شريط الأخبار

الإنسان المعجِز ينتج الحياة ويبعث الأمل ..علي عقلة عرسان

12:37 - 17 حزيران / يوليو 2013

كل الكلام قيل، وكل التحذيرات ارتفع بها الصوت، وكل ما نصبه أعداء الأمة في فخاخ أشيرَ إليها أو إلى ما هو في حكمها.. ولكن يبدو أنه لا يوجد في هذا المدار، مدار الحرب والنار،  من يسمع ولا من يريد أن يسمع، فكل يشغله ما كُلف به وما أُغرق فيه وما تزينه له نفسه أو يزينه له مشغلوه.. وسورية تخسر، وشعبها يعاني، ومأساتها تطول. لقد قطعت الحرب في سورية مراحل، وحان الآن الدخول في مرحلة الصراع المتعدد الأبعاد بين الأطراف المشدودة إلى دوامة العنف، ليأتي كل طرف على الآخر في استمرار لحرب مجنونة لا يُراد لها أن تقف عند حدود تدمير دولة وبلد وشعب بل أن تجر أمة بكاملها إلى الفتنة والدمار. لقد بدأت المرحلة التي أشرنا إليها مراراً وتكراراً، مرحلة قتل الكل للكل، ليرتاح عدو الأمة من كل من يصنفهم " أعداءه"، حيث يبيد بعضهم بعضاً بأيديهم، في فخ منصوب لهم تكلمنا عنه كثيراً في هذا المنبر منذ شهور وشهور. القاعدة وطالبان والنصرة والحر وشفافيل ثوبه والمقاومات المشروعة والجيش العربي السوري " أو بعض الجيوش النظامية، العربية والإسلامية، تأتي إلى الميدان في حرب الأمة على الأمة، وحرب متدينين على الدين، وحرب العرب والمسلمين على العرب والمسلمين.. لكي يرتاح الصهيوني والأميركي والمستعمر الأوروبي، ولكي تبيد " إسرائيل" عرب النقب وتهجر عرب الجليل والمثلث، وتهود القدس وتدمر الأقصى وتقضم كل أرض فلسطين التاريخية، وتحرث أرضنا بعظمنا، ويد كل قادر منهم فوق يد كل منا على " كابوس" المحراث  الروماني القديم، وكما يقول المثل "فلح وادرس لبطرس" في عهد الاقطاع القديم، أما الدم والبؤس فشلال بعد شلال.

يوم وُعد المسلحون في سورية بسلاح نوعي ليحققوا تفوقاً على الجيش العربي السوري، ويوم قال جون كيري بعد القصير أن كل هذه الأمور وقتية.. اشترِط المسلِّحون على قيادات المسلَّحين السياسية والعسكرية ألا يقع السلاح النوعي بأيدي متطرفين من جبهة النصرة وأشباهها، و"طنطن" الإعلام بذلك، ولسعت دبابيره كلَّ من حذر وشكك وقال بأن هذا تسعير للحرب لن يحسمها ولن يحل الأزمة، ولن يحقق لسورية والسوريين خيراً من أي نوع فالحل سياسي وبالحوار.. لقد جال إعلام ذميم في الميادين وصال وما زال يصول ويجول في هذا الميدان أو ذاك، يسفه رأي من لا يوافق جهابذة الرأي فيه، معتبِراً أن موقف الغربيين المتبدي في شروط للتسليح إنما هو موقف ضد الجيش العربي السوري حامي " النظام" الذي ينبغي أن يسقط، وأنه ضد الإرهابيين والمتطرفين، النصرة وسواها، الذين لن يُسمح لهم بالسيطرة لا في أثناء المعارك ضد النظام ولا بعد تحقيق ""الانتصار" عليه؟!، ولن يكون لهم سيطرة أو وجود أو حتى سلاح في المستقبل.؟! ولكن القول شيء والفعل الذي يُرتَّب ليتم تنفيذ المخطط الموضوعة شيء آخر، ومن يملك القرار يملك مدار الإعلام ويديره على هواه. إذ أن السلاح النوعي وصل ويصل وسيصل إلى من ينبغي أن يصل إليهم من المتطرفين ممن يجب أن يُسرَّب إليهم في السر ويحظر الكلام عن وصوله إليهم في العلن، أي إلى العناصر التي تنتمي للنصرة والقاعدة وطالبان و.. و.. ولكل قادم من أي بلد ليقاتل على الأرض السورية.. فتلك قضية تبقى في البعد المخفي عن بيادق سطح رقعة الشطرنج، ويبدو أن ذلك يدخل في البعد الاستراتيجي الذي لا يمكن أن يشير إليه أحد ما لم يتم الإيعاز بذلك. لم يشر أحد في "الإعلام الدبابيري" إلى ما يدوي في السر والعلن دوي النحل في المناحل، ومفاده أن هذا السلاح مخصص " لتدمير سورية وما تمثل" ولتدمير كل من يقاتل أو يُجذب أو يُرسل ليقاتل على أرضها أو في الساحات التي ستنتشر فيها النار في محيطها.. فتدمير كل تلك الأطراف مجتمعة بكل الوسائل الممكنة ومنها السلاح النوعي الغربي.. هو المطلوب، ولكن على مراحل مدروسة، وهو ما تكلمنا فيه مراراً وتكراراً. لقد " دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند المعارضة السورية إلى إزاحة "المجموعات الإسلامية المتطرفة" والسيطرة على المناطق التي تخضع لسيطرتها.واعتبر هولاند في مؤتمر صحافي بنهاية زيارته إلى قطر، أن "هذه المناطق وقعت في أيدي متطرفين لأنه لم يكن هناك أي جهة أخرى"، مؤكداً أن "هؤلاء اغتنموا الفرصة وسيطروا على تلك المناطق"... وقد بدأت النذر، وبدأ التهديد والوعيد، وبدأ الاقتتال المعلن للتصفية المتبادلة بين الأطراف المسلحة، بعد أن كان مجرد صدامات وخلافات، كما بدأ تفعيل استخدام السلاح المتطور ضد الجيش العربي السوري في مواقع، على الرغم من أنه ما زال يحقق تقدماً لا سيما في ريف دمشق وفي حمص.

إن المطلوب أن يدمر الجميعُ الجميعَ، في حرب بالوكالة لمصلحة الغرب الاستعماري و"إسرائيل" العنصرية، وهو ما يظهر كشمس الضحى لمن يريد أن يرى بموضوعية ودقة ممن يتابعون، إنها حرب "المعارضات؟!" على الدولة السورية، وحرب "المعارضات على المعارضات" في الأرض السورية: حرب الحر ومن في فلكه على النصرة وأشباهها وأشياعها، وحرب النصرة ومن في حكمها وحلفها على الحر.. وحرب "المعارضات" أياً كانت جبهتها ووجهتها وغايتها كلها مدفوعة التكاليف والعمولات والعلاوات، ويدخل سعارها في ميدان المنافسات على من يأمر ومن يحكم ومن تكون له " الراية" في ميادين السباق العربية؟! ويتكفل بدفع التكاليف وبتغذية النار بالوقود عرب من العرب تشغلهم هذه المباريات الدامية والثارات الحامية، شرط أن تكون تحت مغلفة بأغلفة بهية، شعارات دينية أو مذهبية أو قومية جذابة وذات رمزية وبهاء ومهابة و.. إلخ.. وهي حرب " المسلحين" من كل صنف تحت راية "المعارضة والجهاد" ضد الدولة السورية التي تُحاصَر وتُدمر ويُراد لها أن تزول، بينما يشقى شعبها ويعاني أطفالها الأمرين ويساء إلى حرائرها بأوصاف يأبها شرف العربي ويأباه كل عفاف.. ؟!.. وأدوات هذه الحرب المجنونة ووقودها سوريون وعرب ومسلمون يقتتلون تحت راية " المعارضة والجهاد" من جهة، ودفاعاً عن البلاد والشعب والوطن ومؤسسات الدولة وحضورها من جهة أخرى.. ويستمر ذلك العبث بالحياة وكل عقل وقيمة ودين وخلق إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً..

وهناك في المخطط الأكبر، أو في " التنمية المستدامة" للأزمة العربية ت الإسلامية، تصميم أن يتطور الأمر القائم الآن إلى حرب مذهبية "سنية شيعية"، وقد ركز على أهمية إشعالها ومتابعة العمل على ذلك علناً، بعد أن كان ضمن التخطيط الجاري التنفيذ لكن في ظلمة رحم الأحداث منذ بدايتها.. ركز على ذلك مؤتمر هرتسيليا الثالث عشر /11اذار 2013/ الذي أوصى بـ "ضرورة تكريس الصراع السني الشيعي من خلال السعي إلى تشكيل محور سني من دول المنطقة أساسه دول الخليج ومصر وتركيا والأردن ليكون حليفا لإسرائيل والولايات المتحدة ضد محور الشر الذي تقوده إيران ويضم سورية وحزب الله محور الشيعة"؟!..

  نحن في المحنة، سورية في حرب طاحنة وحصار ذي شُعب وشقاء يتجدد، سورية العربية المجيدة في المسلخ، وسكاكين الأقارب مثل سكاكين الأباعد تسن لها وتشهر عليها.. صحيح أنها تصمد وتقاوم وتتقدم بأسطورة عجيبة تجعلني أرفعها إكليل غار ولكن دمها المتهاطل من إكليلي السوري على هامتي ووجهي يدمغني بالعار.. أأبناء بلدي يدمرون بلدهم، وأبناء العرب والمسلمين يهدمون في الشام أمجاد أجدادهم ورموز العروبة والإسلام؟! ألا أي وجه هو الأسطورة وأي وجه هو العار يا بلدي الحبيب ويا أمتي العظيمة؟! سورية جراحها تزداد وتتعمق، ودمها ودم عرب ومسلمين يسيل فيها، لا من أجل تحرير الجولان ولا من أجل دحر الصهيونية رمز الشر والعدوان بل من أجل سلْطة، ومذهب، وشكل دولة على ما يقول جهابذة " النضال الوطني" يقضي على لحمة الشعب وكل مكونات الدولة القائمة قبل أن يصل دولة ينشد إقامتها على أنقاض القائمة.؟!. وصراخ الإنسان في سورية يعلو ويعلو ويعلو.. لكن لا من يسمع ولا من يبصر، ولا من سمعٍ وبصرٍ لإنسان.. فما عاد في هذا العالم الساقط أخلاقياً إنسانية ولا إنسان حق يرجى منه ما يرجى من الإنسان الحق.. الكل هنا يقاتل الكل من " أجل الكل" ويريد أن يقتل الكل وأن ينتصر على الكل ويبقى هو فوق " مزبلة" الضيعة ديكاً بلا عُرْف ولا صوت ولا لون ولا ريش ولا انتفاخ أمام الدجاج البياض.. فيا له من قتال، ويا لها من غايات، ويا للقتيل من قتيل، ويا "للمنتصر" من "نصر".. ويالهم من أخوة يحققون نصراً مؤزراً على وطنهم وأمتهم وعقيدتهم وقيمهم ومروءتهم ورجولتهم.. إنه نصرٌ ما بعده نصر؟! ويا لها من إنجازات جبارة إذا ما قيست الأمور بنتائجها، وقيست الأهداف إلى معايير سامية من أي نوع، والأفعال إلى سلم الإنتاج والعمران والإيمان وأحكام العقل وحيوية الضمير الحي.؟!

في سورية الحبيبة هناك من يقاتل، وهناك من يُجبر على القتال، ومن يدخل ميدانه ثم تسد خلفه وأمامه المنافذ فلا يبقى إلا هو.. وهناك من يحاول الرجعة عن الانخراط في الموت والإماتة فيلاحقه الرعب فلا ليله ليل ولا نهاره نهار إلا من رحم ربك وملك قلباً سليماً وأبصر بقلبه.. وفي سورية وفيها وفيها.. وربما كان سيد الفضاء هنا بوس وشقاء يغلفان المشاهد كلها وينسجانها من الدم المراق والدمار المنتشر إلى لهفة التقصي عن جثة أخ أو ابن أو صديق أو.. ليدفنها، أو ليعلم أحي هو أم ميت.. وهناك في سورية من يقف ساعات في حر شمس رمضان يبحث/ تبحث عن رغيف الخبز وبعض ما يؤكل ولو بسعر لا يحتمَل، فالجوع كافر وبكاء الصغير يسحق الضمير.. وهناك في سورية حصار خانق وجهود خارقة تبذل لاختراق الحصار.. وهناك وهناك وهناك.. ألا يا أبناء أوطني، ألا يا أبناء أمتي، ألا يا أيها المتقاتلون على جسد سورية الوطن والشعب.. ألا أيها البؤساء أما شبعتم.. أما ترون الشقاء؟ أفلا تسمعون وترون وتفكرون؟ ألا وهل بقيت بقايا من إنسانيتكم في كيانكم لتذكركم بأنكم أنتم أنتم، وبأنه يجب ألا تكونوا وقود نار الحقد التي تحرقكم، وأداة القتل والتدمير التي تذبحكم وتنهككم، وبأنه يكفي ما ألحقتموه من هوان ببلدكم وشعبكم.. ألا أفيقوا فإنكم إنما إنكم تنهكون بلدكم وشعبكم وتحملون أنفسكم وذويكم فوق ما تطيقون ويطيقون؟! هناك من يقاتل في سورية ومن يشقى بالاقتال، وهناك من يتدرب على السلاح النوعي ليأتي إلى سورية ليقاتل فيها ويزيد حجم الشقاء وشدة الاقتتال ـ عدة بلغ عدد البلدان التي يأتي منها يقاتل في سورية أكثر من ثلاثين بلداً حتى الآن ـ  وتدخل تنظيمات متطرفة على الخط، وأجهزة مخابرات من بلدان كثيرة، وفي مقابل كل حشد حشد وفي مقابل كل وعد وعد.. والموت سيد الساحة. الكلام في اليوم بلدي للحديد والنار، العالي الصوت هو منطق القوة وجنون الفعل الذي لا يحكمه عقل مسؤول، ليس للحكمة هنا ولا للكلمة الطيبة ولا للعقل وقوة الحجة والمنطق.. كلام.. الكلام لمن لا يملك البصيرة ولا حَشَفَ الكلام.؟!

إنه المشهد الأرهب الذي يرتسم أمامي بعد كل مشهد رهيب أراه أو أسمع عنه أو أقرأ ما يصل الكاتب إلى وصفه منه.. أحاول أن أهرب من المشهد الذي أنا فيه وأنا جزء منه وفيه، وكلما ابتعدت أكثر وجدته أمامي ووجدتني فيه، وكلما حاولت التملص أكتشف أنه في داخلي وأن حواسي كافة وكل ما يفد إليها يزيده حضوراً وسطوعاً وتوقداً وحشياً.. أركض أكثر وأكثر فأجده أمامي.. المشهد لا يُحتمَل ولا يمكن أن يُطاق، هو ثلاثي المدى في ثلاثيات ابعاد: مادي في معنويات روحية، واقعي في سيريالية متوحشة، ودموي في تدميرية رهيبة، هو عربي وإسلامي ودولي، ديني ومذهبي وعرقي.. لكن كل هذه الثلاثيات تُختَصر في الموت.. موت الإنسان وموت البلد لا سمح الله وموت الأمل.. ولكن يبقى في الإنسان المعجزة شيء معجز هو أنه ينتج الحياة، بإذن الله، ويبعث الأمل.

دمشق في 16/7/2013

 

انشر عبر