شريط الأخبار

المفكر منير شفيق يكتب: قطاع غزة المقاوم والأوضاع الراهنة

05:10 - 29 تموز / أغسطس 2013

 تحوّل قطاع غزة المقاوم إلى قاعدة مقاومة عسكرية ضدّ الكيان الصهيوني، وقد ثبَّت هذه الحقيقة التي تأكدّت من خلال انتصاره في صدّ حربيْن عدوانيتين كبيرتين في العامين 2008/2009 و2012، كما تأكدّت من خلال صموده في وجه حصار عسكري وسياسي واقتصادي دام إلى الآن وعلى مدى أكثر من ست سنوات.

هذه السمة تفرض عليه أن يكرسّها لما تعنيه من أهمية استراتيجية عسكرياً وسياسياً، عظيمة الأبعاد، بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والأمّة العربية والإسلامية وأحرار العالم (مع إشارة خاصة إلى أهميتها الاستراتيجية العسكرية بالنسبة إلى الأمن القومي المصري).

أن يكون قطاع غزة قاعدة مقاومة عسكرية على أرض فلسطين استعصى على جيش العدو احتلاله في حربين، وبلغ الأمر به في حرب 2012 أن أوصل صواريخه إلى القدس و»تل أبيب»، وأن يفرض شروطه على الوقف لإطلاق النار، أمراً ليس بالسهل، ولا يجوز أن يُعامَل إلاّ بأعلى درجات الجد والجدية. وذلك إذا لم نُرد أن نفرّط في هذا المكسب الاستراتيجي الاستثنائي الذي كان قبل ست سنوات خارجاً على كل تصوّر، وبعيداً من أن يصله الحلم أو الخيال.

من هنا لا يصحّ أن يُعامَل الوضع في قطاع غزة كالوضع في الضفة الغربية التي تتمزّق وتُصادَر تحت الاحتلال واستشراء الاستيطان وتهويد القدس وتهجير أهلها. فإلى جانب الحاجة إلى استراتيجية وسياسات تثبِّت وضع قطاع غزة قاعدة مقاومة عسكرية مستعصية على جيش العدو، أو خنجراً في خاصرة جيش العدو كما هو الحال بالنسبة إلى المقاومة في جنوبي لبنان، فإن الحاجة الملحة بالنسبة إلى الضفة الغربية تكمن في ضرورة تبني استراتيجية وسياسات مقاومة شعبية انتفاضية لدحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات واستنقاذ القدس وإطلاق كل الأسرى، مع ضرورة التخلي التام عن استراتيجية وسياسات المفاوضات والتسوية والرهان على أمريكا.

إذا كانت المحافظة على قطاع غزة قاعدة مقاومة عسكرية تشكل جزءاً من استراتيجية عليا فلسطينية ومصرية وعربية وإسلامية وتحرّرية عالمية، فإن الأمر يقتضي وقف إغلاق المعابر وتهديم الأنفاق، والحملات الإعلامية على الفلسطينيين وحماس، ومن ثم النظر مصرياً إلى الوضع في قطاع غزة بمعزل عما يدور من صراع داخلي. فالوضع الراهن في قطاع غزة مكسب استراتيجي عسكري، وأمن قومي مصري، لا يجوز التفريط فيه، وتقديمه هدية مجانية للعدو الصهيوني المشترك حين يصار إلى خنقه بالحصار، والتحريض على التمرد من داخله بدعم من طلعات جويّة مصرية فوقه، وربما بأكثر من حوله، الأمر الذي لا يعني غير ضربه كقاعدة مقاومة عسكرية، وإعادته للرزوح تحت الاحتلال أو التهديد باحتلاله كما هو الحال في الضفة الغربية.

فقطاع غزة إما قاعدة مقاومة عسكرية، وإما عودة سلطة رام الله المعادية لكل مقاومة وانتفاضة والمرتهنة باستراتيجية التسوية والمفاوضات بعد أن تم التفريط في 78% من فلسطين، وبقبول تعديل «الحدود»، والاستبدال بـ»حق العودة» حل عادل لقضية اللاجئين (التوطين والتعويض).

تكفي نظرة سريعة للوضعين في قطاع غزة والضفة الغربية حتى ترسم أخطر علامة سؤال حول الحملات التي يتعرض لها قطاع غزة إعلامياً وسياسياً وحصاراً وتهديداً. ومن ثم لا فائدة من الفبركات التي تحاك ضدّ التدخل في الشأن المصري من قطاع غزة، بدلاً من إقامة التعاون الوثيق بين قطاع غزة قيادة وشعباً والجيش المصري في سيناء وبدلاً من فتح جبهة أخرى ضدّ القطاع. فأين الحكمة؟ وأين المصلحة، هنا. وكيف يمكن أن تغمض العيون عن تدمير 350 نفقاً في 22/23/8/2013 استكمالاً للمئات التي دمّرت قبل شهرين من تاريخه؟

أما على مستوى قطاع غزة المقاوم والوضع الراهن، فإن سمة تحوّل قطاع غزة إلى قاعدة مقاومة عسكرية تستعصي على العدو، وقد تتحوّل إلى أكثر من ذلك، تتطلب أن يُقاد قطاع غزة بسياسة حرب.

وتعني سياسة الحرب أن يقوم تحالف وطني شعبي فصائلي من كل الذين يريدون غزة المقاومة، وكل من يعارضون العودة إلى المفاوضات الصهيونية مع سلطة رام الله التي قامت على أنقاض الكوارث والتنازلات التي أتت بها من قبل، وعلى أنقاض تغطية الكارثة الجريمة التي راحت تنفذ في النقب بمصادرة 860 ألف دونم وتهجير ستين ألف فلسطيني، كما على أنقاض استشراء استيطان الضفة وتهويد القدس، فضلاً عما قدّمه المفاوض الفلسطيني من تنازلات جديدة.

وسياسة الحرب تعني إعداد الإدارة والاقتصاد والحياة المدنية وكل البرامج لمواجهة الحرب العدوانية القادمة، فالكيان الصهيوني لا يستطيع أن يحتمل قطاع غزة قاعدة مقاومة مستعصية عليه.

وسياسة الحرب تعني إقامة التوازن بينها وبين الحريات العامة وحق النقد والمراقبة والتظاهر. فالذين يستهدفون الفوضى ومعارضة الحفاظ على قطاع غزة قاعدة مقاومة وتعزيزها باستمرار يجب أن تُكشَف مراميهم، ويخاض الصراع السياسي ضدّهم بحزم، إذ لا يجوز أن يعود قطاع غزة إلى حظيرة خط التسوية. 

أما على المستوى الفلسطيني فالهجوم السياسي يجب أن يتجه لمعارضة المفاوضات، والحث على إسقاطها وعلى إطلاق مقاومات شعبية وصولاً إلى الانتفاضة العامة التي ستطيح حتماً، إذا ما انطلقت، بالاحتلال والاستيطان وتهويد القدس وتفرض إطلاق كل الأسرى.

هذه المعادلة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تتطلب دعماً فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، وقبل ذلك تتطلب وحدة فلسطينية واسعة حول الهدفين: هدف كسر الحصار على القطاع وعدم التهاون مع سياسات هدم الأنفاق التي تجرّ وراءها الشبهات لا محالة.

وهدف إسقاط المفاوضات وإطلاق انتفاضة في الضفة الغربية، مع دعم كفاح جماهير الفلسطينيين في مناطق الـ48 ضدّ تهويد النقب.

وهذان الهدفان يكفيان حملاً ثقيلاً على كتف الفلسطينيين، وإنجازهما أمر عظيم متعدّد الأبعاد؛ مما لا يسمح لهم أن ينشغلوا وينقسموا حول ما يجري من صراعات داخلية في هذا القطر العربي أو ذاك مهما كانت الأسباب والمبرّرات وجيهة.

فلتكن لهم ثقة بالشعوب العربية وقواها الحيّة، وليتأكدوا أن لا دور مقبولاً منهم خارج أرض فلسطين وقضية فلسطين. ومن لا يدرك ذلك لم يتعلم شيئاً من التجربة الفلسطينية. ولم يحسن تقدير الموقف تقديراً صحيحاً.

انشر عبر