شريط الأخبار

قطر تفقد الارتفاع-نظرة عليا

11:26 - 24 تموز / أكتوبر 2013

قطر تفقد الارتفاع-نظرة عليا

بقلم: يوئيل جوجنسكي

(المضمون:في ضوء قدرات قطر الاقتصادية، سيكون من الصعب تجاهلا على مدى الزمن. ولكنا الضعف (المؤقت؟) للاسلام السياسي في المنطقة كفيل بان يجبر الامارة على التركيز في شؤونها الداخلية، تبني سياسة اكثر حذرا وانتظار الفرص - المصدر).

اصبحت قطر في السنوات الاخيرة دولة أساس في الشرق الاوسط وذات نفوذ واسع خارجه. كل هذا كفيل بان يتغير. فالقوة الاقتصادية الهائلة والاستعداد لاستخدامها لاغراض سلمية، اضافة الى ضعف عدة مراكز قوى اقليمية على خلفية الربيع العربي أبرزت السياسة الخارجية المميزة للامارة. فالسند الامني الامريكي يسمح

بالنشاط الدبلوماسي للامارة مع العلم بان أمنها محفوظ (قطر تستضيف قيادة المنطقة الامريكية الوسطى وعلى أرضها قاعدة سلاح الجو الامريكي الاكبر في الشرق الاوسط). ولكن قوة الامارة ليست غير محدودة. فالكثيرون غير راضين عن السياسة الخارجية "المغامرة" والفاعلة، إن لم نقل الانتهازية، لقطر في المنطقة.

سلسلة من التطورات الداخلية والخارجية كفيلة بان تؤثر سلبا على مكانة قطر. أولا، التغيير الشخصي في قطر. ففي حزيران الماضي وفي خطوة استثنائية نقل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم الى ابنه، الامير تميم، ابن الـ 33 سنة، فأصبح بذلك الزعيم الاصغر سنا في العالم العربي. وثمة مؤشرات على أن الامير الجديد سيسعى الى التركيز بالتدريج على الشؤون الداخلية ومشاريع التنمية تمهيدا لاستضافة كأس العالم بكرة القدم في 2022 – على حساب السياسة الخارجية المبذرة التي تبنتها الامارة وتحظى الان ببوادر انتقاد داخلي: هناك من يطلب في الامارات ان يستخدم الثراء الفاحش الذي يتمتعون به في تنمية "الطرق في الدوحة وليس في لبنان".

في السياسة الخارجية، تبينت بعض طموحات الامارة كفاشلة. فقبل بدء الحرب الاهلية في سوريا كانت قطر قريبة من النظام السوري. وبعد بدء الاحداث في اذار 2011 وانطلاقا من التفكير بان ايام هذا النظام معدودة، ادارت اسرة آل ثاني ظهرها لنظام الاقلية العربية وحلفائه، حزب الله وايران، وبدأت تدعم المعارضة. وأدى هذا الدعم القطري للمتطرفين من بين الثوار في سوريا (مثلما فعلت قبل ذلك في ليبيا الى اثارة الانتقاد والى الاضرار بعلاقات قطر ايضا مع الولايات المتحدة، التي تخشى، وعن حق من آثار تعزيز هذه المحافل. ومنذئذ، قلصت قطر جدا تدخلها في الازمة ودعمها للثوار بشكل عام وأصبحت جارتها الكبرى من الغرب، السعودية، الداعمة الاساسية لهم (مثلا، احمد جربة، المقرب من السعودية، عين مؤخرا رئيسا لائتلاف منظمات الثوار في سوريا بدلا من مصطفى صباغ، المقرب من قطر). كما أن ثمة انتقادا دوليا متصاعدا على الامارة بعد أن انكشفت شروط تشغيل العمال الاجانب في اراضيها (الناباليين والهنود اساسا) على خلفية أعمال التنمية تمهيدا لمباريات كرة القدم – 600 عامل

اجنبي يموتون كل سنة في الامارات. كما أن امكانية أن تنتقل المباريات الى الشتاء بسبب المناخ الشديد في اشهر الصيف في الخليج كفيلة بان تمس بمكانة الامارة، التي ترى اهمية لوقوع الحدث في موعده الاصلي. وعرضت قطر في السنة الاخيرة "خدماتها الطيبة" ايضا في الاستضافة والوساطة في المفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان. وهذه المفاوضات عالقة ايضا عقب اغلاق مكتب طالبان في الدوحة في وقت مبكر من هذه السنة، الامر الذي مس بمكانة الامارة وبقدرتها على الاستعانة بـ "خدماتها الطيبة" في المستقبل.

لاحظت قطر صعود الاسلام السياسي، في ظل استياء جاراتها العربيات في الخليج، وعلى عادتها حاولت أن تركب الموجة الاسلامية وترتبط بممثلتها الابرز – مصر مرسي. وكانت علاقات قطر ومصر عكرة على مدى السنين. وشهير في هذا السياق تعبير الرئيس المصري الاسبق مبارك الذي قال: "لماذا اولي اهتماما لبلد بعدد من السكان يمكن أن ينزلوا في فندق صغير في القاهرة؟"، ولكن حتى شهر العسل الذي استمر لسنة وميز علاقات قطر مع مصر في عهد الاخوان المسلمين قد انتهى.

مع سقوط مرسي خسرت قطر حليفا مركزيا (منحته نحو 8 مليار دولار بالقروض وبالمنح) وقدرة التأثير التي لا بأس بها التي كانت لها في القاهرة ومن خلالها على المنطقة. قطر، في محاولة لترميم العلاقات وان كان قليلا، حاولت، حتى الان دون نجاح أن تعرض نفسها بعد الانقلاب في مصر، كمن كانت دوما تدعم "الشعب المصري" وليس هذا الحكم أو ذاك".

ولم يتأثر الحكم المصري الجديد بهذه الاقوال وجمد المحادثات على استيراد الغاز الطبيعي من الامارة، اغلق فرع "الجزيرة" المحلي، حبس صحفيين عملوا في الشبكة، رفض طلب قطر تصعيد وتيرة الرحلات الجوية بين القاهرة والدوحة، بل واعاد على سبيل الاحتجاج منحة 2 مليار دولار اودعت في البنك المصري المركزي واعطيت للنظام السابق – دليل على عمق الروافد والعلاقات العكرة بين الدولتين. في نهاية ايلول

2013 أصدرت السلطات المصرية أمر اعتقال ضد الشيخ يوسف القرضاوي، الذي يسكن في قطر ويتماثل مع الاخوان المسلمين، للاشتباه بالتحريض على قتل الشرطة المصريين. وفقدت محطة التلفزيون القطرية عظيمة النفوذ، هي الاخرى بعضا من سمعتها التي كانت لها في اجزاء غير قليلة من العالم العربي، في ضوء تغطية الاحداث في مصر، التغطية التي لا تزال تتميز بخط انتقادي تجاه الحكم العسكري.

وكان لقطر تأثير ما في القدس ايضا التي حافظت على علاقات مفتوحة معها، مثابة تطبيع بحكم الامر الواقع، على مدى السنين. ولكن حملة الرصاص المصبوب في غزة في 2009 وعلاقات قطر مع محافل كايران وحماس (التي منحها الامير السابق شيكال بمبلغ 400 مليون دولار في اثناء زيارته العلنية التي "حطمت" الحصار الاسرائيلي على القطاع) أدت في النهاية الى قطع العلاقات بين الدولتين، العلاقات التي تباهت بها الدوحة وساهمت في كونها استثنائية في المشهد العربي. ورغم ذلك، لا تخفي قطر استعدادها لاقامة علاقات علنية مع اسرائيل شريطة أن "تثبت القدس جديتها في المسيرة السياسية"، شرط هو الحد الادنى للشروط التي يطرحها العالم العربي لاقامة علاقات علنية مع اسرائيل.

وبصفتها دولة صغيرة، على قطر ان تلاحظ السياقات والميول وان تستبق جيرانها الاكبر في التصدي لها، من أجل الدفع الى الامام باجندتها المميزة، التي تحركها مصلحة البقاء الصرفة. ومن غير المستبعد ان تكون الامارة الصغيرة قد وصلت الى استنفاد قوتها وحظيت برد فعل مضاد واسع للخط السياسي الذي تبنته. وستكون ملزمة بان تكيف سياستها الاقليمية بشكل عام، وتجاه مصر بشكل خاص، اذا كانت ترغب في أن تحافظ على مكانتها في العالم العربي وعلى مدى نفوذها. وطالما كان النظام في مصر لا يقف على قدميه فيحتمل أن يجد صعوبة في ان يدير ظهره تماما الى المساعدة القطرية. ولكن اذا ما وعندما يستقر الوضع في مصر دون أن يحدث تغيير في العلاقات بين الدولتين، سيفضل نظام الجنرالات المصري المساعدة السخية الذي سارع الى عرضها جيران قطر، الدول المصدرة للنفط، السعودية، اتحاد الامارات والكويت.

حتى بداية الاحداث في سوريا، تميزت السياسة الخارجية القطرية بالحفاظ على معظم الابواب مفتوحة، واقامة علاقات مع عموم الجهاد في الشرق الاوسط مثابة "بوليصة تأمين" ضد القوى المتطرفة في المنطقة. وكانت عملية ابداء سياسة مستقلة في علاقة معاكسة مع الحجم الجغرافي لقطر ونبعت من رغبتها في تعظيم اهميتها الاقليمية وحماية المقدرات الطبيعية التي وهبت بها.

ان الامارة التي تعد نحو 300 الف مواطن (اضافة الى اكثر من مليون عامل اجنبي)، لعبت في السنوات الاخيرة في ملعب الكبار وسارت مسافة ابعد مما ينبغي. في ضوء قدراتها الاقتصادية، سيكون من الصعب تجاهلا على مدى الزمن. ولكنا الضعف (المؤقت؟) للاسلام السياسي في المنطقة كفيل بان يجبر الامارة على التركيز في شؤونها الداخلية، تبني سياسة اكثر حذرا وانتظار الفرص. وبالفعل، فان اول زيارة لتميم خارج الامارة كانت للسعودية مما يدل ربما على محاولة لتخفيف حدة التوتر مع الرياض بل وربما تبني سياسة خارجية اكثر انضباطا.

انشر عبر