شريط الأخبار

مضى ليبحث عن طوق نجاة- اسرائيل اليوم

11:30 - 04 حزيران / سبتمبر 2013

بقلم: البروفيسور ابراهام بن تسفي

 (المضمون: اختار رئيس الولايات المتحدة براك اوباما أن يحبط نفسه بمجلس النواب وهذه طريقة غير مباشرة كي يستمر في وزن الامور وفي التردد أيعمل في سوريا أم لا. إن هذا النزول عن شجرة الوعود – بالعمل على مواجهة من تجاوز كل خط احمر – يُقوي الاشاعات عن الموت السياسي للعصر الامريكي - المصدر).

إنقشع الآن ضباب المعركة، وأصبح يقوى عندنا انطباع أن رئيس الولايات المتحدة براك اوباما بحث بواسطة مجلس النواب عن طوق النجاة المأمول ليساعده على النزول عن الشجرة العالية التي تسلقها قبل سنة حينما خط الخطوط الحمراء في المجال السوري. وقد شهدت الصورة البعيدة وغير المكترثة والمتعبة والمنطفئة التي ظهرت في العروض الرئاسية التي سبقت الاعلان عن تأجيل العملية، مثل ألف شاهد على أن الرئيس يواجه تنافرا شديدا.

فهناك من جهة حقيقة أن رئيس سوريا بشار الاسد قد تجاوز وعلى نحو سافر الحدود بين المُحرم والمُحلل، والتي خطها اوباما بوضوح كبير جدا وهي تلزمه بأن يعمل، لكن لغة جسمه من جهة ثانية أوحت مرة بعد اخرى بنفور واضح من الاجراء المطلوب الذي يُناقض طموحه الى الانطواء في داخل المجال الامريكي والامتناع عن مغامرات عسكرية أياً كانت وراء البحار حتى لو كانت ضئيلة غير قوية.

ومن هذه الجهة كان القاء المسؤولية على مجلس النواب يشبه حلا صعبا للمشكلة، وينبغي ألا نرفض رفضا باتا تقدير أن الرئيس الرابع والاربعين مستعد الآن لتحمل هزيمة اخرى في تل الكابيتول بشرط ألا يضطر الى أن يخطو في مسار العملية العسكرية (غير المدعومة بغلاف داعم متعدد الأطراف كما كانت الحال في ليبيا)، التي تعارض كثيرا حقيقة كيان الفائز بجائزة نوبل للسلام وطبيعته.

لا شك في أن نقل الكرة الى مجلس النواب كان خطوة اضطرارية ومتكلفة وغير ضرورية بصورة سافرة. فحتى لو كان يُفضَل دائما صوغ تأييد حزبي عام واسع لكل اجراء عسكري مهما يكن محدودا فالحديث في الظروف الحالية عن تخلٍ طوعي عن السلطة التي يفترض أن تبقى من نصيب البيت الابيض وحده.

برغم أن الدستور الامريكي يُفوض الى مجلس النواب سلطة أن يعلن بصورة رسمية بدء حرب، فان الحالة الحالية لعملية عقاب محدودة مركزة لا تدخل ألبتة في دائرة هذا التصنيف. لأنه في كل ما يتعلق باستعمال القوة العسكرية واجراءات التدخل التي هي أقل في سعتها من مواجهة عسكرية شاملة، تُترك لرئيس الولايات المتحدة وحده الصلاحية، مدة لا تقل عن شهرين (بحسب "قانون صلاحيات الحرب" من سنة 1973). وبعد مرور هذه الفترة فقط يجب عليه أن يطلب موافقة مجلس النواب على تغيير وضع المواجهة وتوسيعها والاستمرار في العملية العسكرية.

خطوة الى الخلف

يشير تاريخ العقود الاربعة الاخيرة الى أنه حينما يكون الحديث عن اجراءات عسكرية واسعة طويلة – تصاعدت في واقع الامر الى أن أصبحت حربا شاملة – توجه الرئيس الى مجلس النواب وحصل منه على الضوء الاخضر للعملية قبل أن تبدأ ساعة الستين يوما تكتكتها.

إن الامتناع عن ذلك كان يمكن لا أن يُنشيء فقط انقساما سياسيا واجتماعيا في الولايات المتحدة حتى قبل أن تبدأ المدافع هديرها بل كان يمكن أن يفضي بالمُشرعين الى اتخاذ عمليات عقاب للادارة ومنها تجميد المخصصات للقوات المقاتلة.

عشية حرب "عاصفة الصحراء" (التي نشبت في سنة 1991) وعشية حرب الخليج الثانية بعد 12 سنة، حرص جورج بوش الأب وجورج بوش الابن كل واحد في ولايته ووقته على طلب رخصة من مجلس النواب للعملية قبل أن يعطيا قواتهما الضوء الاخضر للخروج للمعركة العسكرية التي طالت واتسعت كما كان متوقعا.

وفي مقابل ذلك حينما كان الحديث عن مبادرات عسكرية أضيق كعملية العقاب القصيرة التي بادر اليها الرئيس بيل كلينتون موجهة على حاكم العراق صدام حسين في كانون الاول 1998 وكالهجوم الجوي الثقيل الذي قامت به القوات الامريكية (التي عملت في اطار حلف شمال الاطلسي) في جمهورية الصرب بعد ثلاثة اشهر والذي استمر ثلاثة اشهر تقريبا، لم يُجهد البيت الابيض نفسه في الحصول على موافقة تل الكابيتول على العملية لأنه لم يوجد سبب يدعو الى ذلك.

وكان الشيء نفسه فيما يتعلق بالجبهة الليبية. حدثت تلك الواقعة في فترة ولاية اوباما الاولى في البيت الابيض حينما شارك – وإن كان ذلك بصورة "القيادة من الخلف" العجيبة وبقيادة جيشي بريطانيا وفرنسا – في العملية الجوية المتعددة الأطراف لاسقاط نظام معمر القذافي. وذلك دون أن ينقل – على عكس الحاضر – قضية المشاركة ليبت مجلس النواب فيها.

صحيح أن الحديث اليوم عن عملية هي في أضيق اطار دولي يفترض أن تصاحب العملية الموجهة على دمشق، وتثير من هاوية النسيان التحالف المليء بالثقوب والخروق والعديم الشرعية الواسعة الذي صاغه سلفه في البيت الابيض (جورج بوش الابن)، في سنة 2003 (وحظي كما قلنا آنفا بموافقة مجلس النواب).

ومع ذلك يُسأل السؤال التالي هل من المقبول في العقل أن تكون قضية سعة التحالف الدولي كاسرة للتعادل في الازمة التي أمامنا بحيث تحفز الرئيس الى أن يُتم في آخر لحظة خطوة الى الوراء ويطلب الى مجلس النواب (الذي امتنع الى الآن من أن يمنحه أوقات رحمة كثيرة جدا)، ليُخلصه من الازمة التي دُفع اليها، ولن نقول إنها ازمة أدخل نفسه فيها.

إن التاريخ الامريكي مليء بحالات عمل فيها قادته من خارج الاجماع الدولي الواسع. وقد فعلوا ذلك عن التزام بتصورهم أو عملهم أو غايتهم باعتبارهم منارة تربوية وروحانية وقيمية يفترض أن تضيء طريق المجتمع الدولي كله وسلوكه بلا شذوذ.

وفي هذه المرة في المقابل أصبحت مسألة الغلاف الداعم والمؤيد ذريعة على نحو مؤقت على الأقل. وسبب ذلك محاولة التعمية على شعاع النور والنزول من منارة الوعود (في العام الماضي) التي أُعلن من أعلاها أنه ينبغي العمل بلا شرط في مواجهة تجاوز النظام السوري تحت قيادة بشار الاسد لكل الخطوط الحمراء.

ليس في هذا القرار مصادرة فقط لصلاحيات البيت الابيض الرسمية أن يُدير عمليات عسكرية مدة شهرين دون موافقة مجلس النواب بل فيه – وهذا أخطر – تخلٍ طوعي عن مكانته المهيمنة بصفته زعيم القوة العظمى الوحيدة (وهذا صحيح الى الآن). أليس البيت الابيض باعتباره لاعبا رئيسا هو الذي يفترض أن يمنح الموافقة وأن يقود المعركة كلها وألا يُخضع سلوكه لارادة سائر اللاعبين واضطراراتهم وتفضيلاتهم؟.

عملاق بلا أسنان

تختلف الامور هذه المرة كما قلنا من قبل، وقد نُقل القرار الحاسم كما قلنا آنفا الى تل الكابيتول برغم أن مجلس النواب اعتاد في خلال العقود الاربعة الاخيرة أن يوافق على كل طلبات رؤساء الولايات المتحدة استعمال القوة العسكرية في ميادين ازمات ومواجهات عسكرية. ويمكن أن نذكر في هذا الشأن مع الجبهة العراقية، الجبهتين في لبنان وافغانستان ايضا.

برغم أن حزب اوباما الديمقراطي يتمتع بكثرة صغيرة في مجلس الشيوخ، برغم أنه يمكن أن نقول إن المجلس مؤيد بادي الرأي، فشلت محاولة الرئيس منذ وقت قريب في سن قانون جديد يزيد في الرقابة على شراء سلاح هجومي وذلك في ظل المذبحة التي حدثت في المدرسة الابتدائية "سندي هوك" في كونتيكت. والامور أشد سوءً بالنسبة للبيت الابيض في كل ما يتعلق بمجلس النواب في وقت يُشك فيه بمجرد رغبته في تجنيد دعم تل الكابيتول للدفع بهذه العملية قدماً.

وفي هذا الصعيد الذي يحكم فيه الحزب الجمهوري بيد قوية بل أكثر من ذلك، توجد شراكة عجيبة بين القسم الصقري من الجمهوريين وبين معسكر تمايز مؤيدي "حركة حفل الشاي" والجناح فوق الليبرالي من الديمقراطيين. فهذان التياران معا يعارضان العملية وإن يكن واضحا أن كل واحد منهما يفعل ذلك لاسباب مختلفة.

ففي حين يُفضل الصقور الامنيون (مثل زملائهم في مجلس الشيوخ) عملية عسكرية أوسع نطاقا بكثير من هذه المطروحة في جدول العمل – تكون ضربة عليا لا هوادة فيها، يتمسك المعسكر التطهري الليبرالي (وشركاؤه التمايزيون) بمعارضة مجرد فكرة التدخل في سوريا حتى لو كان الحديث عن عملية في الحد الأدنى ومنظمة وقصيرة الأمد.

والى ذلك ولأن مجلس النواب قد سار من قبل في مسار صدام مع البيت الابيض في طائفة واسعة من القضايا (ومنها قضية اصلاح التأمين الصحي وقضية العجز المالي القومي)، فان السيناريو الذي يرى أن تجعل المعارضة القضية السورية الحساسة خشبة قفز للعيب على اوباما ممكن تماما – وتسبب له هزيمة اخرى (قد يصاحبها بالنسبة اليه طعم حلو خاصة). وعلى كل حال فان مسار الموافقة في مجلس النواب يتوقع أن يكون مركبا بل قد يكون طويلا. ينبغي أن نتذكر أن الرئيس بوش الأب نجح بصعوبة فقط في الحصول على دعم مجلس النواب لمبادرته الى الحرب في العراق في حرب الخليج الاولى في 1991 برغم أن التحالف الدولي الذي شكله كان شاملا وواثقا بنفسه وشمل قوة عربية عامة ايضا.

لا شك اذا في أن الرئيس الحالي قد أحبط نفسه بلا حاجة ودخل – بمبادرة منه – قفص الاسود الجائعة في مجلس النواب. وقدم بذلك برهانا قاطعا غير وحيد على أن غوليفر الامريكي أصبح عملاقا بلا أسنان وبلا رغبة في الامساك بصولجان الزعيم، دونما صلة بطريقة تطور الازمة الجديدة.

ولهذا يمكن أن نأسف فقط لأن اشاعات الموت السياسي القريب للعصر الامريكي لم تكن سابقة لأوانها كثيرا أو داحضة، فقد أصبحت موجودة هنا تشير دون خوف الى سائر العالم.

انشر عبر