شريط الأخبار

يمكن تسميته نصراً لإسرائيل ..علي عقلة عرسان

11:05 - 10 تشرين أول / سبتمبر 2013

الشعوب يجرها إلى الحروب ساسة عمي القلوب والبصائر، مبتدئون في المعارف الإنسانية العميقة، وأبعد ما يكونون عن المسؤولية الأخلاقية والحضارية.. منهم مجانين العظمة، ومنهم المتهالكون على سلطة وتوسيع دائرتها وكأنهم في الخلود يقيمون، ومنهم المشغول بالغَلبة كأنه مصارع في حلبة تغلبه شِرَّته في الأحوال كلها ولا يملك إلا أن يقرر موت الآخرين الذي فيه موته، ومنهم القاصرون عن تصور ما بعد الدخول في معترك الحرب ووغير المقدرين لتبعاتها.. وكل أولئك لا يرون الإنسان الذي كرمه الله وحرم إراقة دمه إلا بالحق، ولا يستشعرون الألم والبؤس وما تلحقه الحرب من مآسٍ وما تجره من دمار وتؤسس له من صراعات وأحقاد وانهيارات اجتماعية وبؤس روحي.. ويساهم في تزيين الحروب للساسة وفي تسويغها وإحاطتها بهالات، وكذلك في نفخ أوداجهم وأوداج العسكريين القادة:  فكرٌ عنصري أو متطرف أو مسكون بغلو عقائدي ـ اعتقادي، وهياجٌ جماهيري يُصنَّع ويصدَّق ثم يصبح دافعاً وسنداً للمواقف الحادة المتشنجة ولجنون التصرفات والحمق وسبباً وذريعة لمراكمة الدماء فوق الدماء تلك التي تستدعي المزيد من إراقة الدماء.!! وكثيراً ما يكون لبعض العسكريين شأن في صنع قرار الحرب وجر السياسيين إليها في الأماكن والأوقات التي يسيطرون فيها على القرار، وذلك لضعف الساسة وحماوة في الرؤوس ولاستغراق منهم في المهنة وما تمليه على صاحبها، وهي مهنة أياً كان هدفها ومسوغها فإنها تدخل صاحبها في باب القتل فإما قاتلاً وإما مقتولاً.. وتسوغ التضحية بالنفس وتعريض آخرين للموت والمعاناة. ومن خصائصها ألا تري أصحابها ما بعدها من نتائج وكوارث بالحجم الطبيعي ولا تقدم لهم انعكاسات الفعل على العمران والناس، بل تجعلهم يستصغرون عظائم الأمور من باب الشجاعة، فهي تزين الأهداف والمواقف والنتائج في سبيل تحقيق ما تزينه لمن يريد المجد والخلود ولو في لحد دماء.

لا تُقبِل الأمهات على التضحية بأبنائهن لهدف سياسي، ويترددن ويتفاوتن في القرار حين يتعلق الأمر بأهداف أخرى، بينما يضحي بأولئك الأبناء زعماء أو ساسة أو عسكريون يعتقدون أنهم الشعب والإنسانية والقيم والأمهات والآباء، وهم يملكون من الحماسة والغطرسة وادعاء العصمة والتوهم الأخلاقي ما يجعلهم يستهينون بحياة الآخرين ليبلغ الواحد منهم غاية ويحقق مصلحة يغلفهما ببهرجة تبدأ بالوطن والمبادئ والكرامة والمصالح العليا للشعب وتنتهي بدمار الوطن والشعب والكرامة، حتى لو أحرز الانتصار.. ومن أعاجيب أولئك في بعض البلدان أنهم يبيدون الكثيرين تحت درجات قصورهم وتتجدد زعامتهم حتى لو افتضحت أهدافهم!؟ ويمكن القول باختصار وارتياح: إن الشعوب يجرها إلى الحروب في الأغلب الأعم "فجارها وتجارها"، فتغدو بين أيديهم سُلَعاً ومآسي وأدوات ووسائل، بينما يجري دم الأبرياء وغير الأبرياء في سياقات يجللها النفاق بكل أشكاله ويرشح منها البؤس بكل صوره.

مؤسف أن يجوب العالم وزير أكبر دولة عظمى فيه، دولة يرئسها " حامل جائزة نوبل للسلام"، لكي يحشد من أجل حرب عدوانية همجية على سورية وشعبها الذي يتعرض لأشكال العدوان والتدمير والتآمر تجلت في اقتتال مستمر منذ ثلاثين شهراً أتى على عشرات آلاف الأشخاص؟! ومريح للنفس ولافت للنظر ومطمئن للقلب، ولو بصورة نسبية، أن يقف الأزهر الشريف ضد العدوان الأميركي على سورية، وأن يدعو البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، إلى يوم صوم وصلاة في العالم، كان يوم السبت السابع من أيلول 2013، من أجل السلام في سورية والعالم.. وقد أقيت فعلاً "سهرة صلاة" بين الساعة السابعة والثانية عشرة ليلاً من اليوم المشار إليه في ساحة القديس بطرس بروما حيث دولة الفاتيكان، كما أقيمت صلوات في أنحاء أخرى من العالم كخطوة إنسانية رمزية لافتة، على الرغم من كونها أتت متأخرة ولم تترافق مع شجبٍ وإدانة لموقف الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا اللتين تحشدان للعدوان وكل من يشاركهما في تحالف شرير يهدد بتدمير الجيش والدولة في سورية العربية.

إن الصلوات والأدعية والاعتراض الشعبي الذي أعلنته وتعلنه جماهير واسعة في مدن عربية وعالمية كثيرة، لن يثني دولة الإرهاب الأولى في العالم وتحالفها الشرير الذي تقيمه عن أن توجه ضربات قاسية وربما قاصمة لسورية بهدف تدمير الجيش والدولة.. ولكن ذلك الفعل الوجداني الإنساني له أبعاده الروحية والأخلاقية المهمة، وهو من الأفعال التي أثبت التاريخ أن الساسة قلما يلتفتون إليها ويتأثرون بها، وأنها مما لا يردعهم رغم رمزية المواقع والشخصيات التي تققف خلفها، وإرادة الجماهير التي تتجلى فيها.. إنهم لا يعيرون ذلك اهتماماً يردعهم على الرغم من ترديدهم لنشيد الديمقراطية في كل الأوقات وعلى مسمع ممن يعرفون كذبهم ونفاقهم جيداً.. وهي من ثمة أفعال لا تمنعهم من القيام بالعمل الإجرامي الموصوف الذي يرتكبونه.. والأنكى من ذلك أن يتذرع الساسة، لا سيما الأميركيون والفرنسيون منهم بشأن العدوان على سورية، يتذرعون بأنهم إنما يقومون بالعدوان كفعل إنساني ومن أجل الإنسانية؟! وذلك نوع عجيب غريب من الفجور المحض الذي تتكشف للعالم معالمه وأهدافه، فهم يتخذون من تهمة استخدام السلاح الكيمياوي في الغوطتين يوم 21 آب /اغسطس 2013 التي لم ينته التحقيق الدولي بشأن استخدامه فيهما بعد ولم يتحدد علمياً وموضوعياً من الذي استخدمه، يتخذون من ذلك ذرائع لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالإنسانية ولا بالشعب السوري بل بخدمة إسرائيل العنصرية وتحقيق أهدافها.؟! وقد أدى ذلك الفعل الفاجر أغراضه وحقق أهدافه بما لا يمكن تصديقه أو توقعه، فقد تمت بصورة فعلية وعملية موافقة الجمهورية العربية السورية على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم من موسكو الذي قال: " استمعت إلى اقتراح الوزير سيرغي لافورف بشأن الأسلحة الكيماوي، وبناء عليه أعلن ترحيب الجمهورية العربيةالسورية بمقترح موسكو انطلاقا من حرص القيادة السورية على أرواح مواطننينا وأمن بلدنا وحكمة القيادة الروسية الساعية إلى منع العدوان على سوريا". وبذلك وافقت على " وقال لافروف:" ندعو الحكومة السورية ليس فقط  للاتفاق على وضع أماكن حفظ الأسلحة الكيماوية تحت رقابة دولية بل وإلى تدمير هذا السلاح لاحقا ، وكذلك على الانضمام بشكل كامل إلى المنظمة الدولية للحد من انتشار السلاح الكيماوي".. وهذا نصر مبين لإسرائيل ولإسرائيل وحدها التي ركزت وركز حلفاؤها وأدواتها من السوريين والعرب على تحقيق هذا الهدف.. وحققته من دون مقابل فهي ترفض أن تنضم لمعاهدة منع الأسلحة النووية التي تملك منها ترسانة ضخمة تهدد بها العرب والمسلمين وتعزز بها احتلالها وممارساتها العدوانية العنصرية. ويأتي ذلك الفعل الأميركي ـ الصهيوني ناجزاً ومضيفاً دعماً لعملاء هم أدوات تستخدمهم الأجهزة الغربية والصهيونية وبعض الأجهزة العربية وتوجههم وتعمل من خلالهم لتحقيق أهدافها في سورية وبسط هيمنتها وهيمنة إسرائيل العنصرية على المنطقة ودولها، وتوظفهم من أجل القضاء على المقاومة التي تتصدى للاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان ومناطق في جنوب لبنان، ولإشباع رغبات عليلة لمسؤولين عرب في دول عربية دخلوا طرفاً في الأزمة السورية منذ بدايتها، وهم لا يعنيهم شأن الأمتين العربية والإسلامية بمقدار ما يعنيهم إرضاء حليفهم الأميركي أولاً، وإشباع نزوات لا تليق بمسؤولين كبار حيث يغرقهم الحقد في أتونه وتجرهم الغفلة إلى إضعاف أمتهم وقتلها ثانياً، ومن ثم يغدون أدوات وممولين لحروب عدوانية قذرة على أمتهم قطراً بعد قطر، ومخالب في جسد سورية الدولة والشعب وهي الأقرب إليهم، والقادرة على الوقوف إلى جانبهم عند الحاجة ثالثاً.؟!

الشعوب تعترض ورجال الدين يصلون والساسة والجنرالات يعملون ما يريدون ولا يستمعون إلى صوت الشعب وضميره وندائه الروحي.. حدث هذا ويحدث في كثير من بلدان العالم وفي عصور مختلفة، وليس بعيداً عنا ما حدث من عدوان على العراق وأفغانستان وليبيا، ولا أشكال العدوان المستمر على سورية، وعلى مناطق ومواقع محدودة في بلدان كثيرة منها باكستان واليمن والصومال وغيرها.. وهذا يشير إلى أن المجرم الكبير يعلو ويرتفع فوق الشعب والقانون والحقيقة والعدالة وينجو من العقاب بل ويعاقب من يشير إليه بأصبع الاتهام، وإلى أن المجرم الصغير قد يشنق بسبب إشباع جوعه أو نتيجة فرية كبيرة توجه إليه.. هذا شأن عالم يغرق في البؤس ولا تعنيه الروح ولا الإيمان ولا العدالة ولا الحقيقة.. فهل ذلك في جوهر الطبيعة البشرية أم أنه تراكم رعب وتملق ونفاق وفساد وجبن أتى على الفطرة الخيرة في الإنسان وأشاع قانون الأقوى بين الأحياء؟!!.

في الحدث الضاغط الذي يملي ذلك ويدفع باتجاهه ما زال الوزير كيري يجوب العالم ويدعو إلى الحرب العدوانية على سورية، ويحرض على تدمير دولة وشعب بذرائع " إنسانية" خدمة لإسرائيل  والجركة الصهيونية العنصريتين، وأمثاله كيري كثر، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية والغرب الاستعماري، وهؤلاء وغيرهم من الطغاة والبغاة والفاسدين المستبدين قصار النظر والقامة ممن هم على شاكلتهم يمارسون أعمالاً إجرامية بحق الآخرين ولا يدانون، وأبرز نماذجهم جورج w بوش.. هؤلاء وأمثالهم ينبغي أن يحجَر عليهم وأن يحاكموا بوصفهم مجرمين ومحرضين على القتل، وأعداء للسلام، وخارجين على القانون وعلى كل ما تعنيه العدالة ومن تعني لهم العدالة شيئاً مهماً في الحياة.. وينبغي أن يعمل الجميع على ألا يفلت أولئك المجرمون الكبار من العقاب.

وفي متابعة مجريات الأحداث الأخيرة يبدو أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم حمل إلى موسكو أجوبة على أسئلة طرحت على سورية عبر الجانب الروسي خلال لقاءات ومشاورات واتصالات جرت في كواليس مؤتمر الدول العشرين الذي انعقد في سانت بطرسبورغ، وأنه يفاوض في موسكو على أمور منها المخزون الكيمياوي السوري الذي أشرنا إلى الموقف منه والنتيجة التي اقترنت بها المفاوضات عليه.. ومنها طلب المعارضة المسلحة عبر مشغليها "تشكيل لجنة من ضباط في الجيش العربي السوري والمعارضة المسلحة لإعادة هيكلة الجيش العربي السوري وأجهزة الأمن. والهدف من ذلك دخول معارضين منشقين وغير منشقين في الجسم العسكري السوري. وفي تقديري أن سورية يمكن أن توافق على تشكيل لجان لوقف إطلاق النار إذا ما تم التوجه إلى جنيف 2، ولكنها قد ترفض إعادة هيكلة الجيش العربي السوري لا سيما من جهات كانت وما زالت تقاتله، وقدمت وتقدم معلومات عن أسلحته وقواته ومخزونه الاستراتيجي لمن يدمرها، لا سيما أن الجيش في وضع جيد ويتقدم ولم تنتصر عليه المعارضة المسلحة التي تستجدي ضربة أميركية ـ صهيونية ـ غربية ـ عربية لتحقيق ما تسميه "إعادة التوازن" بينها وبينه، والهدف تدمير قواته الضاربة لكي يتسنى لها بعض الحضور المكافئ في الميدان والسياسة والتفاوض، إذا ما عقد مؤتمر جنيف 2 ولا أظنه يعقد إذا ما وجهت ضربة عسكرية غربية لسورية.. ومنها عدم ترشّح الرئيس بشار الأسد للانتخابات الرئاسية القادمة عام 2014 وهذا المقترح الأخير تتم مقاربته بالحديث عن تقديم موعد الانتخابات الرئاسية من دون الحديث بتفاصيل أخرى حتى الآن.

إن الأميركيين قد يكتفون بما حققوه لإسرائيل من أهداف، وربما يتذرعون بذرائع لتوجيه ضربة محدودة كما يقولون في حال منح مجلسا الكونغرس تفويضاً لأوباما وذلك من باب تسخين الوجه، لأن مكانته العالمية اهتزت.. أما وقد حصلوا على مطلبهم الأساس وهو تدمير مخزون سورية من الأسلحة الكيمياوية، وهو الهدف الرئيس الذي يعملون من أجله لمصلحة إسرائيل التي ستبقى المالك الوحيد لأسلحة دمار شامل نووية وغير نووية في المنطقة، تهدد بها من تشاء.. فإنهم قد يشعرون بتوازن داخلي وبأنهم حققوا هدفاً استراتيجياً كبيراً كافياً لتبريد رؤوسهم.

إن هناك مطالب أميركية ـ إسرائيلية أخرى منها عدم تزويد حزب الله بالسلاح عن طريق سورية، وهو مطلب إسرائيلي ـ أميركي يفاوض عليه الغرب سورية وإيران، ويستهدف من خلاله محور المقاومة كله ومنه سورية قلعته الرئيسة.. ولا أظن أنه هدف يمكن أن يتحقق من دون حلول عادلة لقضية فلسطين، فمبدأ المقاومة مشروع وقائم ولا بديل له لأن العدو الصهيوني يحتل ويهود ويهدد ويستمر في مشاريعه الاستيطانية ـ التوسعية والعسكرية العدوانية.. وما لجوء الأميركيين إلى فرض مفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية سرية في ظروف عربية ودولية تضعف المفاوض الفلسطيني سوى مدخل لفرض حل ينهي بنظرهم مشروعية المقاومة وضرورتها ويرسخ إسرائيل دولة يهودية مهيمنة.. ولكن هذا ليس بملك العم سام والصهاينة ومن لف لفهم من الأوروبيين والعرب، فإرادة التحرير من إرادة الحياة في الأمة، والأمة ليست إلى زوال، وفلسطين عامة والقدس خاصة رمز حرية وتحرير وحياة لأمة العرب ولمن تعني لهم القدس شيئاً من المسلمين والمسيحيين.. وإذا ما تحقق اليوم للصهاينة في موضوع الكيمياوي السوري ما يمكن تسميته نصراً، بقوة الولايات المتحدة وحلفائها وتآمر بعض السوريين والعرب على بلدهم سورية، فهو لسورية ومنها درء للأشد الأمر وفعل حكيم وموقف وطني مسؤول يجنب السوريين وجيشهم جنون القوة الأميركية المعتدية، ويؤسس، أو ينبغي أن يؤسس، لما بعد ذلك من قوة وصمود وثبات على المبدأ والحق والعدالة الاجتماعية والإصلاحات شاملة والتغيير العميق الذي تجعل من سورية وطن المسزاة والحرية والحضارة، وقلعة قوية لا ترام ولا تضام، وسنداً قوياً لأمة العرب التي لن تموت. 

دمشق في 10/9/2013

                                              علي عقلة عرسان

انشر عبر