شريط الأخبار

اضطراب الواقع واحتدام السجال الإسرائيلي حول المستقبل

02:43 - 23 تشرين أول / سبتمبر 2013

تقديم وترجمة حلمي موسى ـ السفير ـ

يعجب كل من يتابع السجال السياسي في إسرائيل من حدة التناقض ليس في قراءة معطيات الواقع وإنما في استشراف عواقبها واتجاهاتها. وتقريبا لا يختلف اثنان في الدولة العبرية حول اتساع الفجوة، على صعيد ميزان القوى العسكري والاقتصادي والعلمي، بين إسرائيل والدول العربية. فالأولى تعيش حالة استقرار وازدهار فيما الدول العربية تعيش حالة اضطراب وتناحر وتراجع على الصعد الاقتصادية والتراص الوطني. ورغم ذلك ثمة من يرى أن ما يجري يفتح الآفاق أمام مواصلة طريق التشدد وعدم التنازل في المفاوضات مقابل من يستشعرون الخطر الشديد مما يجري.

ووفرت فرصة تقارب مناسبتي الذكرى الأربعين لحرب تشرين العام 1973 والذكرى العشرين لاتفاقيات أوسلو العام 1993 لتأكيد الاختلاف بين النظرتين. واحدة تحذر من «حالة العمى» الناجمة عن سكرة القوة التي أعقبت حرب العام 1967 والتي قادت إلى حرب 1973 التي وضعت إسرائيل أمام خطر الفناء الوجودي وجها لوجه، والثانية تحذر من أن موت فكرة حل الدولتين يفتح الطريق أمام الحفاظ على «أرض إسرائيل».

وفي كل الأحوال فإن «العمى» الذي أصاب إسرائيل في سنوات ما بين 1967 و1973 هو ما يحذر منه أنصار التسوية الآن الذين يجزمون أن الواقع مضلل وأن فرص البقاء في عالم متغير ليست مضمونة. ويشير بعض هؤلاء بوضوح إلى أن عناد إسرائيل واستمرارها في الابتعاد عن تلبية مطالب الأسرة الدولية بحل المسألة الفلسطينية على أساس حل الدولتين يقود ليس فقط إلى عزلة إسرائيل عالميا وإنما أيضا إلى حل الدولة الواحدة الذي ينطوي على خطر تبديد الهوية اليهودية. وإذا لم يكن هذا كافيا فإن معلقين يرون ما ينطوي على تناقض بالغ الأهمية بين ارتفاع قدر إسرائيل الإقليمي من خلال ضعف أعدائها، ولو مرحليا، وتراجع مكانة أميركا العالمية وما يعنيه من مخاطر على إسرائيل.

ومثلا كتب رئيس مؤتمر الليكود ونائب وزير الدفاع الإسرائيلي داني دانون في «نيويورك تايمز» مؤخرا داعيا إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو لأنها «جعلت السلام الحقيقي يبدو اليوم أبعد مما كان قبل انكشاف العالم على المحادثات السرية في أوسلو». وأعلن أن على حكومة إسرائيل «أن تقر بأننا اقترفنا خطأ وأن تعلن عن فشل عملية أوسلو». وعرض حل «الثلاث دول» بدل حل الدولتين بحيث يبقى الفلسطينيون في الضفة تحت حكم ذاتي مع ارتباط بالأردن، وكذا الحال مع القطاع مع ارتباط بمصر.

وفي المقابل، كتب يوسي بيلين في «هآرتس» انه «كان يتعين على نجاح اتفاق اوسلو ان يقاس بالتوقيع على اتفاق دائم في غضون الفترة الزمنية التي قررناها. وحقيقة أنه بعد عشرين سنة لم يوقع الاتفاق فاننا نقف امام الرافعات وليس امام المبنى الكامل، هي حقيقة مخيبة للآمال. اذا لم يكن ممكنا في الاشهر القادمة الوصول الى اتفاق دائم او حتى الى اتفاق جزئي في الطريق الى اتفاق دائم، فان الفلسطينيين كفيلون بان يحلوا السلطة التي ولدت في اوسلو ويعيدوا الينا المفاتيح ويرتبطوا باليمين الاسرائيلي الذي يقترح علينا اليوم دولة واحدة.

صحيح أن القيادة الإسرائيلية الحالية، وهي بين الأشد تطرفا في تاريخ الدولة العبرية، تكثر من الحديث عن القدرة على حماية نفسها بنفسها وعلى المدى البعيد، إلا أنها تدرك أن قدرات الدولة العبرية ليست لا نهائية. والأهم من ذلك أن هذه القدرات ستغدو أقل بكثير في ظل أي عزلة دولية أو حتى في ظل غياب الرعاية الأميركية أمام العالم.

وهكذا امام التغييرات السريعة في المنطقة والعالم في العام الأخير، خصوصا إزاء ما تعتبره إسرائيل الخطر الأهم سواء على حدودها الشمالـية مع سوريا أم الخطر النووي الإيراني تبدو أشد ارتباكا. فالتوقعات السريعة بشأن انهيار «محور الشر» الذي مركزه سوريا وامتــداداته في لبنان وإيران خــابت كثــيرا. كما أن الفرحة الموقتة باحتمالات تفكيك السلاح الكيماوي السوري أخلت مكانها لنوع من القلق بسبب الموقف الروسي. ولا تخفي إسرائيل خيبتها من تعامل أميركا مع المشروع النووي الإيراني خصوصا بعد الغزل البادي مع الرئيس حسن روحاني.

ومن الجائز أن بين من أعربوا عن ذلك أكثر من غيرهم مدير عام ديوان اسحق رابين سابقا، الصحافي إيتان هابر في مقالته في «يديعوت» بعنوان: «في النهاية سنبقى لوحدنا». فقد اعتبر أن أميركا «تغادرنا - الشرق الاوسط بشكل عام واسرائيل بشكل خاص. هذا ليس مسألة اسبوع، شهر وحتى سنة. هذه مسيرة ستستمر لزمن آخر، وفي نهايتها سنبقى هنا، في الشرق الاوسط، وحدنا. نحن قبالة كل البلدان العربية في الدائرة الاولى، القريبة، وفي الدائرة الثانية، الابعد، واذا كان ممكنا أن نقول بالرقة اللازمة: الدائرة الاكثر اخافة، التي تضم مليارا وربع مليار مسلم يعيشون اليوم». وشدد على أن النقطة المركزية هي بدء تخلي أميركا عن دورها كـ«شرطي العالم».

ولكن إذا كان هابر قد لجأ إلى التحذير، فقد تقدم البعض وخاصة في صحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من حكومة نتنياهو لتقديم التقرير. وهكذا كتب حاييم شاين تحت عنوان: «فشل اوباما وسيقدمون الحساب إلينا» أن فشل الرئيس الأميركي باراك أوباما في معالجة الشأن السوري بشكل يحفظ لأميركا هيبتها سوف يقود إلى أن تدفع إسرائيل فاتورة الحساب تنازلات للفلسطينيين. وأميركا خسرت، في نظره، ليس دور شرطي العالم وإنما كونها «منارة الأمل» العالمي وهذا ما فهمه «محور الشر» الذي بات من «الصين وايران وكوريا الشمالية ولبنان وسوريا يعلم أنه لا يوجد شيء حقيقي وراء تهديدات الولايات المتحدة».

انشر عبر