شريط الأخبار

حماس بين حزب الله ـــ إيران ومعسكر الاعتدال السني.. عبد الباري عطوان

08:35 - 20 تشرين ثاني / أغسطس 2013


اعترف بأنني لم ارتح لقرار قيادة حركة حماس باغلاق مقرها الرئيسي في دمشق، وقطع جميع علاقاتها مع حلفائها في طهران وبيروت (حزب الله) ليس دفاعا عن هؤلاء، وانما لعدم ثقتي في البديل العربي المعتدل الذي يشكل تناقضا استراتيجيا مع مواقفها وقيمها ونهج المقاومة الذي تتبناه، اولا، وحتى لا نتهم كفلسطينيين بنكران الجميل، فلماذا تقطع حماس علاقاتها مع ايران وتعاديها بشراسة في وقت تعتبر فيه السفارات الخليجية في طهران هي الاضخم بين قريناتها، ويحظى فيه زعماء ايران بحفاوة واستقبال الابطال اثناء زياراتهم لهذه الدول.

كلامي هذا لن يعجب الكثيرين في اوساط ما يسمى بالجناح 'البراغماتي' المعتدل داخل الحركة، كما انه سيثير غضب بعض الاخوة الاسلاميين المتشددين الذين يرون في ايران وسورية وحزب الله اعداء من منطلقات مذهبية، ولكن من واجب المرء ان يكتب ويحلل ويعبر عن وجهة نظره دون تردد في مثل هذه المرحلة الخطرة التي تقف فيها الامة على فوهة بركان، قد يكون من ابرز نتائجها اشعال فتيل حرب طائفية يقتتل فيها المسلمون ابناء العقيدة الواحدة، وتتعرض بلدانهم للدمار ومن ثم التفتيت.

بعض قيادات حركة حماس تسرعت في مواقفها بتبني قراراتها، ولم تنظر للامور من منظور استراتيجي بعيد النظر، او هكذا نعتقد، وغلبت عليها الاعتبارات المذهبية، التي تقدمت عما عداها من اعتبارات اخرى، الامر الذي ادى الى وقوعها في المأزق الحالي الذي تعيشه، حيث وجدت نفسها دون حلفاء تقريبا، ومحاصرة في قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، وقياداتها مشتتة في عواصم عربية عدة، وانفاقها مدمرة او مغلقة، وتواجه حملات اعلامية شرسة في القاهرة تشوه صورتها، وكل الفلسطينيين من خلفها.

عندما كنت في العاصمة الاردنية عمان مطلع العام 2012 ساعة اعلان قرار الحركة بمغادرة دمشق، وسط ضجة اعلامية كبرى مؤيدة ومتعاطفة بسبب حالة الاستقطاب على ارضية العداء المطلق للنظام السوري وحلوله الامنية التي اودت بارواح عشرات الآلاف، اتصل بي احد قادة حركة حماس وطلب مقابلتي لشرح الدوافع الحقيقة لهذا القرار ولخصها في اربعة:

اولا: شعور قيادة الحركة بعدم الامان بسبب رجحان كفة الثورة السورية ومقاتليها على الارض، وتراجع فرص النظام في البقاء.

ثانيا: توصل هؤلاء، اي بعض قادة حماس، الى قناعة راسخة بحتمية العودة الى البيت السني، واتباع نهج التيارات الاسلامية العربية التي تعادي النظام السوري، وتعمل من اجل سقوطه بكل الطرق والوسائل لانه يشكل خطرا على الامة وليس على سورية فقط.

ثالثا: ممارسة النظام السوري ضغوطا شرسة على قيادة الحركة المقيمة في دمشق من اجل الوقوف الى جانب النظام تحت عنوان مواجهة المؤامرة التي يتعرض لها من قوى غربية واسرائيلية.

رابعا: حركة حماس كثورة وحركة مقاومة ضد الاحتلال لا يمكن الا ان تقف في خندق الثورات العربية، وان تنحاز للشعوب العربية المقهورة الثائرة على الديكتاتوريات القمعية.

اتفقت مع هذا المسؤول الصديق في بعض النقاط والتوجهات، واختلفت مع بعضها الآخر، وانتقدت الطريقة التي جرى من خلالها الاعلان عن اغلاق المقرات في دمشق، وتمنيت لو قطعت الحركة الطريق على من ارادوا توظيف قرار الاغلاق هذا اعلاميا بطريقة بشعة لا تخدم القضية الفلسطينية، التي هي قضية المسلمين جميعا بغض النظر عن مذاهبهم، وكان من الطبيعي ان لا ترضي هذه الانتقادات المسؤول الصديق، فعلامات الامتعاض كانت بادية على وجهه، ولكنه احترم وجهة نظري هذه، ولم تتأثر علاقات الصداقة بيننا، واستمر حبل الود سميكا حتى هذه اللحظة.

الآن وبعد عامين من قطع شعرة معاوية مع المعسكر الآخر، الحلفاء القدامى في معسكر 'الممانعة' تتردد انباء عن وجود اتصالات مكثفة بين حركة حماس والجمهورية الايرانية لاعادة وصل ما انقطع، وربما يؤدي الى زيادة الدعم المادي والعسكري واللوجستي للحركة.

صحيفة 'الديلي تليغراف' البريطانية كشفت ان الدكتور موسى ابو مرزوق عضو المكتب السياسي في حركة حماس ونائب امينها العام سابقا (اطيح به من المنصب اثناء الانتخابات قبل ثلاثة اشهر) زار بيروت واجرى مفاوضات مع مسؤولين ايرانيين في مقر سفارتهم في بيروت لاعادة توطيد العلاقات على ارضية مقاومة الاحتلال، ووجد تجاوبا كبيرا في هذا الصدد.

السيد احمد يوسف، شيخ 'الجناح المعتدل' في حركة حماس كشف قبل ايام عن اتصالات تجريها الحركة مع 'الاشقاء الايرانيين' لاعادة العلاقات بين الجانبين الى صورتها السابقة.

شرحنا اسباب الحركة لقطع العلاقات مع معسكر الممانعة، والآن لا بد من شرح الاسباب التي ادت الى هذا الانقلاب الجديد وغير المفاجئ لاعادة المياه الى مجاريها ويمكن تلخيصها في الاسباب التالية:

اولا: اطاحة نظام حركة الاخوان والرئيس محمد مرسي رأس حربته في القاهرة واعتقال معظم رموز الحركة، واشهار الحكم العسكري لسيف العداء لحماس، وتحميلها مسؤولية كل مصائب مصر، واعتقال كل من يتصل بها باعتبارها وليس اسرائيل الخطر الاكبر على الامن القومي المصري بمن في ذلك الرئيس مرسي.

ثانيا: تشديد الحصار المالي والاقتصادي والسياسي على حركة حماس من قبل السلطات وتجفيف كل قنوات الدعم المادي لها.

ثالثا: اتخاذ السعودية زعيمة المعسكر السني العربي، والامارات الحليفة الرئيسية للانقلاب في مصر الى جانب الاولى، مواقف عدائية تجاه حماس باعتبارها جزءا اصيلا من تكوين حركة الاخوان المسلمين، فالسيد خالد مشعل زعيم الحركة لم يتلق اي دعوة لزيارة اي من البلدين، ولا اي دولة عربية اخرى اخيرا، وظلت طائرته لا تغادر الدوحة الا في اتجاه القاهرة فقط، وحتى هذه الاخيرة اغلقت اجواءها في وجهه منذ اطاحة الرئيس مرسي.

رابعا: تصاعد الانباء عن احتمالات استغال اسرائيل للقطيعة والعداء بين مصر وحماس لشن هجوم على قطاع غزة.

خامسا: تحرك الرئيس محمود عباس بسرعة للاستفادة من تغير الاوضاع في مصر وتوثيق علاقاته مع حكومة الانقلاب واستئناف المفاوضات مع اسرائيل برعاية امريكية.

حركة حماس كحركة سياسية الى جانب كونها حركة عقائدية اسلامية، مطالبة بتوفير الاحتياجات الاساسية لاكثر من مليوني انسان تحت حكمها في قطاع غزة، وبات عليها ان تتصرف بواقعية من حيث محاولة فتح قنوات دعم قديمة ماديا وعسكريا، والتعاطي مع التغيرات السياسية البركانية في المنطقة بطريقة ذكية بعيدا عن الاعتبارات العاطفية.

عرب الاعتدال الذين بدأ معسكرهم بعد فشل الثورات العربية في اقامة البديل الديمقراطي في معظم الدول التي انفجرت فيها بفضل المخططات الغربية التي حرفتها عن مسارها، هؤلاء خذلوا حركة حماس مثلما خذلوا القضية الفلسطينية قبلها، ولم يقدموا لها اي دعم مادي او عسكري.. لم يقدموا لها بندقية صيد، وهم الذين يقدمون صواريخ مضادة للدبابات والطائرات واسلحة متطورة جدا للثورة السورية وفصائلها.

السؤال هو: هل التحركات الجديدة لحماس هذه مؤشرات صحوة مؤقتة، ام تغير استراتيجي جذري؟ من المفضل عدم اصدار احكام متسرعة، والتريث ريثما يهدأ غبار هذه الاتصالات، وتظهر الحقائق على الارض واضحة جلية.

انشر عبر