شريط الأخبار

الطريق إلى القدس .. الشيخ عمر فورة

11:52 - 17 تموز / سبتمبر 2013

تعتبر القدس أهم مدينة على وجه الأرض ذلك لما تحمله هذه المدينة من دلالات عقائدية و تاريخية وسياسية، فهناك مدن تحمل دلالات دينية لكنها لا ترتبط إلا بدين خاص كمكة فهي تحمل قداسة للمسلمين وحدهم، وهناك الفاتيكان بروما، ومدينة لاسا بالتبت، ومدينة ارمستار وغيرها كل منها تخص شعباً أو مذهباً واحداً.

لكن إذا قيل القدس التف المسلم واليهودي والمسيحي، من هنا كان الصراع على هذه المدينة المقدسة ومحاولة السيطرة عليها قبل الإسلام بقرون عديدة, فهي بؤرة الصراع الكوني وملتقى التطاحن الحضاري.

إن عروبة القدس أمر لا يختلف عليه اثنان، فقد بنيت قبل ميلاد الأنبياء الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسليمان وداوود على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

لقد بناها العرب الكنعانيون الذين جاؤوا من شرق الجزيرة العربية في الألف الرابع قبل الميلاد وأسموها يابوس, ومرَّ الغزاة على يابوس يتبع بعضهم بعضاً، وفي كل مرة لم تستثنِ أهلها فهم الثابت الباقي، والغزاة هم الطارئ الراحل.

لقد ذبح أهل الصليب سبعين ألفاً من أهلها وعبادها ومجاوريها، وحولوا قبة الصخرة إلى كنيسة ولم يرتفع صوت الآذان لأكثر من 90 عاماً, لقد جاء اليوم الذي حرر فيه الأقصى على يد صلاح الدين الأيوبي الذي لم يكن عربياً ليؤكد بُعد القدس الإسلامي، وليؤكد حقيقة تاريخية أن للقدس سيرة سارت فصارت مثلاً سائراً كلما غدا للكفر موطناً قيض الله له ناصراً وسوف ينتظم حديثنا في الطريق إلى القدس في الخطوات الآتية:

أولاً: تحقيق كلمة التوحيد في حياتنا

والتوحيد هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتاً وصفاتاً وأفعالا, ذاتاً لا مثيل له, صفاتاً لا شبيه له، وأفعالاً لا شريك له.

كلمة التوحيد تعني أن تصرف الأمة عبادتها لله

كلمة التوحيد تلزم الأمة أن تحكمّ شريعة الله

كلمة التوحيد تلزم الأمة بموالاة الله ورسوله وأن تتبرأ من الشرك والمشركين, (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ثانياً :الوعي الكامل للمؤامرة القديمة الحديثة التي تستهدف القدس

فمنذ فجر نشأتها غزاها الفراعنة وبنو إسرائيل, والآشوريين والبابليون وغيرهم اليونان والرومان والفرنجة وتتار العصر، الذين قذف بهم الغرب في قلب أمتنا.

ثالثاً: نبذ الفرقة والاختلاف وتحقيق الأخوة في الله

الفرقة شر والخلاف هزيمة وضعف قال الله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

العالم لا يحترم إلا الأقوياء, قال صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

 

                 كونوا بني يداً واحدة                 ولا تفرقوا أشتاتاً

تأبي العصي إذا اجتمعن             تكسراً وإذا تفرقت تكسرت أَحاداً

 

واعلموا أنه :

                ما خاب أصحاب ملةٍ                     إذا ما تشاوروا ثم شمروا

                ولا ضاع حق لم ينم عنه أهله            ولا ناله في العالمين مقصُر

                إذا حبا الله أمةً فلن يردها               إلى الموت قهار ولا متجبر

لا عزة للأمة إلا إذا وحدت صفها، ونزعت الفرقة من قلبها.

رابعاً: التخلص من الوهن

الوهن الذي وضع الرؤوس في التراب بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله، قال: كلا ولكنكم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل وليوشكن الله أن ينزع المهابة في قلوب عدوكم ويقذف في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟، قال: حب الدنيا وكراهية الموت.

أن الكثير منا يعيشون لشهواتهم الحقيرة ونزواتهم الرخيصة لا همّ لهم إلا قضاء شهواتهم ونزواتهم, سلبية قاتلة سيطرت على الكثيرين (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى)، كما قال ربنا سبحانه وتعالى.

لا عزة لنا مع الوهن كما قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) .

خامساً : رفع راية الجهاد في سبيل الله

ليس بعد تحقيق التوحيد وتوحيد الصف وترك الوهن وتطبيق المنهج الشرعي واقعاً في حياتنا إلا رفع راية الجهاد في هذه اللحظات ستجد الملايين من أبناء الأمة قد حملوا أرواحهم على اكفهم يريدون  صلاة على أعتابه وشهادة في محرابه فإن رسول الله قال لمعاذ: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قال معاذ: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.

سادساً : صدق اللجوء إلى الله

الدعاء هو سهام الليل أعظم جندي نحارب به أعداء الله عندما نقول يا مغيث أغثنا من منا يدعو الله في سجوده أن يحرر الأقصى فليس بعد الأخذ بالأسباب إلا التوجه لرب الأرباب، هل نسيتم الملائكة التي قاتلت في بدر؟ بل هل نسيتم الطير الأبابيل وريح الأحزاب التي مزقت المشركين؟.

فاصدقوا في الدعاء وقوموا في جوف الليل وتضرعوا إلى رب الأرض والسماء, وكان عمر رضي الله عنه يقول : "إنكم لا تنصرون على عدوكم بالعدد والعدة وإنما تنصرون عليه بطاعتكم لربكم وبمعصيتهم له" فانا لا احمل هم الإجابة وإنما احمل هم الدعاء فمن ألهم الدعاء فان الإجابة معه, والله ليس لها من دون الله كاشفة فالله القائل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ).

واعلموا أنه إذا ماتت القلوب فلن يستجيب علام الغيوب، ولما سأل إبراهيم بن أدهم عن عدم الإجابة قال: لأن القلوب قد ماتت بعشرة أشياء قالوا ما هي قال : عرفتم الله فلم تؤدوا حقوقه، وزعمتم حب نبيه وتركتم سنته، وقرأتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نعم الله ولم تؤدوا شكرها، وزعمتم أن الشيطان لكم عدو ولم تخالفوه، وقلتم: إن الجنة حق ولم تعملوا لها، وقلتم: إن النار حق ولم تهربوا منها، وقلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهٍ).

فلو بقيت الأمة آلاف السنين ستبقى في تيه ملم تصحح عقيدتها وتقيم شريعتها وتطبق أحكام ربها, وان توعد إلى أخلاق نبيها ولا بد أن تنبذ الفرقة وتوحد صفها وتحقق معنى الأخوة في الله ولابد لها أن تتخلص من الوهن وان ترفع راية الجهاد, وأن تتمثل بنهج النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وجهاده.

سابعاً: عدم اليأس

في الطريق إلى القدس إن المؤمن الصادق في إيمانه لا يعرف لليأس طريقاً فهذا قائدنا يخرج من مكة بعد أن ضاقت عليه من شدة الاضطهاد إلى المدينة مهاجراً ويقول لسراقة في أشد اللحظات ضعفاً وأشد ساعات الليل حلكة عد يا سراقة ولك سواري كسرى, وفي الخندق الخوف محدق به وبإتباعه من اقتحام المدينة قوى الشر والشرك والوثنية على تخوم المدينة وفي هذه اللحظات يعطي الأمل وهو يضرب في الصخرة ويخرج منها شرراً يقول: أبشروا سنفتح بصرى الشام يعني هزيمة الروم ويقول لقد أراني الله قصور المدائن البيضاء يعني انه سيهزم كسرى أعتى إمبراطورية في الشرق وبشر في هذه اللحظات بفتح صنعاء.

إن الصليبيين سيطروا على القدس أواخر القرن الحادي عشر، وفعلوا في القدس ما لم تفعله وحوش الغابات, أسالوا دماء سبعين ألف موحد من أهل فلسطين، غيروا معالم الصخرة، رفعوا الصليب فوق قبتها مدة ثنتين وتسعين سنة, وجعلوا من المصلى المرواني اصطبلاً لخيولهم.

الأمة لم تيأس ولم تحبط ولم تفرط بقيت صابرة إلى أن جاء الزنكيين عماد الدين وابنه محمود الشهيد الذي ربى صلاح الدين وهيأه لهذا النصر العظيم الذي تكلل بفتح بيت المقدس, إن نور الدين محمود قد صنع منبراً للقدس في حلب قبل تحريرها بعشرين سنة، مطلق الثقة بالله هو لم ينقله بيده لكن تلميذه صلاح الدين هو

الذي نقله إلى القدس، حيث أُحرق هذا المنبر عام 1919 على يد مايكل روهن متحدياً مشاعر أمة الإسلام.

فلا يأس والله معنا ولا إحباط ونحن الأبقى ولا قنوط والإسلام أعلى.

ما خاب أصحاب ملةٍ               إذا ما تشاوروا ثم شمروا .

ولا ضاع حق لم ينم عنه أهله      ولا ناله في العالمين مقصرُ

إذا الله أحيا أمةً فلن              يردها للموت قهار ولا متجبرُ. 

انشر عبر