شريط الأخبار

حدود جديدة، جيش قديم... هآرتس

01:58 - 12 تشرين ثاني / يوليو 2013


بقلم: عاموس هرئيل

(المضمون: الجيش الاسرائيلي يغير مفهومه القتالي في لحظة زمنية تنهار فيها الانظمة العربية وتستبدل الجيوش الكبرى بمنظمات عصابية وتكون فيها الحدود مخترقة - المصدر).

يتبين أكثر فأكثر ان اسرائيل ستقف في السنوات القريبة القادمة أمام تحديات تختلف جوهريا عن تلك التي اعتادت عليها في العقود السابقة. ففي الوقت الذي تواصل فيه قيادتها التحذير من الخطر المحدق من النووي الايراني وتلتقط لها الصور في المناورات اللوائية في هضبة الجولان، وكأنه توشك على أن يندلع هناك قريبا صدام على نمط حرب يوم الغفران، يبدو أن الخطر الفوري الذي ستواجهه اسرائيل يكمن بقدر اكبر في آثار الهزة في العالم العربي على الوضع على الحدود المختلفة.

شرف التهديد الايراني محفوظ. فوزير شؤون كل شيء ولا شيء يوفال شتاينتس وصف هذا الاسبوع في خطاب علني المشروع النووي الايراني بانه "اكثر خطرا بأربعين ضعفا عن الخطر الكوري الشمالي". ولكن احتمال أن تنطلق اسرائيل في هجوم على بؤبؤ عين آيات الله في السنة الحالية يبدو الان متدنيا للغاية، في ضوء موقف الولايات المتحدة والاسرة الدولية وانتخاب حسن روحاني المعتدل نسبيا للرئاسة الايرانية. ويخيل في هذه اللحظة بان الحسم الاسرائيلي سيؤجل الى 2014 – وأنه اذا ما تحقق في النهاية حل وسط بين ايران والقوى العظمى الستة، مهما كان هذا اشكاليا، فستغصب اسرائيل على قبوله.

كما أن التهديد العسكري التقليدي هو الاخر اختفى على ما يبدو من الافق في السنوات القريبة القادمة مثلما ستجسد كل جولة على طول الجدار الحدودي في الجولان. معسكرات الدبابات السورية في الجولان فرغت في معظمها وفوهات المدافع والدبابات وجهت شرقا لقمع التمرد الشعبي ضد حكم بشار الاسد.

جيش سوري مضروب ومرضوض من الحرب الطويلة ضد الثوار. ستمر سنوات اخرى قبل ان ينجح في أن يعيد بناء قدرة ذات صلة بمواجهة مباشرة مع اسرائيل. تهديد الجبهة الشرقية – فرق تعزيز عراقية تـأتي لمساعدة السوريين – انتهى قبل عقد مع سقوط نظام صدام حسين وغرق العراق في حرب أهلية خاصة به.

مصر تمثل خطرا محتملا من نوع آخر. لديها جيش حديث نسبيا، يعتمد على نظريات قتالية وسلاح من الولايات المتحدة (بدلا من العتاد السوفييتي الذي استخدمته في حربها الاخيرة ضد اسرائيل في 1973). ولكن اتفاق السلام على حاله يقف. لا يزال ممكنا رسم سيناريو مستقبلي، متطرف، يكون فيه غياب المخرج من الازمة الداخلية يشجع الحكم المصري (الحالي؟ ذاك الذي يليه؟) على محاولة صرف عداء الشعب عنه نحو اسرائيل. في هذه اللحظة لا يبدو هذا كامكانية واقعية ناهيك عن أن المصريين متعلقون جدا للمساعدة الامنية الامريكية، التي ستوقف على الفور في ضوء كل مظهر من العداء العملي ضد اسرائيل.

وعليه فان اساس انشغال الجيش الاسرائيلي موجه الان نحو الوضع على الحدود – والخطر في أن تؤدي حادثة موضعية تبادر اليها احدى المنظمات المسلحة العاملة هناك الى تدهور نهايته اشتعال اكثر اتساعا، حتى (في ظروف متطرفة) الى مواجهة اقليمية. المشكلة الفورية تتعلق بالانتشار على الحدود، وعليه فان الجيش الاسرائيلي يغير انتشار قياداته في الجولان، بعد أن اقام منذ الان لواء جديدا على الحدود المصرية. كما أن الجيش ينشر قوات بجودة اعلى، يبني أسيجة جديدة وينصب وسائل لجمع المعلومات. ولكن الجيش الاسرائيلي ملزم بان يفكر ايضا بالمرحلة التالية: كيف نحذر وكيف نحبط اعمال خصم ليس دولة من الجانب الاخر من الحدود. وكيف نستعد لواقع تتعقد فيه مواجهة محلية كهذه فتؤدي في النهاية الى هجوم بالاف الصواريخ والمقذوفات الصاروخية على الجبهة الاسرائيلية الداخلية التي حتى اليوم لم تشهد ضربة بشدة كهذه.

في الاسبوع ونيف الاخيرين، وفي واقع الامر في كل فترة موازية تقريبا منذ بداية السنة الحالية، توفرت جملة من الامثلة على نشوء الواقع الاقليمي الجديد. ففور الانقلاب العسكري في مصر، بدأ هجوم ارهابي لخلايا اسلامية من القبائل البدوية في سيناء ضد قواعد الجيش ومحطات الشرطة. يوم الخميس الماضي، في ساعات الليل، اطلق ايضا صاروخ من سيناء الى ايلات سقط في أرض مفتوحة قرب المدينة.

في ذات الليلة وقع هجوم غريب في ميناء اللاذقية في شمال سوريا. وادعى موقع على الانترنت مقرب من المعارضة السورية بعد بضعة ايام بان هذه كانت عملية اسرائيلية، دمرت فيها صواريخ ياخونت من انتاج روسي. وهذه صواريخ شاطيء – بحر دقيقة، أعلنت اسرائيل علنا بانها ترى في نقلها من سوريا الى حزب الله اجتيازا لخط احمر ينبغي لها أن تعمل ضده. وفي اسرائيل امتنعوا عن التعقيب على ما نشر في لبنان.

وفجر يوم الثلاثاء وقعت سلسلة تفجيرات في دمشق، تبدو أنها من المعارضة السورية. وبعد بضع ساعات كان انفجار آخر، هذه المرة في قلب الضاحية الشيعية من بيروت. عشرات الاشخاص اصيبوا في انفجار لسيارة مفخخة، في هجوم مقصود على مركز منطقة سيطرة حزب الله. هذه الهجوم هو الاخر يعزى لمنظمات سنية، من لبنان وربما من سوريا، سعت لضرب المنظمة الشيعية على سبيل الانتقام على دورها في المذبحة التي يرتكبها حكم الاسد ضد معارضيه في سوريا. وطوال هذا الوقت يتواصل القتال بين البدو والجيش المصري في سيناء وتجري مظاهرات جماهيرية، ترافقها مواجهات عنف وقتل في القاهرة، في الاسكندرية وفي المدن المصرية المطرفة.

ظاهرا، علاقة اسرائيل بسلسلة الاحداث الطويلة في المنطقة هامشية. وفي حالة واحدة فقط، الهجوم في اللاذقية، وجه اتهام مباشر اليها، وحتى حولها مرت وسائل الاعلام الدولية مرور الكرام عنها في ضوء الدراما الكبرى في مصر. ولكن من الافضل لنا الا نكبت الاحتمال الكامن في الخطر: في سيناء، في الجولان وبقدر ما في لبنان ايضا توجد في الطرف الاخر من الحدود دول فاشلة، لا تنجح في فرض النظام على الوضع.

ويبقي فشلها الساحة لمنظمات غير دول (حزب الله في لبنان، منظمات اسلامية متأثرة بالقاعدة في سيناء وفي الجولان). ومع ان هذه المنظمات تركز الان على الصراعات العربية الداخلية، ولكنها مسلحة حتى الاسنان ومعادية لاسرائيل. والمسافة من حادثة موضعية الى تصعيد واسع ليست كبيرة، حتى وان لم يتم اجتيازها حتى الان. في الجيش الاسرائيلي ذكروا هذا الاسبوع الحادثة في بيروت التي لم يكن لاسرائيل ضلع فيها. ولو أن حزب الله اتهم اسرائيل بتفجير السيارة، فلعل المنظمة كانت ستفكر باطلاق الصواريخ الى الاراضي الاسرائيلية.

القليل جدا من هذا سجل على ما يبدو في وعي المواطن الاسرائيلي – ولعل هذا افضل. هذه السنة يحتدم التشابه بين امكانية التهديد، الاخذة في البناء، وبين الهدوء النسبي الذي وفرته الهدنة الطويلة في الارهاب الفلسطيني. صواريخ فجر من  غزة التي سقطت في غوش دان في تشرين الثاني الماضي نسيت منذ زمن بعيد والاحداث في الجولان أقل من أن تؤثر على مزاج المواطنين. ويتركز جدول الاعمال على المسائل الاقتصادية والاجتماعية – والجيش يجد صعوبة اكبر في ان يشرح ما الذي يحتاجه في ضوء الظروف الجديدة.

تقليص وبناء

بعد وقت قصير من اندلاع الاحتجاج الاجتماعي في صيف 2011، فهموا في هيئة الاركان بان التغيير في الاجواء الاجتماعية وفي الساحة السياسية سيؤدي الى فرض تقليصات لازمة على ميزانية الدفاع. والى جانب ذلك استوعبت بالتدريج آثار الهزة العربية. وقد تأجل اقرار الخطط متعددة السنوات في الجيش الاسرائيلي مرتين، على خلفية الاحتجاج وبعد سنة من ذلك بسبب تقديم موعد الانتخابات. وسترفع الخطة الجديدة "جرأة" للمجلس الوزاري والحكومة لاقرارها قريبا.

يلاحظ الجيش نافذة فرص اقليمية لسنتين حتى ثلاثة ستسمح له بالمبادرة الى تغييرات واسعة نسبيا في مبنى القوى وفي شكل عملها. وقد عرضت النقاط الاساس في الخطة هذا الاسبوع في الصحافة وركزت على التقليصات ولكن يخيل أن من المهم التشديد على ما يرغب غانتس في أن يبنيه. فقد تحدث رئيس الاركان عن التغيير في مفهوم الاستخدام للقوة انطلاقا من الاعتماد على المجالات التي حدثت فيها تحسينات كبرى على قدرات الجيش ولا سيما على العلاقة بينها. وباختصار المقصود هو سلاح الجو، الاستخبارات، منظومة النار ونشاط السايبر. تحسين التغطية الاستخبارية وامكانية نقل معطيات دقيقة بسرعة كبيرة الى سلاح الجو تجعل الهجمات الجوية اكثر نجاعة. ويشرح قائد سلاح الجو بان قلة من الطائرات يمكنها اليوم ان تعالج اهدافا كانت تقوم بها اسراب في حرب لبنان الاولى. 

وتنطوي الخطة ايضا على تقليص الجيش بأربعة حتى خمسة الاف من رجال الخدمة الدائمة، اغلاق وحدات من المدرعات والمدفعية والصيانة وتقليص مئات الدبابات من حجم القوات والغاء سربين من الطائرات وسفينتين في سلاح البحرية.

اذا كانت الحروب القديمة كثيرة الدبابات قد انتهت فثمة منطق في استعداد هيئة الاركان لاخذ المخاطر. اما السياسيين فاقل حماسة لان يشاركوا في تحمل المسؤولية. حتى أنه شطبت من قرار الحكومة عبارة تقول ان الوزراء يفهمون معاني التقليص على امن الدولة.

نقطة ضعف اخرى تتعلق باخذ المخاطرة المحسوبة. توجد اسباب عديدة للفشل النسبي لاسرائيل في حرب لبنان الثانية ولكن احدها هو حقيقة أن الاختطاف الذي بادر اليه حزب الله التقت الجيش الاسرائيلي في ذروة التقليصات التي شلت التدريبات تماما. في السنتين القريبتين يجري تخطيط لتقليص أوسع في حجم القوات. في 12 تموز، الذكرى السنوية السابعة لاندلاع الحرب، يعد هذا ايضا خطر يجدر بنا ان نتذكره.

انشر عبر