شريط الأخبار

الاقتصاد.. العقبة الأبرز أمام حكومة روحاني ..فرح الزمان أبو شعير

01:57 - 24 حزيران / أغسطس 2013

 ـ مركز الجزيرة للدراسات

ثماني سنوات ترأس فيها محمود أحمدي نجاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طبّق خلالها وحكومته العديد من الخطط الاقتصادية في محاولة لرأب الصدع بين تأثير الحظر الغربي على الداخل الإيراني بسبب برنامج البلاد النووي، وبين الاستمرار في سياسات خارجية محافظة متشددة في التعامل مع الغرب.

غادر نجاد القصر الرئاسي، وارتفع صدى حديث المسؤولين وإجماع الخبراء على أنه ترك ملفًا ثقيلاً على الطاولة، ليشكل اقتصاد البلاد اليوم التحدي الأكبر للرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني.

التركة الثقيلة

في كلمته الأولى أمام نواب مجلس الشورى الإسلامي بعد فوزه بكرسي الرئاسة، رأى روحاني فشل السياسات الاقتصادية لحكومة سلفه الرئيس أحمدي نجاد؛ حيث "لم تشهد إيران تقدمًا في نسبة النمو الاقتصادي منذ عامين؛ ما يجعلها المرحلة الأسوأ اقتصاديًا في البلاد منذ الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988).

وأشار روحاني إلى أن "إيران تشهد اليوم نسبة تضخم اقتصادي تصل إلى 42%؛ ما يجعلها نسبة مرتفعة للغاية إذا ما قورنت ببقية دول المنطقة، وربما بدول العالم بأسره"(1).

وبمقارنة الأرقام والمعلومات التي قدمها المسؤولون في حكومة الرئيس السابق بعد انتهاء ولايته، وتلك التي بدأ ينقلها بعض من عيّنهم روحاني في لجان مختصة لدراسة أوضاع البلاد الاقتصادية، ويوافق هؤلاء العديد من خبراء وأساتذة الاقتصاد، كانت النتيجة التشكيك بالأرقام والمعطيات الاقتصادية التي عرضها أحمدي نجاد كإنجازات خلال دورتيه الرئاسيتين في جلسة أخيرة مع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وكبار المسؤولين الإيرانيين(2).

كل هذا أدى بفريق روحاني المكلف بهذه المهمة للتخفيف من حجم توقعاتهم المتفائلة بحل سريع للأزمات الرئيسية للاقتصاد الايراني والتي تتلخص في تراجع النمو الاقتصادي، ونسبة التضخم العالية، والبطالة، والعجز الكبير في الموزانة.

النمو

تشير الأرقام إلى أن النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة لحكومة أحمدي نجاد شهد تراجعًا كبيرًا، ويتحدث مركز الدراسات التابع لمجلس الشورى الإسلامي عن عدم تجاوزه نسبة 0% خلال العامين الماضيين، ما يبتعد بالبلاد كثيرًا عن سكة تحقيق خطة عام 2025، والتي تهدف للارتقاء باقتصاد البلاد في كافة المجالات وتحقيق نسبة نمو اقتصادي تبلغ 8% حتى ذاك العام(3).

وقد عانى النمو الاقتصادي للبلاد من أزمات شديدة ولم يتطور الميزان التجاري بعدها، على الرغم من تحقيق عائدات نفطية كبيرة  بمقدار 720 مليار دولار خلال الأعوام الثماني الأخيرة، وهذا الرقم يفوق العائدات نفسها لحكومات ثلاثة رؤساء سبقوا أحمدي نجاد منذ انتصار الثورة الإسلامية، والتي بلغت بالمجمل 432 مليار دولار(4).

التضخم

يعد الارتفاع المطرد لنسبة التضخم إحدى المشكلات الأصلية التي ستواجهها حكومة روحاني؛ فالنسبة الأخيرة التي أعلن عنها البنك المركزي للعام الماضي خلال شهر يونيو/حزيران وصلت إلى 35%، وهذا يعني أن النسبة ارتفعت بمقدار 22% مقارنة بما كان قبل السنوات الثماني لحكم أحمدي نجاد(5) ولا تعكس هذه البيانات الرسمية الصورة الحقيقية لمعدل التضخم، وحسب مصادر أخرى فالأسعار ارتفعت بمقدار 45% خلال شهر يونيو/حزيران الماضي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الفائت، فبلغ معدل التضخم 41.7% أواخر شهر مايو/أيار الماضي، لتصبح النسبة التي أعلن عنها البنك المركزي لشهر يونيو/حزيران 45.1%(6).

معدل البطالة

ركز أحمدي نجاد خلال إعلانه عن "ميراثه" الاقتصادي لحكومة روحاني في جلسته الأخيرة مع نخبة البلاد، على قضية البطالة وإيجاد فرص العمل؛ يقول الرجل: إن متوسط معدل البطالة في البلاد يبلغ حاليًا 11,4%؛ ما يعني أنه انخفض عن معدلات البطالة للدورتين الرئاستين اللتين سبقتا توليه الرئاسة عام 2005(7)، لكن الأرقام التي تعود للتقرير الأخير لمركز الإحصاء الرسمي تشير إلى ما يناقض ذلك؛ فقد بلغت نسبة البطالة 27% خلال عام 2012 بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، فيما وصلت بين النساء من نفس الفئة العمرية إلى 43%(8)**

تدهور العملة المحلية

منذ أواخر عام 2011 فقد الريال الإيراني ثلثي قيمته أمام الدولار، نتيجة للعقوبات الغربية التي استهدفت القطاع المصرفي وصادرات النفط، فلم يعد بمقدور البلاد استلام عائداتها بالدولار، هنا واجه أحمدي نجاد انتقادات حادة لفشل حكومته في معالجة تدهور العملة، ووضع قيمة موحدة لسعر الصرف بين البنك المركزي والسوق السوداء، ورواج ظاهرة تبديل الأموال للعملة الصعبة، وهو ما تسبب بارتفاع أسعار السلع الأساسية وأرهق الاقتصاد.

رفع الدعم الحكومي

يُجمع الاقتصاديون الإيرانيون على أن تطبيق خطة رفع الدعم الحكومي للتوفير في ميزانية البلاد كانت ضرورية ولازمة، ولكن سرعة وطريقة تطبيق الحكومة السابقة للخطة دون تدارك تبعاتها أدت لنتائج سلبية أكثر من اللازم(9)، ويترك هذا الأمر تحديات لحكومة روحاني، تتعلق باستمرار الخطة، وبرفع حصص الدعم التي تُقدم للمواطنين، والأهم معالجة آثارها السلبية على الإنتاج، والتي تمثلت بارتفاع أسعار المحروقات والمواد الخام.

ميزانية الحكومة

إن أكبر مشكلة تواجه فريق روحاني هي الميزانية الموروثة عن حكومة أحمدي نجاد، وحسب كبير مستشاري روحاني ورئيس فريقه الانتقالي أكبر توركان، فإنه لم يستطع العثور على مصادر موثوقة بشأن الإيرادات بالنسبة لـ 38% من النفقات الحكومية(10)، كما أن التحدي الأصعب للحكومة الجديدة هو كيفية التحكم في التضخم مع أوضاع مالية عامة في هذه الحالة من الفوضى؛ إذ إن لائحة الميزانية الأخيرة لحكومة نجاد تساعد على زيادة نسبة التضخم أكثر(11).

برنامج روحاني الاقتصادي

غداة فوزه بالرئاسة شكّل روحاني أربع لجان، تتألف من عشرات الخبراء والمتخصصين، الأولى تتعلق بالاقتصاد، والثانية والثالثة بالسياستين الخارجية والداخلية، والرابعة تتعلق بالشؤون الاجتماعية والثقافية.

سيُجري هؤلاء الخبراء عملية تقييم لحالة البلاد تمهيدًا لإعلان الحكومة الجديدة عن تفاصيل المشكلات بعد مئة يوم من تكليفها بشكل رسمي.

ورغم أن التوقعات تصب لصالح أن يسعى روحاني لحل مشاكل اقتصاد الداخل بإنعاش العلاقات مع الخارج، إلا أنه سيحاول الاستعانة بفريق متخصص لترميم ما أمكن من بنية اقتصاد مرهق.

ويرى كثيرون أن روحاني الشخصية المعتدلة والمقربة من الإصلاحيين وصاحب كتاب (الأمن القومي والنظام الاقتصادي لإيران) كان الأدرى بين منافسيه من مرشحي الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالوضع الاقتصادي للبلاد، وهو يؤمن بأن وظيفة الحكومة هي الإشراف على تطبيق الخطط وليس التدخل المباشر بملفات الاقتصاد، وهو ما يناقض الفكر النجادي، ولعل البلاد بحاجة إلى تجربة من هذا النوع، ففتح السوق أمام المستثمرين وإنعاش الخصخصة قد يلعب دورًا إيجابيًا خلال هذه المرحلة.

لن يسير روحاني على الخطى الاقتصادية لحكومة أحمدي نجاد، رغم أنه لن يستغني عن معظم الخطط التي طرحها سلفه وتم التصويت عليها سابقًا في البرلمان، فلا خيار بديلًا عنها، وعلى رأسها خطة رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع الاستراتيجية والمحروقات؛ فعلى إيران أن توفر في ميزانيتها لتواجه سلسلة العقوبات، ولكن ما يجب أن يتغير هو طريقة إدارة الخطط، وسيكون على حكومة روحاني ومستشاريه الاقتصاديين إيجاد نوع من التوازن المالي، فحتى لو ارتفعت أسعار المحروقات على سبيل المثال فمن المفترض أن يكون هناك بدائل لمعالجة الوضع بسرعة دون التأثير سلبًا على التضخم(12).

خطط اقتصادية

وأمام روحاني خيارات وخطط اقتصادية عدة تُقسّم لآنية، وقصيرة وبعيدة المدى(13):

• أولاً: وأهم هذه الخطط على الصعيد الآني، حل مشكلة عجز الميزانية والتي تعد أهم سبب للتضخم الاقتصادي في البلاد؛ فالعجز في الميزانية يقدر بـ30 مليار دولار(14)، والأهم هنا هو السعي لتأمين الموارد المالية للحكومة الجديدة في ظل نقص الموارد الناجم عن الركود وانخفاض العائدات النفطية بسبب العقوبات، ونقص العوائد الجمركية. ويشدد رئيس لجنة الميزانية في البرلمان مصباحى مقدم، والمستشار الاقتصادي لروحاني محمد باقر نوبخت وسواهما من الخبراء والمعنيين، على أهمية أن تقوم الحكومة الجديدة بإصلاح لائحة الميزانية الحكومية "غير الواقعية" والتي قُدمت للبرلمان الإيراني خلال الأشهر القليلة الفائتة، بحيث تطابق الواقع والتكاليف الحقيقية وتتناسب والعائدات(15).

• ثانيًا: ويتمثل ثاني هذه الخطط في إنهاء الوضع الحالي القائم بوجود أكثر من قيمة للريال أمام الدولار، ووضع قيمة موحدة محددة معقولة ومنطقية، ووضع حد للسوق الحرة السوداء للتصريف.

• ثالثًا: التحكم بالتضخم من خلال التحكم بالسيولة، والتقليل من اقتراض البنوك من البنك المركزي، وكانت حكومة نجاد قد زادت أسعار الفائدة على الودائع إلى ما بين 12 إلى 14%؛ الأمر الذي سيعيد المودعين إلى البنوك الإيرانية، بعد أن أدى انخفاض الفائدة مقارنة بالتضخم إلى هجرة المودعين لحماية مدخراتهم باستبدال الذهب والعملات الأجنبية بمدخراتهم من العملة الإيرانية، كما أن عودة السيولة للبنوك سيمكّنها من إقراض الشركات، وكل ذلك سيكون مفيدًا لخطة روحاني على المدى البعيد(16).

• رابعًا: تنظيم خطة رفع الدعم الحكومي؛ فخطة نجاد كانت تقوم على بيع النفط بأسعار فائدة عالية وتوزيع  رواتب الدعم الحكومي نقدًا للمواطنين؛ الأمر الذي يزيد عجز الميزانية ويرفع نسبة التضخم ويضر بالصناعات الصغيرة. ويعتبر روحاني "أن الرواتب التي يحصل عليها المواطنون، وقيم السلع الاستراتيجية التي رُفع عنها الدعم الحكومي متباينة للغاية، ولم يتم حتى الآن تصويب قانون تعديل قيمة المحروقات ليتناسب وقانون رفع الدعم الحكومي"(17)؛ وهي الخطوة التي يُتوقع أن يُقدم عليها لاحقًا.

محددات داخلية

لدى روحاني فرص قوية للنجاح اقتصاديًا، لكن من المؤكد أنه سيواجه العديد من القيود والتحديات الداخلية، فعليه أن يعيد ترتيب الأوراق جيدًا في علاقاته مع مؤسسات الحكم في إيران حتى ينجح في الوفاء بوعوده الاقتصادية.

العلاقة مع مجلس الشورى الإسلامي

ورث روحاني أشهرًا من الصراع القاسي بين البرلمان -الذي يسيطر عليه المحافظون- وحكومة أحمدي نجاد، كان أحد أهم أسبابه سياسات الرئيس السابق في التعامل مع ملفات الداخل، وخروجه عن التيار الفكري للمحافظين التقليديين. يحاول روحاني اليوم الخروج من تلك المرحلة، فهو يعلم أن البرلمان يلعب دورًا رئيسيًا في تمرير وإقرار الخطط التي يعتزم تطبيقها.

يعد رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني، والهيئة الرئاسية للبرلمان من الشخصيات المحافظة الداعمة لروحاني، هم محافظون محسوبون على خط الوسط، والرئيس روحاني يسعى لتقريب المسافة بين الحكومة والبرلمان، ولكن يجب اللعب على وتر تناغم أكبر مع من يقفون بالمرصاد للحكومة، ومع محافظين يشكّلون أكثر من نصف مقاعد البرلمان ولا يدعمون الطيف الذي أتى منه روحاني -وهو خط الوسط والاعتدال الذي ليس من الإصلاحيين التقليديين ولا هو من المتشددين(18). وقد يقف هؤلاء بوجه أفكار التغيير والاعتدال سواء ما يتعلق منها بالداخل (كدعم القطاع الخاص على حساب الحكومي) أو حتى الانفتاح نحو الخارج.

مع هذا يُتوقع أن يحاول روحاني استمالة المحافظين المسيطرين على البرلمان، مستفيدًا من خصومتهم مع أحمدي نجاد والمحافظين الجدد من أنصاره الذين لن ينسحبوا من الساحة بسهولة، بل سيقفون هم كذلك بوجه خطط روحاني، ولكن العدد والثقل الأكبر هو لأولئك المحافظين المنتقدين للتيار النجادي ومن معه من المحافظين الجدد.

وهناك تخوف من أن يقف بعض الإصلاحيين التقليديين بوجه بعض الخطط التي ستساعد في حلحلة بعض المشكلات المعيشية والاقتصادية. وخلال حكم الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي كان أفراد هذا الطيف يرفضون تقديم بعض الخطط للبرلمان الايراني للموافقة عليها، قائلين: إن البرلمان يجب أن يناقش بعض المشاكل الأساسية، وليس تفاصيل الخطط وجزئياتها(19).

وبالمقابل فإن بعض المحافظين التقليديين الذين لم يتقبلوا انتخاب روحاني، بدأوا بالبحث مبكرًا عن أسباب ومبررات لعدم تأييد صلاحية الوزراء الذين سيختارهم الرئيس الجديد(20)، ولكن روحاني قرر الابتعاد عن تسمية أية شخصية جدلية، فتكون بداية شد وجذب جديدة هو بغنى عنها خلال هذه المرحلة.

توقعات المجتمع

تتطلب المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الايراني وقتًا لحلها، ولا شك في أن بعض آمال المواطنين في إمكانية  اجتراح روحاني لحلول سريعة تبدو غير واقعية، فأمام الحكومة مشاكل كبيرة تتطلب التصرف بعقلانية، وتوقع الحلول السريعة قد يزيد من عامل الضغط على الحكومة، والأهم هو أن تنفيذ الخطط يتطلب وقتًا ومجهودًا،  وتأخر النتائج الإيجابية قد يقيم من قبل المواطنين على أنه فشل، والحل هو التعامل والترويج لحلول المشكلات بواقعية أكثر(21).

انسحاب الشركات الأجنبية ودور الحرس الثوري

يصف الحرس الثوري الإيراني علاقاته بالحكومات السابقة بالجيدة، وعندما يُسأل أفراده عن دورهم في إدارة المؤسسات الاقتصادية للبلاد، يجيبون بأن الموضوع ليس تدخلاً، بقدر ما إنه تلبية للمساعدة بإنجاز بعض المشاريع بعد انسحاب العديد من الشركات الأجنبية من إيران بسبب الحظر الذي فُرض على البلاد خلال حكم الرئيس أحمدي نجاد. ولا ينفي المتحدث باسم الحرس أن العلاقة ستكون جيدة وضمن إطار قانوني مع حكومة روحاني(22)، ولكن أي تشنج يخص هذا الموضوع قد يخلق فجوة كبيرة مع إحدى أهم مؤسسات البلاد.

خيارات روحاني الخارجية

يعرف روحاني أن المضي في سياسة المواجهة الحادة مع الغرب التي انتهجها سلفه ستزيد الوضع الاقتصادي تعقيدًا، ولعل الحلول الأساسية لمعضلات الاقتصاد تنطلق بالأساس من هذه النقطة، وهنا سيكون عليه كما يقترح محللون إيرانيون الاستفادة من مهارة روحاني الدبلوماسية والالتفات لخيارات عدة في سياسته الخارجية.

ولابد من إدراك أهمية الدبلوماسية الاقتصادية والتعرف على مفاتيح الاقتصاد السياسي؛ فعلاقات الدول تبدأ من نقطة شراكة اقتصادية، وهذا يتطلب كذلك إعادة صياغة للجهاز الدبلوماسي والأخذ بعين الاعتبار أهمية الأشخاص الذين يعملون في الخارجية، وهو ما فُقد في الدورة الرئاسية السابقة، فعلى روحاني التنبه إلى أهمية العلاقات الثنائية ولاسيما مع بعض الدول الغربية، وإذا كانت المفاوضات النووية مع دول 5+1 ستشكل أولوية للحكومة الجديدة، إلا أن الروابط مع تلك الدول كل على حدة تستطيع أن تؤثر إيجابًا على طاولة الحوار.

إن وضعَ الرئيس مسألة إنهاء الحظر على البلاد نصب عينيه للانطلاق نحو الخطط الترميمية للاقتصاد، بدءًا من القطاع المالي لرفع العقوبات المفروضة على البنك المركزي أولاً، لإعادة التداول والحصول على عائدات البلاد النفطية وغير النفطية بالدولار، فهذا سيساهم بإنجاح الخطط الفورية الداخلية.

وسيساعد فتح المجال في السوق الداخلية أمام الإيرانيين المقيمين في الخارج، والذين يستطيعون المساعدة في عملية إنعاش الاقتصاد، إما بتفعيل علاقاتهم الاستثمارية مع تلك البلدان، أو بجذب رؤوس الأموال إلى الداخل، بشكل أو بآخر على تشجيع دور السياحة والتي لها دور كبير في النمو الاقتصادي للبلاد(23)، والأهم أنها تؤمّن فرص عمل للشباب فتحل بعض المشاكل المعيشية، ولكن الأمر يتطلب جذب السياح كذلك، وتقوية العلاقات مع الخارج، ودعم القطاع الخاص(24).

ولعل هذا الخيار مضافًا إليه محاولة تطوير العلاقات مع دول الجوار سيكون أقل تكلفة من تجربة الحكومة السابقة بالتوجه نحو الأسواق البعيدة فقط لالتقائها معها سياسيًا، هنا سيكون أمام روحاني خيار تعزيز المصالح ولكن دون المساس بما تعتبره إيران خطًا أحمر وهو أمنها القومي.

قد يواجَه تحقيق ما سبق بمحددات عدة تتلخص بأن الأمن القومي للجمهورية الإسلامية وصياغة العلاقات مع الخارج لا يتعلق فقط بالسلطة التنفيذية، وإنما يصاغ بمبادئ تحددها مؤسسة المرشد وحتى المجلس الأعلى للأمن القومي، وإن أراد روحاني التقارب مع الخارج فعليه بداية تحقيق الانسجام بين مؤسسة الرئاسة والقيادة وتقريب المسافة بينهما، فلا يخفى على أحد المواقف المتباينة من طبيعة العلاقات مع الغرب من قبل النخبة الإيرانية(25).

يضاف إلى ما سبق المتغيرات في المنطقة، ولاسيما الأوضاع في سوريا ومصر، ومؤشر السياسة الخارجية الإيرانية لن يتحرك دون حساب، كما لا يمكن التفاؤل كثيرًا وتوقع حلحلة سهلة لبرنامج نووي تعدت فيه طهران مرحلة التخصيب، والقضية أصبحت تحمل بُعدًا قوميًا، وبات على روحاني أن يجد خيارات تفاوض تنتشل البلاد من دائرة الحظر الاقتصادي، وتبتعد عن المواجهة الحادة مع الغرب، ولكن دون التنازل عن إيران نووية.

نتيجة

لا تتوقع تقديرات الخبراء تحسن الوضع بغضون أسابيع ولا حتى أشهر من بعد استلام روحاني لمنصبه الجديد، وإنما قد يحتاج الأمر لعام أو حتى عامين للبدء بلمس النتائج عمليًا. وحتى هذا التفاؤل بانتشال إيران من دوامة اقتصاد متدهور مع مرور الوقت قد يواجَه بتحديات داخلية وخارجية، يجب التعامل معها بحكمة وعقلانية، ولكن يجب التأكيد على أن وضعًا اقتصاديًا جيدًا نسبيًا لا يمكن تحقيقه دون التعامل مع ملف الحظر الغربي.

وتحتاج السياسة الخارجية الناجحة لإيران خلال المرحلة المقبلة، الابتعاد عن إطلاق الشعارات، وتبدأ الخطوة الأولى من تحقيق انسجام داخلي بين مؤسسات القيادة في البلاد، فعلى روحاني التقريب بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة المرشد، كون العديد من الأمور في السياسة الخارجية ليس من صلاحياته وحده(26).

ومن المهم أيضًا محاولة التقارب مع دول الجوار وحياكة علاقات أفضل مع أطراف تؤيد عزل إيران للحد من دورها في المنطقة، وترى في العقوبات كبحًا لجماح إيران نووية، كما يجب التنبه إلى أنه لا يمكن لإيران أن تتجاهل ملفات إقليمية كالوضع في سوريا أو حتى الحديث عن تسوية إسرائيلية-فلسطينية، في وقت لا ترغب فيه الولايات المتحدة كذلك بفتح النار على إيران وهو ما تريده إسرائيل.

وسيكون أمام روحاني فرصة لفتح ملف العلاقات مع السعودية، وربما الانضمام لطاولة تفاوض أميركية قد لا تناقش العلاقات الثنائية مبدئيًا ولكنهاستفتح موضوعات حساسة تعني البلدين في المنطقة، وكل هذا سينعكس إيجابًا على الوضع الداخلي للبلاد.

______________________________________

فرح الزمان أبو شعير - باحثة متخصصة بالشأن الإيراني

الهوامش

(1) ديدار رئيس جمهور منتخب با نمايندگان مجلس شوراى اسلامى (لقاء الرئيس المنتخب مع نواب مجلس الشورى الإسلامي)، موقع مركز الدراسات الاستراتيجية لمجمع تشخيص مصلحة النظام، 23 تير 1392، 14يوليو/تموز 2013 http://www.csr.ir/

(2) محمد عدلي، روايت نماگرهاى اقتصادى از 8 سال گذشته (سرد المؤشرات الاقتصادية للسنوات الثماني الماضية)، صحيفة همشهرى، عدد 6030، مرداد 1392، 28 يوليو/تموز 2013 http://www.hamshahrionline.ir/

يمكن الاطلاع أيضا على:

احمدي نجاد در گزارش عملكرد مشروح از خدمت دولت هاى نهم ودهم (أحمدي نجاد في التقرير المفصل عن إنجازات الحكومتين التاسعة والعاشرة)، صحيفة ايران، عدد 5422، 2 مرداد 1392، 24 يوليو/تموز 2013

http://www.iran-newspaper.com/

(3)،(4)،(5) الإحصاءات والأرقام المذكورة تم تقديمها في تقرير (رواية المؤشرات الاقتصادية للثماني سنوات الماضية). للمزيد انظر المصدر (2).

(6) تورم خرداد ماه 45.1%، (تضخم شهر خرداد/مايو أيار بلغ 45.1%)، موقع رويش نيوز، 4 مرداد 1392، 26 يوليو/تموز2013

http://rooyeshnews.com/

(7) احمدي نژاد ميراث اقتصادى اش براى دولت روحانى را اعلام كرد،(أحمدي نجاد أعلن عن ميراثه الاقتصادي لحكومة روحاني)، موقع وكالة أنباء مهر،31 تير 1392، 22 يوليو/تموز 2013

http://www.mehrnews.com/

(8) مستندات امار بيكارى حسن روحانى چه بود؟ (ما هي أدلة حسن روحاني على معدلات البطالة؟) صحيفة اعتماد، عدد 2731، 29 تير 1392،20 يوليو/تموز 2013

http://www.magiran.com/

**  بناء على تقرير حكومي فإن معدل البطالة عام 2005 كان 11.5%، ووصل إلى 11.9% عام 2009، وحتى عدد العاملين الذي بلغ عام 2005 عندما استلم نجاد الحكم كان 675 ألف شخص، وصل بعد عام أي عام 2006 إلى 786 ألف شخص، ولكن الرقم عاد ونزل مجددًا إلى 612 ألف شخص في العام 2008، أي أنه في العام الرابع لحكم نجاد أي بين (2008-2009) كان قد وعد بتأمين مليون فرصة عمل لعاطلين عنها ولا يجدونها، تم تأمين 358 ألفًا أي تحقيق 35.8 % من هدف برنامجه، ورغم أنه حاول أن يحقق الأمر إلا أنه في السنة الرابعة من رئاسته تراجعت الأرقام بشكل ملحوظ ومنذ ذاك العام بدأ التزايد المطرد لنسبة البطالة في إيران.

(9) هدفمندى يارانه ها چالش اساسى دولت يازدهم، (رفع الدعم الحكومي: التحدي الأساسي للحكومة الحادية عشر)، موقع افتاب، 1 مرداد1392، 23 يوليو/تموز 2013

http://www.aftabir.com/

 (10) اکبر ترکان: وضع اقتصاد خراب‌ تر از آن است که تصور مي‌کرديم/چالش اول روحاني تامين کالاهاي اساسي است، (أكبر تركان: الوضع الاقتصادي أسوأ مما كنا نتخيله/التحدي الأول لروحاني يتمثل بتأمين السلع الأساسية)، موقع خبر أونلاين،23 تير 1392، 14 يوليو/تموز 2013

http://www.khabaronline.ir/

(11) نخستين اقدام دولت جديد تقديم اصلاحيه بودجه به مجلس باشد، (يتوجب أن تكون الخطوة الأولى للحكومة تقديم مشروع إصلاح الميزانية للبرلمان)، 29 تير 1392، 20 يوليو/تموز 2013

http://mehrnews.com/

(12) بگذاريد اقتصاد نفسى بكشد، (دعوا الاقتصاد يتنفس)، حوار لإبراهيم علي زاده مع أحد خبراء الاقتصاد سعيد ليلاز، عدد 2248، 7 مرداد 1392،29 يوليو/تموز 2013

http://armandaily.ir/

(13) جهانگير اموزگار، پيشنهادهاي عضو سابق صندوق بين المللي پول به روحاني براي حل مشکلات اقتصادي ايران، (اقتراحات العضو السابق في صندوق النقد الدولي لروحاني لحل المشكلات الاقتصادية لإيران)، موقع ألف، 6 مرداد 1392، 28 يوليو/تموز 2013

http://alef.ir/

(14) انظر المصدر (2).

(15) مشاور رئيس جمهور خبر داد: اصلاح بودجه 92 نخستين اقدام روحاني، (مستشار الرئيس أعلن عن أن إصلاح لائحة الميزانية ستكون أولى إجراءات روحاني)، صحيفة اعتماد، عدد 2735، 2 مرداد 1392، 24يوليو/تموز 2013

http://www.magiran.com/

(16) جواد صالحي أصفهاني، بطالة.. تضخم.. نقص موارد الميزانية: تحديات جبارة أمام حسن روحاني،و كالة إنتر بريس سيرفس

http://ipsinternational.org/

(17) انظر المصدر (1).

(18) انظر المصدر (13).

(19) اصلاح طلبان نگذاشتند از مشكلات معيشي مردم بكاهيم، (الإصلاحيون لم يسمحوا بتقليل مشكلات المواطنين المعيشية)، وكالة أنباء فارس، 31 تير 1392، 22 يوليو/تموز 2013

http://www.farsnews.com/

(20) ميخواهند حلقه انتخاب روحانى را تنگ كنند، (يريدون تضييق الدائرة حول روحاني)، موقع عصر إيران، 5 مرداد 1392، 27 يوليو/تموز 2013

http://www.asriran.com/fa/news/

 (21) اميد دادن به مردم اشتباه است، (منح الأمل للناس أمر خاطئ)، صحيفة ايران، عدد 5413، 23 تير 1391،14 يوليو/تموز 2013

http://www.magiran.com/

(22) تعامل سپاه با دولت اينده چگونه خواهد بود، (كيف سيكون تعامل الحرس الثوري مع الحكومة القادمة؟)، موقع تابناك، 31 تير1392، 22 يوليو/تموز 2013

http://www.tabnak.ir/fa/news/

(23) دومان سهند، راهبردي براى خروج از بن بست، (استراتيجية للخروج من الطريق المغلق)، صحيفة بهار، عدد 179، 1 مرداد 1392، 23 يوليو/تموز 2013

http://baharnewspaper.com/

(24) حوار مع محمد رضا بوينده رئيس هيئة السياحة في الفريق الانتخابي لروحاني، دولت روحاني ووضعيت مبهم گردشگرى، (حكومة روحاني والوضع المبهم للسياحة)، صحيفة آرمان، عدد 2247، 6 مرداد 1392، 28 يوليو/تموز 2013

http://www.armandaily.ir/

(25) انظر المصدر (13).

(26) محمود سريع القلم، اولويت هاى دولت جديد، (أولويات الحكومة الجديدة)، صحيفة آرمان، عدد 2247، 6 مرداد 1392، 28 يوليو/تموز 2013

http://www.armandaily.ir/

انشر عبر