلا ضمن رؤية لحساب مصالح الأفراد متراكمة فهي ركزت على المعنى الضيق للمصلحة الفردية.

كما اعتمدت مفهوم توزيع القوة (power) من خلال إضعاف قوة الدولة أمام المجتمع وعدم سيطرتها عليه أما تعريف المجتمع فليس هناك مجتمع لدى الليبرالية بل مجموعة مجموعات تتدافع لكسب مصالحها الذاتية (barber,1984.143) اعتمدت الليبرالية مبدأ العلمانية حيث فصلت الدين عن الدولة وتعاملت مع حرية الأديان بشقيها حرية التدين وحرية عدم التدين فلقد وضعت الأديان ضمن جماعات التنافس من خلال فهمها للتعددية الدينية ولكن بعيداً عن الدولة من هنا نجد أن الليبرالية في العالم العربي الإسلامي اصطدمت بثقافة المجتمع المسلم من عدة نواحي فهي أولاً عرفت الإنسان ضمن مصلحته الأنانية فقط وهذا يتناقض مع الفهم الإسلامي الذي يرى في الإنسان المركب من الروح والطيف "وهديناه النجدين" (البلد 10)، "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها" (الشمس 8-7).

كما أنها اصطدمت بفهمها للمشاركة السياسية والتمثيل السياسي حيث اعتبرت الليبرالية هذه المشاركة شر لا بد منه من خلال اعتبارها أن العقد الاجتماعي ليس هو الوضع الطبيعي وهذا يتناقض مع الفهم الديني المعتمد على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" والفهم الإسلامي بوجوب إيجاد رئاسة الدولة كفرض كفائي، وأما التمثيل السياسي فقد اعتبرت أن الإنسان السيئ يختار الأصلح وهذا يتناقض مع الفهم الإسلامي "كيفما تكونوا يولى عليكم" أما مسألة تعريف الأمة على أنها مجموعات تعمل لمصالحها الذاتية فهذا لا ينسجم مع مفهوم وحدة الأمة والدين الذي يرى في الإنسان يفضل المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية.

أما مسألة توزيع القوة فإن هذه المسألة التي تتوافق مع الإسلام وقد حلها الإسلام بشكل أفضل من الليبرالية من خلال فصل السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية على طول التاريخ الإسلامي – على الرغم من الشائبات – ونزع التعليم من يد الدولة حيث أن أهم ما فعله الإسلام هو حل مشكلة القوة power وذلك بعدم تركيزها فالإسلام نزع من الدولة أنيابها التشريع والتعليم والسوق ووضع ركيزة الوقف، الأمر الذي دمرته الدولة القطرية الحديثة في بلادنا.

ب. الديمقراطية الإجرائية:

إن أول من تحدث عن الديمقراطية الإجرائية شمبتر "Schumpeter" وتم توسيعها فيما بعد على يد داهال "dahal" وكلاهما اعتبرها مجموعة من الإجراءات تهدف إلى تسليم السلطة إلى طرف يدير شؤون البلاد يتم اختياره من قبل الشعب وقد وضع لها سبعة شروط:

1. إعطاء السلطة للموظفين المنتخبين (Schumpeter 1993.49).

2. إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

3. كل الشباب لهم الحق في الترشيح.

4. كل الشباب لهم الحق في الانتخاب.

5. حق المواطن التعبير عن رأيه بحرية.

6. حرية المعلومات وحفظها حسب القانون.

7. حرية الأحزاب السياسية والتجمعات لكل المواطنين.

ويرى شمبتر أن أهم مميزة من مميزاته الديمقراطية الإجرائية هو انتخاب الممثلين في العملية السياسية واعتبر أن هذا الأمر مقتصراً على بناء منظومة إدارية للحكم.

ولا يعتبر الديمقراطية عقدية شاملة (محمد بشير الخضراء 447) كما أن شمبتر أيضاً لا يعتبر أن هناك تناقض بين الديمقراطية والدين ولا يرى مانعاً من تعريف الجماعات السياسية لنفسها بأي طريقة تشاء ويؤكد على أن الدين لا يتناقض مع الديمقراطية (رجا بهلول 60-61) هذا المفهوم الذي يعتبره الغنوشي ناقص حيث يرى أن الديمقراطية الإجرائية خاوية من القيم وأن الغرب قد ملأ الديمقراطية بقيمة ولذلك يعتبر أن من المناسب أن نملأها بقيمنا الإسلامية والمقصود هنا بالديمقراطية الإجرائية وليس الليبرالية.

وكذلك فإننا نجد أن ديمقراطية شمبتر الإجرائية تتنازل عن اعتبار العلمانية مركب أساسي من مركبات الديمقراطية وذلك لأنه يعتبر أن الديمقراطية تطورت في الغرب بموازاة تطور العلماني ولذلك فإن العلمانية ليست شرطاً ملازماً لتطبيق الديمقراطية (Quinn, 1997.256).

ت. تطور قضية المرأة في الفكر الغربي:

 

مفكرو العقد الاجتماعي في القرن الثامن عشر أكدوا على إنهاء سلطة الأب وذلك لأن جون لوك رأى أن السلطة المطلقة استمدت شرعيتها من الدين المسيحي الذي أعطى البابوية حق تمثيل إرادة الآلة على الأرض وهذا عَكَسَ نفسه على فهم العمل السياسي الفلسفي والديني من خلال سلطة الرجل وذكورية المناهج.

انطلق لوك في نقده لهذه السلطة من خلال نقده لروبوت فلمر (robot filmier) والذي تبنى فكرة الأبوية فقد ركز لوك على نقد النص التوراتي في وصيته للإنسان "بأن تحترم أباك" معلقاً أن النص "وأن تحترم أباك وأمك" وهكذا ينسف فكرية الأبوية ولكن لوك بعد أن استخدم ذكر احترام الأم في التوراة لنسف السلطة المطلقة لم ينسف السلطة المطلقة للأب في العمل السياسي على عائلته. وهذا يؤكد كم كانت المرأة خارج الفكر السياسي والفلسفي لدى لوك وأكثر ما توصل له هو إعطاء المرأة دور داخل العائلة من خلال إطلاق مصطلح "مملكة المرأة" ومنع الرجل من التدخل في المجال التربوي في المنزل وهكذا يبقى الرجل يمثل العائلة في الفعل السياسي أما جون جاك روستو فقد حدد دور المرأة في كتابه "Emilius" بأن المرأة تعيش في عالم آخر يمثل إمبراطورية النعومة وأن عنوانها الشكوى وأوامرها ناعمة وتهديدها لا يعبر إلا عن اندفاعات عاطفية وأكثر من ذلك فقد حَرَم المرأة من حق تعليم أبناءها واعتبر الابن الأحسن هو لدى الأب الأحسن والزوج الأحسن هو المواطن الأح

وفي كتابه "the social contract" اعتبر أن علاقة الرجل بالمرأة علاقة غير مسيطر عليها لأن المرأة مُشَكَلة بطريقة خاصة فقط لإمتاع الرجل حيث عنفها يعكس إغواءها وتواضعها يشكل قِناعها ورغباتها ليست لها حدود.

أما هوبس فقد اعتبر أن الفكر السياسي ليس من وظيفة المرأة ولذلك يجب أن تكتفي بتعليم سطحي فقط والتعليم اعتبره روستو ليس مهماً لها.

أما آدم سميث فاعتبر أن تعليم المرأة هو من باب الترف الذي لا فائدة منه.

• حركات مساواة المرأة "feminism":

منذ نهاية القرن الثامن عشر بدأ الحديث عن ضرورة إعطاء المرأة وظائف تتناسب مع التغير البيولوجي لها عن الرجل وهكذا ناضلت المرأة ضد المؤسسة الرجولية لأكثر من قرن والتي وصلت قمتها بتحقيق حق الانتخاب لها والذي كان حقاً رسمياً يخلو من أي جوهر يرتبط بالفعالية السياسية فالمقارنة مع الأساس الفلسفي للدولة الحديثة الناشئ عن العقد الاجتماعي فنجد أن جميع ما حصلت عليه المرأة من حقوق ليس له أساساً فلسفياً بل نتيجة متغيرات ظرفية وفي بعض الأحيان كانت حاجة الرجل لخروج المرأة مثلاً للعمل هو الذي أعطاها حق العمل على إثر الثورة الصناعية وزيادة متطلبات سوق الخدمات والحاجة لقوى عاملة أكثر والتي وضعت المرأة تحت رحمة صاحب العمل.

كما أن حق الانتخاب للمرأة التي حصلت عليه نهاية القرن 19 بداية بنيوزيلاندا وفنلندا هي دول ليست في المركز الأوروبي بل منعزلة أو الأكوادور في الجنوب الأمريكي ففي أغلب الأحيان حازت المرأة على حق الانتخاب لظروف محلية ارتبطت بتشجيع نساء مستوطنات أو تغير فجائي في النخبة السياسية وليس كحق مجرد لها كامرأة ناهيك من حقوقها في العمل التي حصلت عليها نتيجة متطلبات أطفالهن وليس لأجلهن هن.

باختصار كلما كان هناك حاجة للمرأة في مكان ما كانت تتقدم لتسد ثغرات ومن أجل منافع استهلاكية وليس ما تقدم للمجتمع كامرأة وكأنثى كما أنه ليس كحاجة لإكرام نصف المجتمع الذي تمثله ولذلك كان دورها يقع في مزاحمة الرجل والاحتكاك به في مكان عمله.

3. الموروث الثقافي الإسلامي في فكر د. فتحي الشقاقي:

أربعة عشر قرناً من التراجع في الفكر السياسي الإسلامي الذي بدأ بالتحول في نظام الخلافة من راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض، جعل المفكرين الإسلاميين والحريصون على الأمة يضعون الحلول للمشكلات التي تواجه الملك العضوض ولعّل هذا ما جعل الماوردي يشكل نقطة تحول فاصلة في وضع أسس واقعية تتنازل عن التطلع للمُثل الإسلامية في بناء منظومة سياسية إسلامية قادرة على استيعاب الأيدلوجية الإسلامية، فأسس لمبنى نظام يقر بولاية الاستيلاء التي تعترف بشرعية السلطان المتغلب.

وتعتبر الأهم من طريقة تعيين السلطان هي أن يكون ملتزماً بحماية الأمة هذا المفهوم الذي وضعه الماوردي لمرحلة معينة في التاريخ الإسلامي ما زال سائداً إلى يومنا بل الأخطر أن جيلاً من الحركة الإسلامية ما زال يراهن على هذا النمط من القيادة والنظام السياسي كما أوضحه د. فتحي الشقاقي.

في دراسته التاريخ لماذا (د. فتحي الشقاقي تشرين أول 83) فهو يعتبر انه عندما هزمت أمتنا تلك الهزيمة الصدمة على يد نابليون بونابرت الذي هاجم أمتنا في ظل منتهى عجزها عن الاجتهاد والتجديد فيما الغرب كان يمر في قمة تفوقه الحضاري فقد كانت تلك الحملة هي أخطر التحديات التي واجهها العالم الإسلامي منذ ظهوره (نفس المصدر) فلم يكن العالم الإسلامي بعمومه فقط يعيش هذا الغياب بل الكثير من الحركات الإسلامية أيضاً عاشت هذا الغياب عندما لم تدرك الشرط الموضوعي الذي تحدث عنه د . فتحي الشقاقي والذي يفترض من أمة هزمت أن تهب لتبحث من جديد في شروط وجودها وتدرس تاريخ أمتها الممتد تحلله وتنتقده وتعيد الترتيب والصياغة لتتعرف على مواقفها الحالية، ثم تنطلق إلى آفاق المستقبل (نفس المصدر).

فلا يكفي أن تقدم الحركة الإسلامية شهداءها في الدفاع أمام الغزو لتأكيد أصالتها وإن كان هذا إنما يدل على القدرة والعزة لهذا الدين على التجاوز والفعل فبالرغم من الدور العظيم الذي قامت به الحركة السلفية في تشكيل أول الرد على التحدي الغربي فقد كان من الصعب عليها أن تتجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث وذلك لتخلفها عن إدراك الشرط الموضوعي الأمر الذي أدى إلى فقدهم لسلاح مهم وخطير في المعركة الكبرى (نفس المصدر).

أكثر من ذلك يرى د. فتحي الشقاقي أنه لا يمكن أن تكون الحركات الإسلامية أدركت الشرط الذاتي لوجودها إذا لم تدرك الشرط الموضوعي بل ستبقى تعيش حالة الاغتراب ودوامة انهيار القيم وفوضى المفاهيم ومن ثمّ اليأس في أحيان كثيرة (نفس المصدر).

وهكذا لم تستطع إيقاف النكسات لتصحو على نكبة 67 ولتصحوا أمتنا على نعي مرحلة بأكملها نهاية قاسية قادت إليها مرحلة طويلة من التبدد والضياع (نفس المصدر).

من المؤكد لدى د. فتحي الشقاقي أن عدم إدراك الشرط الموضوعي وعدم دراسة التاريخ وعدم النقد وعدم العودة إلى الأصول الإسلامية بمعنى إعادة البعث الإسلامي على الأرض كان عاملاً حاسماً في استمرار الضياع والغياب فكانت نتيجة طبيعية أن نرزح تحت وطأة التحدي الغربي الحديث طالما لم تتجاوز أزمة التراث وأزمة العقل المسلم الذي أفقد إرادة النهوض والتحدي من خلال بناء ثقافي وسياسي لم يكن ميراث حضارة بل ميراث تخلف وانحطاط.

وسوف يبقى هذا الضياع ما لم نتجاوز ذلك بالعودة إلى التاريخ في أن المبنى السياسي والثقافي الذي هزم أمام الهجمة لا يمكن أن يكون صالحاً لعملية العالمية الإسلامية الثانية لا يمكن أن يكون موروث الحكم العاض صالحاً لبناء خلافة راشدة على منهاج النبوة ولا يمكن لفتاوى علماء واجهوا

إشكاليات بناء إسلامي يتهاوى أن تستنسخ نفسها لإقامة المشروع الجديد ومن جديد فليس من الحكمة أن نتحدث عن فتوى الإمام أبي حامد الغزالي بخصوص تفضيل سلطان ظالم مئة عام على عام بدون سلطان ونحن نعيش غياب سلطان لا يعترف بالإسلام ليس منذ عام بل منذ مئة عام ونحن نعيش مرحلة الحكم الجبري لذلك لا شك أن على الحركة الإسلامية التي تسعى لإعادة البعث الإسلامي أن تكون قادرة على بناء مشروع يواجه التحدي الغربي المعقد كي يستطيع أن يسحب البساط الحضاري من تحت أقدامه لصالح أمة تملك منظومة من القيم تستطيع أن ترث الدورة الحضارية من بعده فلا يمكن أن تنتظر انهيار المشروع الغربي برفع شعار الإسلام هو الحل بدون أن تقدم إجابة للسؤال القائل: كيف سيكون الإسلام هو الحل من خلال تجاوز عقد الماضي من تاريخنا وتراثنا وتجاوز أزمة التحدي الفكري الغربي من خلال مواجهته بالإجابة الفكرية على الأسئلة التي عجز عن الإجابة عليها.؟

4. صدام الفكر الغربي الموروث الثقافي:

 

لقد كانت الحملة الصليبية التي قادها نابليون هي نقطة البداية في أخطر التحديات التي واجهها الوطن الإسلامي منذ ظهوره (نفس المصدر) فمنذ تلك اللحظة حتى الحرب العالمية الأولى كانت مرحلة تدمير الحائط الإسلامي الصلب الذي يمنع الغرب من السيطرة على مكامن الثروة في العالم ويشكل تهديداً أصيلاً له ولقيمه وبنيان نظامه ولذلك استخدم حرابه العسكرية وبعثاته التبشيرية ومدارسه العلمانية ضمن هذه الهجمة العريضة والمتواصلة وكان أخطر أدواتهم بناء المجتمع الذي هزموا روحياً وفكرياً وعملوا كأداة لعلمانية الغرب وأطروحاته السياسية القومية وبالذات ضد وطنهم (فتحي الشقاقي, يوليو 1980)، لقد جاء الغرب ليقدم للعالم الإسلامي وصفته التي صلحت لواقعه في النهوض، في عملية صراع على مدار قرون بين الكنيسة و العلم في الغرب، بين السلطة الدينية والسلطة السياسية أراد الغرب أن يقدم لنا نتائج معركته مع الدين المسيحي كوصفة لإخراج العالم الإسلامي من أزمته الثقافية والفكرية في الواقع لقد صدمنا الغرب بتفوقه الحضاري فيما كنا نرزح تحت أدنى دركات التخلف كما يراها د. فتحي الشقاقي (فتحي الشقاقي، تشرين ثاني 1983) مما أدى إلى تقسيم النخبة إلى خمسة مجموعات.

• المجموعة الأولى:

المسلمون التقليديون الذين بقوا غياباً عن اكتشاف الذات والظروف الموضوعية وبقيَّ يأمل بالخلاص القادم على يد سلطان يبعثه الله لينقذ الأمة من الضياع على أمل أن يقدم الموروث المهزوم إجابة على أسئلة التحدي.

• المجموعة الثانية:

المسلمون السلفيون المحافظون كالوهابيين والمهدية والسنوسية والذين كانوا أول رافض للحملة الفرنسية وذلك لأنهم كانوا موجودين قبل مجيء هذه الحملة على مصر وقد ركزت على محاربة البدع والفساد كما فتح باب الاجتهاد الذي كان مغلقاً منذ قرون ولكنهم ركزوا على الشرط الذاتي واعتبروا أن كل مشاكل المسلمين تكمن فقط من ضعف العقيدة ولكن هذه الحركة لم تدرك الشرط الموضوعي الداعي إلى مراجعة التاريخ وبناء المنظومة السياسية الإسلامية الجديدة فقد كانت تعيش هي أيضاً أسيرة لتراث التخلف ولم تقدم مشروعاً حضارياً جديداً يعيد البعث الإسلامي ولم تقدر على تجاوز التحدي الغربي الحديث حيث لم تكن الحركة الفكرية التي تستوعب ما يطرح الفرد من فكر وأيديولوجية.

• المجموعة الثالثة:

المسلمون السلفيون المتنورون وهذه الحركة أدركت الظرف الذاتي والموضوعي والتي تطورت إلى جيل البعث الذي بدأ بالبنّا ولكنه تعرض لضربة قاسية عام 1954 على يد المد العلماني الذي استعان بالعسكر.

• المجموعة الرابعة:

العلمانيون وهم الذين رفضوا الإسلام كبعث حقيقي وكسلطة حقيقية واقتربوا من الفكر الغربي بفصل الدين عن الدولة هؤلاء استعانوا بالعسكر للوصول إلى السلطة حيث اختاروا الطريق السريع للوصول إلى السلطة ولكن هذه الأفكار تبنتها شريحة تمثل أقلية ولكنها دعمت أنظمة دكتاتورية رغم تناقض ذلك مع أسس الفكر الغربي إلا أن هذه المجموعة سقطت شعاراتها على إثر الهزائم التي تعرضت لها الأمة في ظل تمكنهم كانت الهزيمة الساحقة لهم بنكبة فلسطين عام 1948 فانتهت أيضاً على يد العسكر ولم تحقق شيئاً من أهدافها.

ولقد كانت هذه النخبة بأفكارها الليبرالية أول بديل منظم عن الإسلام ولكنها لأنها أنظمة نصف استقلال وتبعية ووظفت قشور من الديمقراطية الليبرالية بما يُتوافق مع استمرار التبعية للسوق

الأوروبي وما يوفر لها من مصالحها الخاصة فقد جاءت نكبة فلسطين عام 1948 لتثبت التالي: (د. فتحي الشقاقي 1979).

- عدم وعي الأنظمة الليبرالية لطبيعة الصراع.

- عدم قدرتها على المواجهة مع العدو للنهاية.

- عجزها عن تحقيق التحديث ضمن استقلال وطني حقيقي.

- عدم أصالتها وطروئها على المجتمع الإسلامي.

• المجموعة الخامسة:

المسيحيون المغتربون والمتغربون وهؤلاء ربطتهم مصالحهم بالغرب كما المجموعة الرابعة فقد قادوا عملية العلمنة كمشروع لحل غربتهم في الوطن الإسلامي من خلال علمنة المؤسسات والأسس التي يقوم عليها المجتمع والدولة.

- النخب الفكرية والسياسية بعد سقوط القدس:

أما بعد هزيمة 1967 وصعود الصوت الإسلامي والصحوة الإسلامية فقد تميزت هذه المرحلة بوجود ثلاثة تيارات فكرية أساسية في العالمين العربي والإسلامي.

• التيار الأول/ التيار اليساري:

وإن كان د. فتحي الشقاقي يعتبر أن هذا تعبير غير محدد فلم تنجح هذه الأيديولوجيا في التحول إلى حالة وجدانية شعبية بسبب خوائها الروحي وماديتها المفرطة، ولكن وحدت مشروعيتها عربياً بسبب تقديمها بعض الإجابات المغرية على الأسئلة المطروحة أي على التحديات التي فرضها الغرب المستعمر مثل أسئلة الثورة والاستعمار والتخلف إلاّ أنها فشلت في النجاح بعيداً عن المظلة السوفيتية ومع انهيار الاتحاد السوفييتي أخذت الانقسامات إلى عدة تيارات يسارية منها الليبرالية مغسولة من عناصرها الثورية وبعضها الآخر تحول إلى خدمة الأنظمة وحصل ما توقع لها الشقاقي أن تبقى تياراً فكرياً فلسفياً معزولاً ونخبوياً (د. فتحي الشقاقي 1/10/94) لقد أخطأت التيارات اليسارية في تقدير الشرط الموضوعي والنفسي للنهضة لأنها نقلت جوهر الانفصام في شخصية الإنسان العربي كما أخطأت في الإدراك للشطر الذاتي عندها لم تكتشف الذات وتعمل على بعثه

وتجديد الإنسان بالبعث الروحي بالمفاهيم والقيم الأخلاقية (د. فتحي الشقاقي 28/7/1995) ولذلك لم يكن استجابة مناسبة للتحدي الغربي الحديث.

• التيار الثاني/ الحركة القومية:

وتعززت هذه الحركة الفكرية بقوة الأنظمة التي تثبت هذه الأفكار ولكن هذا التيار الذي جاء كرد فعل على القومية التركية وجدت نفسها في مواجهة مع الإسلام عبر تبنيها الفكر الليبرالي والعلمانية حتى آلت إلى القبول بواقع التجزئة والمصالحة مع الاستعمار كما أن روح التنافس مع الحركة الإسلامية قادها إلى الابتعاد عن المشترك وهو التحدي الغربي (د. فتحي الشقاقي 1/10/1994).

لقد كانت حركة تميل أحياناً إلى الاعتماد على الشرط الذاتي من خلال استدعاء المخزون الديني العميق في نفوس الأمة واستثماره الجهاد من أجل الدفاع عن الأمة ونتيجة لجهودها لا نحن عرفنا أصولنا ولا أصول الفكر الغربي (د. فتحي الشقاقي 28/7/1995).

هكذا يرى د. فتحي الشقاقي أن كلا التيارين واجها أكبر الصعوبات على مذبح التراث وكان موقفها من التراث ومن عقيدة الشعب أي الإسلام هو التحدي الأساسي لها ولذلك بقيت منحصرة في نخبة تعززت بالأنظمة الدكتاتورية والتي شكلت وعاء لهذه الأفكار إلى أن انحصر كلياً في الدولة القطرية.

• التيار الثالث/ التيار الإسلامي الحركي:

والذي بدأ تشكله التنظيمي مع عشرينات القرن الماضي فهو تيار أدرك الشرط النفسي الذاتي والذي يمثل شرط البعث الروحي للأمة مع تحفظ د. فتحي الشقاقي على الجزم بأنها أدركت الشرط الذاتي لأنه يعتبر أن عدم إدراك الشرط الموضوعي بالقطع يمنع من إدراك الشرط الذاتي حيث لا يمكن اعتبار إنسان يعيش في غيبوبة أنه مدرك لذاته.

إذاً تيار الحركة الإسلامية والإخفاقات والانتكاسات كان أكثرها ناتج عن عدم إدراكها للشرط الموضوعي للنهوض وعدم مراجعة التراث وعدم عرضه على سنن التداول الحضاري فلقد كانت المشكلة الحقيقية في الوعي الإسلامي تكمن في عجزه عن تقديم الإجابة على أسئلة الحريات والمواطنة وحقوق الإنسان والمفاهيم الاقتصادية وذلك نتيجة لتوقف الاجتهاد عن الوعي الفقهي الإسلامي ولذلك كان هناك انقطاعات في مسيرة تحوله الأيديولوجي (د. فتحي الشقاقي 1/10/1994).

ولكن الفكر الإسلامي اليوم عندما بدأ ينفتح على الأسئلة المدنية والحضارية وتفاعله مع حركة الواقع سياسياً واجتماعياً يعتبر هو أهم الخطوات في التقدم على إدراك الشرط الذاتي والموضوعي وتجاوز أزمة التراث (د. فتحي الشقاقي نفس المصدر).

 

- مستقبل العلاقات بين التيارات:

 

يؤكد د. فتحي الشقاقي على التفرقة بين الجزء المتغرب من التيار القومي المتقوي بالخارج والمتحالف مع الدولة القطرية وبين التيار القومي المناضل ويدعو هذا التيار إلى قراءة الحركة الإسلامية خاصة أنه يتعرض مثلما تتعرض له الحركة الإسلامية لخطر يهدد وجوده وليس مفاهيمه فقط كما يدعوا الحركة الإسلامية لفعل نفس الشيء وفتح حوار جدي فالعروبة والإسلام لم تنفصلا إلاّ مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ومع مزيد من التدخل الخارجي الذي عزز انقسام نخبة الأمة وبناء علاقة قائمة على النفي (د. فتحي الشقاقي 24/10/1994).

هذا الحوار والعمل المشترك هو من أجل خلق جبهة عريضة من قِبل العُنصرَيِن الرئيسيين داخل الأمة في مواجهة نظام القطرية والتبعية لإعادة تقرير مصير الأمة وبناء مستقبلها فلا يتجاذبان الأمة باتجاهين متناقضين الأمر الذي يؤدي إلى التدمير الذاتي (نفس المصدر)، ولكنه يشدد على ضرورة أن يتخلص الخطاب القومي من العلمنة بمعنى فصل الدين عن الدولة والتي تشكل له مشكلته الأساسية مع الأمة وذلك لأن القومية العربية تختلف في نشأتها وتطورها عن القومية الغربية وكذلك في مضمونها كما الإسلام فإنه يختلف عن الكنيسة في مضمونه ودوره وآلية عمله (نفس المصدر) كما يشدد على ضرورة أن يتخلص الخطاب الإسلامي من طابعة الشعاراتية والنزول إلى استنطاق المشاكل وفهم حقيقتها وتقديم حلول مدروسة وناجحة من خلال الاستغراق في المعترك وغيرها من المجالات التي وإلى كان يعتبرها الإسلاميون خارج نطاق اختصاصهم وتركها فقط للتيار القومي (نفس المصدر).

وأخيراً يركز د. فتحي الشقاقي على دور المثقف بشكل عام في هذه المعركة والذي ينبغي أن يكون بمثابة المعلم والضمير والنفس اللوامة للناس والمجتمع أول من يقاوم وآخر من ينكسر بل مطلوب منه ألا ينكسر أبداً لأنه المعبر عن الهوية عندما يفرط السياسي بالثوابت ويتجاوز مصلحة الأمة ويساوم على الجميع من أجل المحافظة على إمبراطورتيه الرثة التي يقف على قمتها لذلك لا يجوز للمثقف أن يبرر ويسير في ركاب السياسي ولا السياسي في ركاب العسكري (نفس المصدر). إنه

 

يتطلع إلى نهاية هذا المخاض العسير الذي ستنتهي بالتأكيد إلى خطاب إسلامي يقدم وعياً مطابقاً للعالم بشخصه ويقدم إجابات مقنعة لأزمة المنطقة إن لم يكن لأزمة العالم وحينها لن نرى في الاشتراكية أو الماركسية أيديولوجية مملكة الشر بل وجهة نظر في سياق فلسفة وحركة التاريخ تلقي الضوء على جوانب من حياة الإنسان ولن نرى في هذا السياق في القومية العربية كفراً وبدعة إذا استطعنا فصلها عن العلمانية (د. فتحي الشقاقي 6/10/1994).

5. موقف د. فتحي الشقاقي من المركبات الديمقراطية:

بداية يرفض د. فتحي الشقاقي ما وقعت فيه الحركة القومية من الهجوم على قيمنا الروحية وتمكين الثقافة الغربية عندما رفضت الاستجابة لنداءات الثوار العظام كالسيد جمال الدين الأفغاني وانقادت للفكر الليبرالي الأوروبي في الجدل الكلامي حول الإسلام والعقل والإسلام والعلم والإسلام والتطور، الإسلام السياسي الدين والدولة، الإسلام والديمقراطية (د. فتحي الشقاقي 28/7/1995)، كل هذا يراه يندرج تحت وطأة عدم إدراك الشرط الموضوعي للنهضة من خلال تحديد جوهر العصر الأوروبي وبالتالي جوهر التحدي الغربي الحديث هكذا يرى د. فتحي الشقاقي أن الانزلاق بالشرط الموضوعي لهذا الجدل من الخطأ الكبير ولكن إذا كان الحوار نِدّي مع الفكر الغربي ومن خلال اكتشاف الشرط الذاتي النفسي فيؤدي بالتأكيد إلى إجراء عملية التبادل الحضاري معه.

 

إن القرآن الكريم يزخر بالمبادئ النامية التي تضع أسساً للمجتمع القومي والدولة العظيمة غير المطلقة ولا الشمولية وفي هذا الإطار يمكن الحديث إذاً عن الديمقراطية كآليات إجرائية بهدف استيعاب ما توصل إليه الإنسان من تقنية وطرائق العمل السياسي الإداري فهذا لا يتناقض مع ثوابتنا الإسلامية (د. فتحي الشقاقي 6/10/1994) وذلك في إطار ما تم الحديث عنه سابقاً حول مشكلة الليبرالية والعلمانية يرى د. فتحي الشقاقي أننا أول ضحايا غياب الديمقراطية وأن مشكلة بعض الإسلاميين تكمن في تركيزهم على المصطلح أكثر من تركيزهم على الجوهر والمضمون لأنه يرى أن الشورى تعني احترام الأمة وهذا مبدأ إسلامي لا يمكن القفز عنه (د. فتحي الشقاقي 6/10/1994) ويعتبر أن ليس لمصلحة أحد حضور الديمقراطية مثلما الإسلاميين وسيبقى من مصلحتنا الحفاظ عليها في احترام إرادة الأمة واحترام الدستور الذي ترتضيه الأمة (نفس المصدر) ويرى أن كثيراً ما

نقع أسرى لمقولات فكرية وفقهية ليست من صلب العقيدة ولا الثوابت لا تمتلك قدسية ما ولكنها بفعل التقادم التاريخي وسطوة الموروث ضغطت على العقول وتحولت إلى عبء ترزح تحته الجماعة الإسلامية (د. فتحي الشقاقي 25/11/1994).

وحول ضرورة تعامل الفكر الإسلامي مع الواقع يرى د. فتحي الشقاقي أن الايدلوجيا لا تنبع من فراغ ولا هي ردة فعل تحولات سياسية ولكن يعتبر أن الأفكار تكون موجودة ومتداولة ولكن التغيرات هي التي ترفعها إلى مرتبة التأثير الأيديولوجي بالأصح فإن ملاءمتها للتعامل مع المتغيرات هو الذي يجعلها أيديولوجيا (د. فتحي الشقاقي 1/10/1994) ولكنه دائماً يؤكد على أننا نعيش أزمة تحدي غربي تتطلب منا جهوداً لتجاوز هذه الأزمة التجاوز الذي يراه يرتبط مباشرة بالوعي لهذا التحدي ويأخذ على كثير من الإسلاميين بساطتهم وسذاجتهم في التعامل مع هذا التحدي وفي حين هم يواجهون تحدياً فكرياً يتطلب دراسة فمثلاً في انتقاده للجبهة الإسلامية في الجزائر لا يعتبر فشلها نابع فقط من انقلاب العسكر على صندوق الانتخابات بل يعتبرها افتقدت للتنظيم وللدور السياسي الفاعل الذي كان يمكن أن يؤهلها لطرح بدائل مؤثرة غير العنف وهذا يؤكد على أن د. فتحي الشقاقي ماذا يمكن ان يقول اليوم عن التجربة الاسلامية في مصر انه كان يرى أملاً في البديل الذي قدمته الجبهة للتغير بغير وسيلة العنف ولكنها حسب رأيه أصيبت بالشلل لافتقادها للدور السياسي الفاعل بل يعتبر أن جزءاً هاماً من أول مجلس شورى للجبهة الإسلامية لزم بيته ليس فقط هرباً من بطش السلطة ولكن لأنه يفتقد إلى نظرية إسلامية واضحة للعمل السياسي وهذا العجز هو الذي أعطى فرصة أكبر لخيار العنف (د. فتحي الشقاقي 31/1/1994) هذا بالضبط ما يحصل الان في مصر نجد كثيراً د. فتحي الشقاقي يؤكد على مسألة الامة وفلسطين كركيزتين للحكم على التحالفات والبرامج ويعتبر نفسه أنه وجد قاسماً مشتركاً وبرنامجاً وطنياً يمكن أن نخوض على أساسه النضال ضد المؤامرة التي تواجهنا ويعتبرها مهمة الإسلامي وغير الإسلامي ولا يجوز أن يفرط الإسلاميون بالوطنين ولا الوطنيون يفرطون بالإسلاميين لأنه لا يوجد فصيل قادر على خوض المعركة بمفرده (د. فتحي الشقاقي 25/9/1994) وحول مصطلح الأمة يؤكد على الحوار الإسلامي مع القومي واليساري للتعاون فيما اتفقنا عليه من قواسم مشتركة ويراهم جزء لا يتجزأ من الأمة خاصة من لا يجنحون للالتصاق بالغرب والتبعية له (د. فتحي الشقاقي 1/10/1994) وحول أهل الذمة يعتبر هذا المصطلح ليس لإسقاط نعوت سلبية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي ولكن هذا المصطلح يحمل في طياته رحمة ورأفة بغير المسلمين ويؤكد على حق جميع المسلمين وغير المسلمين المواطنين بالمواطنة داخل المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية (د. فتحي الشقاقي 24/10/1994) إلى هنا

أكتفي بمقدمة لعرض فكر د. فتحي الشقاقي في مصطلحات الديمقراطية وسأتعرض إليها واحدة واحدة حسب مصطلحات الديمقراطية الإجرائية.

أ. سلطة الشعب:

سلطة الشعب هذا المفهوم يعتبر لدي الديموقراطية الإجرائية أنه سلطة الموظفين المنتخبين الذين هم مندوبين عن الشعب ولكنها لا تحدد لهم أي عقيدة يحكمون على أساسها كما تم إيضاح ذلك سابقاً.

أما نظرة د. فتحي الشقاقي لهذا المفهوم فيعتبر أنه من المسّلم به أن السيادة في التشريع هي لله ولكن يبقى للإنسان سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية والتفعيل والتقنين لمبادئها وقواعدها وأصولها والتفريع لكلياتها كما أن للإنسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي شريطة أن تظل السلطة البشرية محكومة في إطار فلسفة الإسلام في التشريع (د. فتحي الشقاقي 28/7/1995).

وأما حول الدستور الذي يتم على ضوئه التشريع فبدايةً يرى د. فتحي الشقاقي أن القرآن ليس كتاب قانون بالمعنى الدستوري ولكنه يتقدم كأساس يقدم الأسس والمبادئ التي يقوم عليها الدستور ولكن صياغة الدستور يعتبره شان من حق الأمة وبهذا الرأي يتقدم الدكتور د. فتحي الشقاقي إلى صدارة التيار المتقدم من التيارات الإسلامية فهو يعتبر أن الأهم هو احترام إرادة الأمة من خلال المرجعية الواحدة والدستور الذي قبلته بحريه (د. فتحي الشقاقي سبتمبر 1990) فهو يرى أن التشريع يجب أن يكون بيد الأمة ويمثلها وليس بيد الدولة وذلك بالطبع في ظل سيادة الشرع فالسيادة لله وللشريعة ولكن الأمة هي مصدر السلطات ولا يوجد نائب عن الله يحكم كما يشاء (نفس المصدر) وكذلك فإن سلطة الأمة هذه يرى أنها يمكن أن تكون عبر برلمان (نفس المصدر).

ب. سلطة القانون:

سلطة القانون في النظام الديمقراطي، مطلوبة لحماية المجتمع من تغول السلطة ومن ضياع الحقوق ويرى الثقافي أن الخليفة في النظام الإسلامي هو سلطة تنفيذية خاضع للقانون ومكلف بتنفيذ حكم القضاء وهو ليس بالمعصوم ولا مهبط الوحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة (د. فتحي الشقاقي 28/7/1995)

ت. التعددية:

التعددية المقصود بها في النظام الديمقراطي هو التعامل مع جميع الأطروحات والأفكار والأحزاب بشكل متساوي والتعامل بتسامح مع الآخرين، ومن هنا فقد كان خطاب د. فتحي الشقاقي متسلحاً ومعترفاً بالتعددية وهذا الاتجاه أثر على علاقة الجهاد الاسلامي والتي التزمت بخطة الفكري وما زالت الحركة تعمق هذا التوجه وتؤصل لذلك المشروعية السياسية والاجتماعية والدينية وما يزال يحكم خارطة التحالفات والعلاقات التي بنتها وتبناها (أبو طه 1998).

وقد طرحت حركة الجهاد الاسلامي التعددية داخل الإطار الإسلامي الواحد وتحديداً التعددية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي (نفس المصدر 1920).

كما أن قبول الحركة بالآخر وبشكل عملي كان ملموساً أكثر مما هو على الصعيد النظري فلم تجري مشاحنات بالقوى الأخرى بنفس الكثافة التي جرت بين الفصائل الفلسطينية الأخرى (البرغوثي 70.2000).

أما رأي د. فتحي الشقاقي في غير الاسلاميين فيرى أن على التيار القومي والديمقراطي، قراءة الحركة الإسلامية دون الإحالة على الخارج فالحركة الإسلامية مطالبة بنفس الشيء ومطالبة بإعادة تقييم بعض التجارب القومية والديمقراطية وتعميق تحالفاتها السياسية مع القوى الوطنية (د. فتحي الشقاقي 1994)، كما يرى أن التعدد هو الذي حفظ الإسلام وحفظ الأمة وهو الذي أعطى الحضارة الإسلامية القدرة على استيعاب الحضارات والأديان والقوميات (د. فتحي الشقاقي 6/10/1994).

ث. تبادل السلطة:

بداية تبادل السلطة يتم بطريقتين إما بانتهاء المدة القانونية للدورة البرلمانية أو عن طريق إسقاط الحكومة والنظام الديمقراطي يحدد المدة القانونية للسلطة التشريعية والتنفيذية فهي ليست سلطة مؤيدة واما إسقاط الحكومة ففي النظام الديمقراطي يتم بإرغام الحكومة على الاستقالة عن طريق الضغط الشعبي والمجتمع المدني أو عن طريق تصويت برلماني بإقرار قانون إسقاط الحكومة عبر سحب الثقة عنها وفي كل هذه الأحوال يحصل تبادل سلطة.

 

أما رأي د. فتحي الشقاقي في هذا الموضوع فهو يؤمن بتبادل السلطة في إطار اعتراف الجميع بمرجعية الأمة الواحدة والتي هي تحدد سلطتها (د. فتحي الشقاقي سبتمبر 1990) بل يرى أن من الواجب إسقاط الحكم أو الخليفة الذي يتسلط في الحكم فينقل عن القرطبي في تفسير "وشاورهم في الأمر" أن الشورى من قواعد الشريعة وغرائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه (د. فتحي الشقاقي 28/7/1995).

 

الموقف الأكثر تقدماً له هو قبوله بتداول السلطة مع من يدعون إلى استبدال الحدود بعقوبات مدنية بدلاً من الرجم والجلد إذا لم يستخدموا العنف ويحترموا إرادة الأمة بدون استخدام قوة أو إقصاء (د. فتحي الشقاقي سبتمبر 1990) ويرى أن هذا الكلام مبدئياً وليس تكتيكي وذلك حتى يدفع الإسلاميين للإبداع وعدم الجمود والركود (نفس المصدر)

ج. الحريات:

الحريات المطلوبة للديمقراطية الإجرائية هي حرية المعلومات والأحزاب والتعبير، هنا يربط د. فتحي الشقاقي فلسطين بوجود الحريات فهو يعتبر وجود الالتزام بفلسطين يمنح أكبر مشاركة شعبية على المستوى العربي والإسلامي والفلسطيني ويعتبر أن فلسطين ستبقى رمزاً دالاً على حريتنا أو عبوديتنا واستقلالنا أو تبعيتنا ونهضتنا وتخلفنا (د. فتحي الشقاقي 1994). وليس استخدام فلسطين والاسلام افرض الاستبداد والتبعية.

 

ويعتبر أن الإسلاميين هم المظلومون بعدم وجود الحريات السياسية وتشكيل الجمعيات والأحزاب ويرى أنه كما نطالب بحقنا في الممارسة السياسية بعيداً عن أي ضغط أو قمع يجب أن نحترم حق الآخرين في ذلك ضمن إطار احترام الأمة وموروثها ومقدساتها والدستور الذي ترتضيه (د. فتحي الشقاقي 24/10/1994).

ح. المجتمع المدني:

المجتمع المدني هو مجموعة المنظمات والجمعيات والنقابات التطوعية التي لا ترتبط بالدولة ولا تأخذ تمويلاً أو أنها تأخذ تمويلاً رمزياً بحيث تبقى مستقلة القرار ومنفلتة من تغول الدولة.

وأما رأي د. فتحي الشقاقي في ذلك فهو يرى أن الأمة الإسلامية امتلكت أعظم مجتمع مدني في التاريخ حيث يرى أن مؤسسة العلماء استطاعت أن تحمي المجتمع من تغول الدولة وأن تحفظ نسيجه متماسكاً من خلال تشرف على التشريع والقضاء والتعليم والوقف وعلاقات أوثق بالسوق (البازار)، بل كانت كمرشد الجيوش في الحرب الجند كانوا يتعلمون على أيدي العلماء بل كان المجتمع المدني الذي امتلكناه مستقلاً بيده أيضاً التعليم والصحة والوقف والمسجد (د. فتحي الشقاقي

28/10/1995)، كما يرى أن الإسلام حلَّ مشكلة تركيز القوة (power) عندما نزع من الدولة أنيابها والتي هي التشريع والتعليم والسوق ووضع ركيزة الوقف (نفس المصدر).

• خاتمة ال

انشر عبر