شريط الأخبار

أميركا وفكرة القدرة الكلية تجاه تطورات المنطقة العربية.. حلمي موسى

07:19 - 26 حزيران / أغسطس 2013

تشغل السياسة الأميركية في المنطقة العربية اهتمام الأغلبية الساحقة من المتابعين للشأن العربي الجاري. وأميركا في نظر البعض هي القوة كلية القدرة التي رسمت، وكأنها في لوح محفوظ، مستقبل المنطقة عبر مخططات دقيقة تجعل كل شيء لا يتحرك إلا وفق إرادتها. ويرى آخرون أن ما يجري في المنطقة هو رياح تهب في غير ما تشتهي أميركا التي تشعر بأن قبضتها على المنطقة وربما في العالم تضعف يوما بعد يوم. ولا يغير في رأي هذا ولا ذاك ملاحظة القرائن الجزئية التي تشير إلى خلاف هذين الرأيين سواء تعلق الأمر بدول أو اتجاهات أو حتى مجرد أحداث.

ومن الجائز أن أبرز مظاهر الاختلاف حول الدور الأميركي هو ما يجري في مصر. فالجميع يسمع الاتهامات من الطرفين المتصارعين بخدمة الطرف الآخر لأميركا، وحتى لإسرائيل. ويجد كل طرف في تصريح هنا أو ملاحظة هناك ما يؤكد وجهة نظره بأن الطرف الآخر، فقط لا غير، هو من يخدم أميركا بإخلاص. وحتى عندما يوضح طرف ثالث أن الطرفين الأولين يجلسان في حجر أميركا لا يجد أنصار كل طرف بدا سوى الإصرار على موقفهم الأول.

وقد دفع هذا البعض إلى محاولة فهم ما يجري على السياسة الأميركية بطريقة مختلفة موضحين أن أميركا تلتقي وتختلف مع قوى بعينها في لحظة محددة في إطار سياسة كونية شاملة. وان هذا الالتقاء، خصوصا في عصر ما بعد نظامي القطبين وترسخ نظام القطب الواحد، لم يعد يتجلى بتبعية مطلقة. وعلى سبيل المثال لا الحصر درج بعض العرب في الماضي على إشاعة أن 99 في المئة من أوراق حل النزاع العربي الإسرائيلي في يد أميركا. وكان الإيحاء المتضمن هو أن إسرائيل تابعة لأميركا ولا يمكنها مخالفة إرادتها. فإن قررت أميركا أن لها مصلحة في حل ما فإن إسرائيل سوف تضطر لقبول هذا الحل عاجلا قبل آجلا.

وتظهر مراقبة السياسة الإسرائيلية، خصوصا في العقدين الأخيرين أن الأمر ليس كذلك، أو أنه ليس بالضبط كذلك. فلدى إسرائيل هامش حركة يتناسب طردا مع حاجة أميركا لها إقليميا ومدى تغلغل إسرائيل في الواقع الأميركي. ومعروف أن صراعا شبه مكشوف جرى على الاقل بين إسرائيل الرسمية وإدارة الرئيس باراك أوباما في نهاية الولاية الأولى تجلى حتى بوقاحة التدخل الإسرائيلي المكشوف في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

والواقع أن مبدأ تناسب هامش الحركة مع مدى حاجة أميركا لهذا الطرف أو ذاك يجد ترجمات له في مواقف وتصرفات قوى كبيرة وصغيرة على حد سواء. ويراقب كثيرون باستغراب اليوم اختلاف الموقف السعودي مثلا عن الموقف الأميركي من الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي. ولا يفسر الاختلاف فقط باختلاف منظومة القيم السياسية لدى هذا وذاك وإنما أساسا بسعة هامش حركة السعودية بعيدا عن الموقف الرسمي الأميركي وفقا لوزنها الإقليمي والدولي. والشيء نفسه ينطبق على الجيش المصري الذي رغم تلقيه معونات أميركية منذ عقود إلا انه بقي مالكا هامش حركة أتاح له الاختلاف مع الإدارة الأميركية في العديد من المواقف حتى الجوهرية منها.

بل ان السلطة الفلسطينية التي لا تكاد تمتلك روافع ضغط جوهرية في مواجهة أميركا عبرت مرارا عن قدرتها على توسيع هامش حركتها واختلافها مع أميركا. ظهر ذلك في الموقف من القمة العربية في دمشق قبل سنوات وفي التوجه للأمم المتحدة رغم مطالبة أميركية صريحة بعدم فعل ذلك.

وربما ان محاولة قراءة الموقف الأميركي بعين واقعية وتحليلية تسهل استخلاص استنتاجات أكثر صوابا. فلا خلاف البتة حول الدور العالمي الذي تلعبه أميركا وتدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول. لكن هذه التدخلات لم تعد قادرة على الظهور بمظهر من يحرك الخيوط وأن الآخرين دمى. وقد يقود هذا الاستنتاج إلى التخفيف من حجم الادعاءات بوجود مؤامرة مرتبة وكاملة. فأميركا تهيمن اليوم، غالبا، على المنطقة من دون بروز أي منافس جدي حتى الآن. وهي تتعاطى مع الأحداث من منطلق الراغب في التأثير فيها لكن المستعد أيضا لتقبل نتائج الأحداث أيا كانت من زاوية القدرة على التعامل معها.

صحيح أن أميركا اليوم تبدو أقل قدرة مما كانت قبل عقدين مثلا عندما انهارت المنظومة الاشتراكية ووقعت دولها فريسة سائغة لها، لكن يصعب الحديث عن تبلور قوى دولية قادرة بالمعنى الاستراتيجي على تحدي الهيمنة الأميركية وتأسيس نظام عالمي جديد غير قائم على وحدانية القطب ويتجه نحو تعدد الأقطاب. ومن المؤكد أن أميركا تضعف بينما تتعزز قوة دول أو كيانات أخرى من دون أن يعني ذلك أن التغيير في النظام الدولي قريب.

وربما لهذه الأسباب تبدو أميركا اليوم أشد تخبطا من أي وقت مضى في تعاطيها مع العديد من القضايا وخصوصا في منطقتنا. فحساب الأثمان القريبة أو اللاحقة لكل تصرف أميركي يجعلها تتخبط خصوصا أنها لم تفرغ بعد من دفع ثمن الحماقة في العراق. ولهذا السبب ورغم الحديث المتزايد عن ميل أميركي للتدخل العسكري في سوريا أو لقطع المعونة عن مصر يبدو أن الميل الغالب هو ترك الواقع يفرز النتائج وبعدها لكل حادث حديث.

وتظهر المقالات أدناه، محاولات بعض الإسرائيليين قراءة المواقف الأميركية تجاه المنطقة من منظور مختلف للمنظور السائد عن القوة الكلية القدرة.

انشر عبر