شريط الأخبار

مفاوضات من أجل المفاوضات..حصادها مرّ- هاني المصري

10:02 - 01 حزيران / أغسطس 2013

استؤنفت في واشنطن المفاوضات الفلسطينية “الإسرائيلية” من خلال جلسة تمهيديّة تستهدف الاتفاق على الأسس وجدول الأعمال.  مفاوضات واشنطن تعتبر نجاحاً لجهود جون كيري بعد قيامه بست جولات مكوكيّة التقى فيها بالزعماء الفلسطينيين و”الإسرائيليين” وعدد من زعماء المنطقة.

الصيغة التي استؤنفت المفاوضات على أساسها جاءت غريبة وغامضة لإخفاء استمرار الخلافات حول مرجعيّة المفاوضات وتجاوزها للشروط الفلسطينيّة، التي رددت القيادة الفلسطينيّة طوال سنوات أنها لن تشارك في مفاوضات من دون تلبيتها.

استعاضت القيادة الفلسطينيّة عن الحصول على التزام “إسرائيلي” بأن يكون أساس المفاوضات حدود 1967 وتجميد الاستيطان بالحصول على ضمانات أمريكيّة حول هذين الأمرين، وأن تركز المفاوضات على الحدود والأمن، وأن تنتهي خلال ستة إلى تسعة أشهر، وأن تشارك الإدارة الأمريكيّة في المفاوضات مباشرة.  أما مسألة الإفراج عن الأسرى، وهو الشرط الفلسطيني الثالث، فلا تزال القيادة الفلسطينيّة تأمل بتلبيته، خصوصاً بالنسبة للإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو من دون استثناء ودفعة واحدة، وليس على أربع دفعات.

القصة بدأت عندما قُدمت مبادرة أمريكيّة لاستئناف المفاوضات العلنيّة بعد إعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية وتعيين جون كيري وزيراً للخارجيّة، لأن المفاوضات السريّة تكاد لم تنقطع في السنوات القليلة الماضية رغم الإعلان الفلسطيني المتكرر عن رفض استئناف المفاوضات من دون تلبية الشروط الفلسطينيّة الثلاثة.

كيري كان واضحاً منذ البداية بتأكيد ضرورة استئناف المفاوضات بلا شروط كما تطالب الحكومة “الإسرائيليّة”، ولكنه حاول تليين الموقف “الإسرائيلي” لحفظ ماء وجه القيادة الفلسطينيّة، وعندما فشل في ذلك استدار كعادة الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة للضغط على الفلسطينيين، وبدأت “سبحة” التنازلات الفلسطينيّة الجديدة تكر.

تجريب المجرّب

هناك أسئلة عديدة تطرح نفسها. .  سنحاول الإجابة عنها قدر الإمكان:

 السؤال الأول: لماذا تعيد القيادة الفلسطينيّة تجريب المجرب بالرغم من أن المعروض عليها سيئ جداً ولا يلبي شروطها المتواضعة، ورغم أن الظروف التي ستستأنف المفاوضات فيها أسوأ؟ فالحكومة “الإسرائيليّة” أسوأ من سابقاتها، والوضع الفلسطيني ضعيف وفي حالة انقسام عميق، والتغييرات العربيّة همشت القضيّة الفلسطينيّة وأثارت، حتى الآن على الأقل، من التحديات والمخاطر أكثر من الفرص، وهناك لا مبالاة دوليّة لا تسمح بدور دولي فعال وضاغط على “إسرائيل”، كما أن الإدارة الأمريكيّة ليست بوارد الضغط الجدي على “إسرائيل”، لأن مكانتها في الاستراتيجيّة الأمريكيّة ازدادت أهميّة بعد الزلزال الذي تشهده المنطقة، الذي أثبت أن “إسرائيل”  الحليف المضمون والمستقر والدائم.

 إن ما يدفع القيادة الفلسطينيّة إلى إعادة إنتاج خيار المفاوضات بالرغم من الحصاد المرّ له أنها لا تؤمن سوى بهذا الخيار، وأن السلطة وليدة هذا الخيار، وتستمد الدعم وجزءاً كبيراً من شرعيتها ما دامت مستمرة به، وما يدفعها إلى مواصلة نفس الطريق خشيتها من العقوبات الأمريكيّة و”الإسرائيليّة” في وقت تعاني فيه من أزمة ماليّة واقتصاديّة، إذا استمرت ستؤدي إلى انهيار السلطة، وبالتالي فإن المليارات الأربعة التي لوح كيري بها إذا استؤنفت المفاوضات يمكن أن تخفف منها.  كما أسهم في دفع الفلسطينيين نحو المفاوضات الضغط الذي تمارسه لجنة متابعة “مبادرة السلام العربيّة”، التي التقت بكيري في زيارته الأخيرة لعمان، وأعلنت في بيان لها أن الصيغة التي يحملها كيري مناسبة وتسمح بانطلاق مفاوضات جادة.

 يضاف إلى ما سبق، أن القيادة تأمل من مشاركتها في المفاوضات من دون تلبية شروطها - إن لم تؤد إلى حل أو ضغوط أمريكيّة ودوليّة على “إسرائيل” - إلى عدم لوم الفلسطينيين على فشل مهمة كيري، وإلى تفهم دولي أوسع لعودة الفلسطينيين لتفعيل الخيار الأممي الذي بدأته القيادة الفلسطينيّة وحصلت على الدولة المراقبة، ولكنها استخدمته كتكتيك لاستئناف المفاوضات وليس كاستراتيجيّة، بدليل أنها جمّدته حتى ترى مصير المبادرة الأمريكيّة الجديدة.

 السؤال الثاني: لماذا الحرص الأمريكي الزائد على استئناف المفاوضات بالرغم من تراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بالقضيّة الفلسطينيّة، ورغم أن فرص التوصل إلى اتفاق فلسطيني - “إسرائيلي” نهائي متوازن معدومة؟

 إن استئناف المفاوضات من دون مرجعيّة واضحة وملزمة، وفي ظل الاختلال الفادح في ميزان القوى والأوضاع الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة الراهنة؛ سيؤدي في أحسن الأحوال إلى العودة إلى “المفاوضات من أجل المفاوضات”، التي أصبحت منذ زمن بعيد هدفاً بحد ذاته، وليس وسيلة لتحقيق الأهداف، فهي تدير الصراع ولا تحله، وتعطي الوقت اللازم ل”إسرائيل” لاستكمال فرض الأمر الواقع الاحتلالي، وقطع الطريق على بروز بدائل فلسطينيّة وعربيّة ودوليّة بديلة من خيار المفاوضات الثنائيّة برعاية أمريكيّة انفراديّة، خصوصاً قطع الطريق على اندلاع انتفاضة جديدة تبدو حتميّة إذا ما استمر الجمود في التسوية مع استمرار العدوان والاستيطان والعنصريّة “الإسرائيليّة”، خاصة إزاء القدس.

 يضاف إلى ما سبق، أن كيري لديه حلم بأنه قادر على تحقيق ما لم يستطع سابقوه تحقيقه، ويأمل بالحصول على جائزة نوبل للسلام، وسيسعى جاهداً لتحقيق هذا الحلم، معولاً على توظيف التغييرات العربيّة والإقليميّة للضغط على الفلسطينيين لقبول “تسوية تصفويّة” لقضيتهم.

 تسوية انتقالية

 إن ما يدفع الإدارة الأمريكيّة إلى الاهتمام بالقضيّة الفلسطينيّة بالرغم من تراجع تأثيرها أنها لا تزال مهمة وتؤثر في المنطقة، في وقت تشهد زلزالاً سيفاقمه انفجار الوضع الفلسطيني.

 إن هناك خطراً من أن تؤدي جهود كيري إلى النجاح في التوصل إلى تسوية ستكون على الأرجح انتقاليّة مغطاة بالحديث عن اتفاق نهائي، في تكرار أكثر بؤساً من تجربة أوسلو. فما يجري على الأرض من قبول الجانب الفلسطيني لاستئناف المفاوضات من دون شروط بعد عشرين عاماً من المفاوضات العبثيّة مؤشر على ذلك، فتلك الفترة أدت إلى تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتقطيع الأوصال والحصار والانقسام وتهميش القضيّة الفلسطينيّة، واتجاه “إسرائيل” للتطرف أكثر وأكثر.

 إن ما يعيق هذه “التسوية التصفويّة” أن أغلبية ساحقة فلسطينية ترفضها، كما أن الاتجاهات المركزيّة في “إسرائيل” ترفض قيام دولة فلسطينيّة حتى على جزء من الضفة، وتنتشر فيها أفكار إقامة “إسرائيل الكبرى”، والتهجير، وحل القضيّة الفلسطينيّة على حساب الأردن أو من خلاله؛ لذا إذا افترضنا أن كيري سينجح في التوصل إلى تسوية انتقاليّة جديدة فإنها لن تعمر طويلا، لأنها لا تحقق الحد الأدنى من المصالح والحقوق الفلسطينيّة.

 إن استئناف المفاوضات إنجاز أمريكي بحد ذاته، وهي مرشحة للاستمرار بصورة علنيّة وبأشكال سريّة، وستشهد مداً وجزراً وأزماتٍ وانفراجاتٍ لأنّها نقطة تلاقي مصالح فلسطينيّة و”إسرائيليّة” وأمريكيّة.

 سيكون لاستئناف المفاوضات انعكاسات سلبيّة للغاية على الوضع الداخلي الفلسطيني، كما ظهر من خلال ظهور معارضة واسعة لاستئنافها، ليس من قبل “حماس” والجهاد الإسلامي فقط، وإنما من خلال أن معظم فصائل منظمة التحرير قد عارضت استئنافها من دون شروط وتجاوز الإجماع الوطني الذي عبر عن نفسه داخل المؤسسات وخارجها.

 لا شك أن بداية العد العكسي للإسلام السياسي بعزل الرئيس مرسي عن الرئاسة بعد ثورة شعبيّة، وما أدى إليه ذلك من دخول “حماس” ومحور الممانعة في أزمة شديدة؛ يسهل استئناف المفاوضات من دون الخشية من معارضة “حماس” وحلفائها، ومن قدرتها على توظيف ذلك لإضعاف السلطة و”فتح”، إلا أن استئناف المفاوضات بعد تنازلات فلسطينيّة جديدة ومن دون مرجعيّة سيقوض السلطة أكثر وأكثر ويقضي على ما تبقى من مصداقيّة وشرعيّة لها.

 في هذا السياق، ستكون المصالحة في ظل عدم وجود إرادة حقيقيّة للطرفين المتنازعين لتحقيقها إحدى ضحايا استئناف المفاوضات، بالرغم من أن المصالحة مجمّدة قبل التطورات الأخيرة، إلا أنها ستؤدي إلى تجميدها حتى إشعار آخر

انشر عبر