شريط الأخبار

لا أريد أن نتجرَّع الوهم..علي عقلة عرسان

05:14 - 24 كانون أول / سبتمبر 2013


                            علي عقلة عرسان

 

واهمون ويجرعون الناس الوهم، واهمون ولا يستعيدون التاريخ القريب وما فيه من دروس وعبر، واهمون أولئك الذين يتحدثون عن أن موافقة سورية على نزع سلاحها الكيمياوي الذي عملت على إنتاجه منذ أربعين سنة في سعي منها لتحقيق توازن استراتيجي من نوع ما مع الكيان الصهيوني ذي الترسانة الضخمة من أسلحة الدمار الشامل.. واهمون إذ يتحدثون عن أن ذلك الفعل السوري الذي أبعد شبح العدوان الأميركي المدمر هو بمثابة إلقاء القفاز بوجه المجتمع الدولي بتحدٍ مرتفع النبرة، لكي يتجرأ ذاك المجتمع على إجبار " إسرائيل" على نزع سلاحها النووي والكيمياوي والجرثومي تنفيذاً لقرارات ومطالبات ورغبات من شعوبها وحكوماتها بأن تكون منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.؟! واهمون ويجرعون غيرهم الوهم، بل ويحرثون في البحر ويستثمرون في الخرافة ويزينونها لمن يحب أن " يأكل الجوز الفارغ" على رأي المثل.. ذلك لأن المجتمع الدولي الذي يتحدثون عنه يحمي "إسرائيل" وأسلحة الدمار الشامل التي تملكها ويشجعها على العدوان والاستيطان، ويزودها بكل الأبحاث العلمية التي تمكنها من تطوير ترسانتها النووية وغير النووية، ويريد أن يجرد الآخرين، من عرب ومسلمين على الخصوص، من مجرد التفكير والحلم بأن يملكوا سلاحاً من هذا النوع أو ذاك يحميهم من شرورها، أو بأن تتخلى إسرائيل عن أسلحتها الفتاكة تلك. وهم إذ يحتجون بأن روسيا الاتحادية التي قدمت مبادرة نزع السلاح الكيمياوي السوري بالاتفاق مع دمشق لتفادي العدوان الأميركي وما يرافقه من مخططات لتدمير الدولة السورية ونشر الفوضى وتعاون المعارضة المسلحة مع المهتدين للسيطرة على الوضع، في حركة شبيهة بما حصل في طرابلس الغرب يوم ضربها الغرب ليفتح باب العزيزية وسواه أمام المتمردين على القذافي، ولكن بقوة أشد وتخطيط أشمل وشراكات أوسع ووفق سيناريو أكثر نضجاً من السيناريو الليبي.. روسيا الاتحادية لم تعقد صفقة وقد تكون وعدت بطرح موضوع السلاح النووي الإسرائيلي، وقد أشار الرئيس بوتين إلى شيئ من ذلك، لكنها لم تتعهد بذلك، ولا تستطيع أن تفرض هذا المطلب العادل حتى لو سعت من أجل تحقيقه ديبلوماسياً وهي التي تشكو من ابتزاز الولايات المتحدة لها بشأن القرار الدولي المتعلق بالأسلحة الكيمياوية السورية.. إنه لن يستطيع لأن "إسرائيل الصهيونية" المدللة ولاية أميركية، وهي محمية غربية عنصرية فوق القانون والمساءلة، وفيها أكثر من مليون مهاجر من أصول روسية لم يفقدوا جذورهم في المجتمع الروسي ومن ثم تأثيرهم، ولأن مجرمي العالم الاستعماري وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وحلفائهم ومن يسير في ركبهم لن يتخلوا عن إسرائيل ولا عن دعمها ومناصرتها والنظر إليها بوصفها عضواً في النادي النووي الغربي الذي يعمل على تجريد الآخرين من الأسلحة المحرمة دولياً ويلاحقهم بالعدوان والحصار والتهديد متذرعاً بها، بل ويفتري افتراءات مكشوفة ويصنِّع حوادث لكي يستغلها تنفيذاً لأغراضه وخططه واستراتيجياته وحماية لمصالحه، ويقوم في الوقت ذاته بمراكمة مخزونه النووي وغير النوويي ويطور الأسلحة الفتاكة المحرمة دولياً التي يزعم أنه يريد أن يخلص العالم من خطرها؟! وقد أحبط ذلك المجتمع المنافق ذي المعايير المزدوجة عدة محاولات بل وأجهض أكثر من مشروع لجعل منطقة " الشرق الأوسط" خالية من أسلحة الدمار الشامل.. وقبل أيام قليلة في 22 أيلول 2013 وبعد قبول سورية بتدمير سلاحها الكيمياوي وانضمامها للمنظمة الدولية المعنية بعدم إنتاج أو تخزين الأسلحة الكيمياوية صوتت 51 دولة عضو في وكالة الطاقة الذرية في فيينا ضد مشروع قرار يطالب إسرائيل بالانضمام للوكالة وجعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل مقابل تأييد 43 دولة للمشروع. وقال دبلوماسي غربي معبراً عن رأي فريقه الأوروبي ورؤيته: "إن دولاً عربية حاولت أن تختص إسرائيل دون غيرها بالانتقادات بسبب ترسانتها النووية المفترضة"؟! ولا حظوا كلمات: " دون غيرها، والمفترضة؟" وكأن في المنطقة من يملك أسلحة نووية غير إسرائيل التي تمتلك الترسانة النووية الوحيدة فيها، وكأن السيد فعنونو على الأقل لا وجود له وهو الذي سرب أسرار مفاعل ديمونة بعد عقود من العمل فيه، وغير ديمونة من المفاعلات النووية للأغراض العسكرية موجود؟! أما تعليق ممثل دولة الإرهاب الأولى في العالم فكان  مثل العادة منذ عقود من الزمن يردد: " إن مساعي الدول العربية من شأنها أن تضر بالجهود الدبلوماسية الأوسع نطاقاً والرامية إلى إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل"؟!. إما الصبي المدلل إسرائيل فقال: "إن هذه المساعي ستوجه «ضربة خطيرة» إلى أية محاولة لإجراء محادثات أمنية إقليميـــة."!! وكأن إمبراطور الإرهاب الدولي وقرصانُه القزم القذر قدما شيئاً ايجابياً لأمن المنطقة وللسلام فيها، وللقضية المعضلة الأساس لكل مشكلاتها "قضية الشعب الفلسطيني"  المنتهكة حقوقه والمشرد عن وطنه منذ نيف وستتة وستين عاماً.؟!

لقد سُحبت الورقة السورية الكيمياوية من التداول، وكانت/ وكان يمكن، أن تكون ورقة ذات قيمة للمقايضة والضغط في مجال جعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وما زالت الذرائع تتالى مؤكدة على "التهديد النووي الإيراني للعالم" حيث تسوغ العدوان عليها والمطالبة بتدمير ما تملكه إيران من مفاعلات نووية للأغراض السلمية، على الرغم من أنها لا تملك سلاحاً نووياً واحداً، وقالت وتقول إنها لا تتجه نحو امتلاك أسلحة من هذا النوع لأسباب كثيرة على رأسها أسباب دينية فالإسلام لا يسمح لها بامتلاك أسلحة دمار شامل تلحق موتاً بالحياة والأحياء.. لكن من يقنع " إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية بغير العدوان سبيلاً للفهم وحسم الأمور، وهما اللتان مارستا ذلك العدوان وتمارسانه حتى غدى طبيعة أو بالأحرى خير معبِّر عن طبيعة عنصرية شريرة تهدد السلام والأمن الدوليين والقيم الخيرة في العالم؟! ومن الطريف في بابه في منطقتنا أن " إسرائيل التي تملك ما يقدر بـ 200 إلى 400 رأس نووي تشكو من التهديد النووي وتعلن أنها ستقوم بالهجوم على أية دولة تفكر بامتلاك طاقة نووية للأغراض السلمية؟! ونحن نذكر ما فعلته عام 1981 في مفاعل تموز في العراق، ونذكر تدميرها لمنشآت في سورية بالذريعة ذاتها، وشنها أكثر من غارة جوية على مواقع سورية في أثناء الأزمة السورية الحالية بذريعة الأسلحة الكيمياوية السورية؟! ويتم كل ذلك العدوان السافر تحت سمع العالم وبصره، من دون أن تُرفع شكوى جدية ذات مصداقية وجدوى ضد هذا الكيان العدواني القذر حتى من المعتدَى عليهم، لأن " المجتمع الدولي" يرفض ذلك؟! وما المجتمع الدولي سوى الولايات المتحدة الأميركية، وما الولايات المتحدة الأميركية في هذا الملف سوى إيباك الصهيوني الذي يسير الكثيرين من أعضاء مجلسي الكونغرس ومن ثم يتولى فعلياً ملف سياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.!؟ 

لن تنضم إسرائيل لوكالة الطاقة الذرية ولا للوكالة الدولية المعنية بالأسلحة الكيمياوية، ولن تدمر مخزونها من أسلحة الدمار الشامل، ولن تخوض روسيا الاتحادية صراع مصير من أجل ذلك وهي الدولة التي سلمت للولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات وسنوات مفاتيح " حل أو تصفية" قضية فلسطين، ولم تمارس دوراً مزعجاً لأي من إسرائيل وحلفائها الغربيين من خلال الرباعية الدولية ولا في مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص، أو بسبب الحصار والعدوان على غزة ولبنان، ولا من أجل تنفيذ القرار 242 لعام 1967 الذ يتوه ويتوه في أروقة الأمم المتحدة منذ 46 عاماً.. إن روسيا الاتحادية لم تفعل، ولن تفعل ذلك لا لأنها لا تريد، ولا لأنها ضد العرب أو مع العدوان والاستيطان الإسرائيليين والغطرسة الأميركية، بل لأنها تدرك أن الغرب الاستعماري وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية يريد لإسرائيل أن تسمن وتهيمن وتبقى خارج حدود المساءلة وتطبيق القانون الدولي وحتى القانون الدولي الإنساني.. ولأن أكثر العرب يضعون " 99%" من أوراق حل قضيتهم المركزية، فضية فلسطين، بيد الأميركيين كما قال السادات وتبعه آخرون ومنهم فلسطينيون أخرجوا القضية من دائرة الأمم المتحدة وقراراتها وقانونها لتبقى بيد ايباك ومن يسيرهم ويسيطر عليهم إيباك.. وما إيباك إلا رأس الأفعى الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية التي تلف ذنبها في اتجاهات كثيرة حول العالم.

   إنني لا أبذر اليأس في نفوس تتطلع في خضم المحنة والظلام الدامس إلى شعاع من نور يفتح في ظلمائها كوى الأمل، ولا أريد أن أنال من اجتهاد محللين وأصحاب رأي وميسري معلومات تبنى عليها بنايات.. بل أريد أن أنبه إلى خطورة انتشار عناكب الوهم السامة وما تبنيه من خيوط على الأنفس حتى لتكاد تعشي الأبصار وتكاد تعشي البصائر.. وأريد أن نكون بعد الذي كان وجرى وما زال يجري أكثر واقعية وأكثر معرفة بماهية الكيان الصهيوني العنصري واستراتيجياته واستراتيجيات حلفائه، وأن نبني في ضوء ذلك وعلى هدي منه سياية ورؤية وقوة شاملة تمكننا من حماية وجودنا، وتعزيز مقاومتنا التي يجب أن تستمر وتنمو، وقدراتنا على المواجهة وعلى سلوك طرق سياسية واقتصادية وثقافية ومعرفية وتقنية.. إلخ تجعلنا نملك القوة أو على الأقل أوراقاً قوية في عالم لا يفهم سوى لغة القوة والمصلحة ولا يتعامل إلا بهما، وكل ذلك لكي نستعيد أرضاً مغتصبة منذ عقود، ونحمي مصالح مستباحة أو مهدَرة، وهوية يجار عليها وتشوه ويشكك بها وبمقوماتها وقيمها وحضورها الفاعل وأهميتها لكل إنسان حي، ونصون كرامة صارت في الوحل، ونحقن دمنا الذي يراق بعبثية جنونية من دون أن ندرك أننا الضحية وأداة الجلاد ومتعة العدو ومن يسحبهم العدو وراءه كما يسحب الضبع فريسته، وأننا الخاسر في هذا المعترك حتى لو تجرعنا " وهم الانتصار"؟! فأي انتصار على الذات في معرض تمسكها بالوجود والحق وسعيها للحرية والكرامة والعيش الآمن في أرض الآباء والأجداد، أرض الرسالات الإلهية، أرض الأبجدية الأولى والحضارة الأولى والعيش المشترك الكريم. أي انتصار لها أو عليها بقتلها؟! ألا إنني بشمت من الوهم والدم، وأتوجه إلى نوع من الخلاص الحق برؤية الواقع رؤية موضوعية بحق، وأتطلع إلى أن أفعل ذلك مع كل من يريد أن يفعله بمسؤولية وعقلانية وصدق.

والله من وراء القصد.

دمشق في 24/9/2013

                                          علي عقلة عرسان 

انشر عبر