شريط الأخبار

موت التكافل- يديعوت

12:36 - 06 تموز / أكتوبر 2013

الحديث الى الحائط

بقلم: ايتان هابر

 (المضمون: مئات الملايين، من الصين حتى السودان، يكافحون في سبيل لقمة العيش، وقطرة الماء. الناس يموتون كالذباب والعالم لا يكترث. لا تزعجوه في أن يدير حباته الطيبة او يكافح في سبيل حياته الصعبة. اليوم كل واحد لنفسه - المصدر).

الكلمات التالية ستكون حزينة، بل وباعثة على الاكتئاب، بضع دقائق من حساب النفس الخاص والوطني: وهي ترمي الى أن نقول ان اليوم، 6 اكتوبر 2013 يكاد لا يكون هناك مجال في عالمنا السياسي – الامني – الاقتصادي للعدل، للرحمة، للتفهم.

ليس من قبيل السياسة السليمة كتابة مثل هذه الكلمات، ولكن هذه هي الحقيقة بعينها: العالم هو اليوم متوحش، بارد ومغترب. الدولة لا تهتم الا بنفسها. الانسان لا يهتم الا بنفسه. دروس الكارثة من القرن السابق لا تهم معظم الزعماء ومواطنيهم الذين ولدوا بعدها. العالم يدير الرأس كي لا يرى مشاهد الفظاعة. كما أنه يسكت. نحن نعيش في غابة عالمية لا ينتصر فيها الا من يبقى على قيد الحياة. يوجد في هذه الغابة الكثير من الاشخاص الذين يبرز العدل من عيونهم ولكن عيونهم ميتة.

وهاكم تفكير اسرائيلي عادي الاسبوع الماضي: يقف رئيس وزراء اسرائيلي على المنصة المحترمة للامم المتحدة ويقول امورا صحيحة. تكاد تكون كل كلمة تخرج من فمه، هذه المرة، اقوالا حقيقية تترافق ومخاوف جسيمة. لديه، كرئيس وزراء، ما ومن يخافه. والعالم، بالتأكيد الامم المتحدة، يمر مرور الكرام بنبرة "لا تشوشوا لنا عقولنا".

رئيس الوزراء في اسرائيل مسؤول عن أمن 8 مليون مواطن في الدولة. وقد كانت لي يد في النار التي كانت تقض مضاجع كل رؤساء الوزراء في اسرائيل على اجيالهم، إذ هم وحدهم يعرفون كم هو وحشي الخط الفاصل بين الحياة والموت في هذه الدولة، بين وجودها وعدمه. رئيس الوزراء الاسرائيلي يرى نفسه كالاب المسؤول عن كل شعرة من شعر رأس مواطني الدولة، وبالتأكيد جنود الجيش الاسرائيلي ومجنداته.

وهاكم اعتراف شخصي صغير: مرة، مرتين وثلاث مرات، في عملي في مكتب وزير الدفاع، فوجئت في أن جنودا ومجندات يسيرون في الشارع او يخدمون في وحداتهم ورأيت نفسي مسؤولا – ربما بغير حق – عن شعرة واحدة، شعرة واحدة فقط، من مئات الاف الشعرات لكل جندي. درجت على أن انظر اليهم (وعلى شعرهم) والا أنام جيدا في الليل. وحمدلله اني لم اكن وزيرا.

وبالفعل، يخطب رئيس الوزراء على منصة الامم المتحدة، ومن جهة العالم يمكنه في ذات اللحظات ايضا أن ينشد "مرسيلييز" او  شيء من "بينك بلويد"، او أن يلعب الطاولة أو الشطرنج، أو مجرد ينبح. العالم "لا يبصق" نحوه، لا يهمه ما يقوله رئيس الوزراء وبالاساس لا يكترث به.

السيد نيقولو مكفيلي، السياسي، الدبلوماسي و "الحزبي" (1469 – 1527)، كان يمكنه أن "يعيش حياة مجنونة" لو كان يعيش في زمننا. مكفيلي، لمن لا يعرف أو نسي، كان الرجل الذي خلف فكرة أنه يجب عمل كل شيء كفيل بان يحقق منفعة للحكم وللدولة، حتى عندما يكون هذا الشيء يتعارض والمبادىء، القيم الاخلاقية، وكل شيء. "المكفيلية" معناها، في عصرنا أيضا، تقديس كل الوسائل من أجل الغاية، الانانية، التهكم – وماذا لا. "هل من الافضل ان يحبوك أو يخافوك؟" سأل مكفيلي. "الجواب هو كلاهما مرغوبان، ولكن اذا كان ينبغي التخلي عن واحد منهما، فأكثر أمنا ان يخافوك".

مئات الملايين اليوم، من الصين حتى السودان، يكافحون في سبيل لقمة العيش، وقطرة الماء. الناس يموتون كالذباب (في نهاية هذا الاسبوع فقط، مئات اللاجئين غرقوا أمام جزيرة لمبزودا)، والعالم لا يكترث ويواصل الى الامام. لا تزعجوه في أن يعيش حياته الطيبة أو يكافح في سبيل حياته القاسية.

لا ريب: تحطم تماما، وربما اختفى، احساس التكافل الذي ان تشعر به ذات مرة اجزاء واسعة من بلدان المعمورة. "التحالف" ستبقى على ما يبدو كلمة ميتة في القاموس الدولي. يخيل أنه يكاد لا يكون هناك أي احتمال اليوم ان تنضم دول عديدة تحت علم واحد كي تقف أمام عدو مشترك، مثلما حصل، مثلا، في الحرب العالمية الثانية. اليوم كل واحد وواحدة لنفسه.

وعليه، يمكن لرئيس الوزراء الاسرائيلي، اي رئيس وزراء، ان يقف في الامم المتحدة ويصرخ بمرارة ويحذر من النووي الايراني الذي يمكنه أن يمس بشدة بدولة هي "دولة قنبلة واحدة" – وهو يتحدث الى الحائط. الكل في نهاية الخطاب يركض نحو الكافتيريا لاختيار القهوة والساندويش المحببين له. في نفس الوقت يغرق في الموت مئات اللاجئين. الالاف يجدون موتهم في حروب زائدة؟ مئات الالاف يعيشون خطر الموت؟ "اوي"، يتنهدون في العالم، "كم هم مساكين". في تلك اللحظة بالذات انتهى ورق المحارم لرؤساء الدول، ولم يعد بوسعهم ان يمسحوا دموعهم.

انشر عبر