شريط الأخبار

هجوم لُطف ايران الأول..بقلم: دوري غولد..إٍسرائيل اليوم

10:47 - 11 تموز / أكتوبر 2013

    (المضمون: استطاع الخميني في بداية الثورة الايرانية أن يخدع الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة عن نواياه الحقيقية وكان لذلك آثار خطيرة ما زالت موجودة الى اليوم، فهل يستطيع الايرانيون اليوم بتلطفهم ونعومتهم أن يخدعوا الغرب كما خدعوه في ذلك الوقت؟ - المصدر).

 

          لم تكن زيارة رئيس ايران حسن روحاني منذ وقت غير بعيد للامم المتحدة هي الواقعة الاولى التي نجحت فيها جهات ايرانية رفيعة المستوى في تضليل الغرب ولا سيما الصحافة ووسائل الاعلام. ففي 1979 قبل أن يهبط آية الله روح الله الخميني في طهران بوقت قصير حصد نجاحا في حملة خداع اعلامية نفذت من المكان الذي كان جاليا فيه في ضواحي باريس باخفائه نواياه الحقيقية المتعلقة بخططه في المستقبل لفترة حكمه لايران.

 

          أوصت لجنة مستشارين بالامتناع عن مهاجمة الولايات المتحدة علنا أو الكلام اعتراضا على حقوق النساء. وأرسل ممثله الشخصي ابراهيم يزدي، وهو ذو جنسية امريكية عُين بعد ذلك وزير الخارجية الايراني للقاء موظفين امريكيين في واشنطن واكاديميين ذوي تأثير ايضا. وكان ذلك هجوم لُطف ايران الأول.

 

          وكانت نتائج الحملة الدعائية مدهشة جدا. فقد نشر البروفيسور ريتشارد بيلك من جامعة برينستون مقالة في صحيفة "نيويورك تايمز" عنوانها: "تنبغي الثقة بالخميني"، ووصف فيها مستشاري الخميني بأنهم "معتدلون" بل إنهم "تقدميون"، ولم يكتفِ بيلك بذلك وزعم أن "اولئك المستشارين يُبدون اهتماما كبيرا بموضوع حقوق الانسان".

 

          وكان عند الخبراء الامريكيين بشؤون ايران في ذلك الوقت معلومات قليلة فقط عن خلفية الخميني واعتمدوا في الأساس على معلومات نقلها مؤيدوه إليهم. وكان الشاذ عن هذه المجموعة هو البروفيسور برنارد لويس الذي خدم في وحدة استخبارات الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية.

 

          استعان البروفيسور لويس الذي أصبح واحدا من أكثر المؤرخين تأثيرا في بحوث الشرق الاوسط في جامعات الولايات المتحدة وبريطانيا، إستعان بأحد مساعديه الذي وجد في مكتبة جامعة برينستون كتابا كتبه الخميني فيه محاضرات باللغة العربية حاضر بها في سنة 1970 حينما كان جاليا في المدينة المقدسة للشيعة "النجف"، في العراق. وكان اسم الكتاب "الحكومة الاسلامية".

 

          لم تعلم وكالة الاستخبارات المركزية وجهات اخرى ايضا في الادارة الامريكية كما يبدو بوجود الكتاب بتاتا. وبحث البروفيسور لويس بحثا عميقا في مضمونه ومواقفه المتطرفة وأدى المعلومات الى "واشنطن بوست". وتبين أن الخميني دعا الى "جهاد مسلح"، وتبين من كلامه رغبة في أن تكون ايران رأس حربة العالم الاسلامي. وكان الكتاب في جوهره معاديا للسامية وزعم أن اليهود يطمحون الى السيطرة على العالم كله.

 

          وُجد اكاديميون امريكيون تأثروا برجال الخميني وزعموا أن الاقتباسات التي جاء بها لويس "أُخرجت عن سياقها". ورفض هنري بريخت رئيس ملف ايران في وزارة الخارجية الامريكية في ذلك الوقت استنتاجات لويس تماما. وبالغ حينما زعم أن الكتاب الذي وجده لويس كان مزورا وانتقد صحيفة "واشنطن بوست" لنشرها قطعا من الكتاب. وقال بريخت الذي اجتمع بمبعوث من الخميني في أحاديث داخلية في واشنطن إن الحكومة التي سينشؤها الخميني بعد سقوط الشاه ستفضي بايران الى فترة استقرار.

 

       السلطة العنيفة

 

          بعد ذلك بسنوات اعترف الخميني بأنه استعمل طرق خداع تقليدية وتناول خاصة الـ "خدعة" التي تعني كما يقول أمير طاهري كاتب السيرة الذاتية للخميني: "تضليل العدو بحيث لا يفهم الموقف الحقيقي (لعدوه)". وهذا ما كان.

 

          في سنة 1978 قال الخميني للصحيفة البريطانيا "غارديان" إنه غير معني "بتولي السلطة". واعتقد محللون كثيرون أنه ينوي أن يعتزل الى معهد ديني في مدينة قُم بعد عودته الى ايران. وأرسل وليام سليفان سفير الولايات المتحدة في طهران برقية في 1978، قدّر فيها أن الخميني سيؤدي دورا "يشبه دور غاندي".

 

          كان الواقع الفعلي بعد أن وصل الخميني الى ايران مختلفا تماما عن توقعات الخبراء الغربيين. فقد أمرت المحاكم الثورية باعتقال تعسفي واعدام لكل انسان كان مشتبها فيه بمعارضة الحكومة الجديدة. وأعدمت صفوف مطلقي نار مئات. ولم يعتزل بالطبع الى مدينة قُم بل أسس نظرية دينية معروفة باسم "ولاية الفقيه" أصبح بحسبها مصدر السلطة العليا في ايران.

 

          ودعا الدستور الذي أرساه الخميني في مجال السياسة الخارجية الى "استمرار الثورة في الداخل والخارج". وبعد شهر من اعلان أن ايران جمهورية اسلامية في سنة 1979 أسس حرس الثورة الذي كان يرمي الى حماية النظام من تهديدات داخلية، وليشارك في تصدير الثورة الاسلامية بواسطة ضعضعة الاستقرار الداخلي في الدول العربية. وأصبحت حليفات الولايات المتحدة في العالم العربي سريعا هدفا كما حدث في الهبة الشيعية التي نشبت بدعم ايراني في السنتين 1979 – 1980 في المنطقة الشرقية من السعودية.

 

       الثورة لم تنته

 

          يشجع الايرانيون اليوم الثورات الشيعية في البحرين والعراق ايضا. وأقاموا جنودا أرسلوهم من حرس الثورة في شرق لبنان حيث يخضعون لامرة أناس حزب الله بعد انشاء المنظمة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ونجحت ايران في 1982 في استعادة كل الاراضي التي احتلها العراق في الحرب التي قام بها في 1980، لكن الخميني لم يقف هنا واستمر  في الحرب ست سنوات اخرى. ووسع الايرانيون ساحة القتال لتشمل مياه الخليج الفارسي حينما هاجموا حاملات نفط الدول العربية. وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت قوات من حرس الثورة موضوعة في السودان ايضا حيث بحثت ايران عن مكان لوجود قوة بحرية في البحر الاحمر.

 

          لم يُقدر الخبراء بالشرق الاوسط في الادارة الامريكية في 1979 تقديرا صحيحا معنى تولي الخميني للحكم فيما يتعلق بمستقبل المنطقة. وقد ضُللوا وآمنوا بأن ايران بعد سقوط الشاه ستتبنى توجها معتدلا. وكانت تأثيرات هذا التقدير الخاطيء مأساوية.

 

          كان نجاح هجوم اللطف الايراني الاول متعلقا بعاملين وهما: ايرانيون قديرون عرفوا كيف يديرون معركة خداع مُحكمة، ومحللون ساذجون في الغرب. فينبغي أن نأمل في هذه المرة حينما أصبح روحاني يستعمل هجوم لطف آخر ألا يفضي هذا الجمع الخطير مرة اخرى بالولايات المتحدة وحليفاتها الى الأخطاء نفسها فيما يتعلق بفهم أسرار المقاصد الايرانية الحقيقية كما حدث في بداية حكم الخميني.

 


انشر عبر