شريط الأخبار

قوة الارتباك في زمن الثورة- معاريف

12:22 - 11 تموز / يوليو 2013

 بقلم: نداف ايال

يقول الكليشيه التاريخي ان الثورة ليست حدثا بل مسيرة. فالاحداث الحرجة في ثورة اكتوبر 1917 وقعت عند قيام الجيش الاحمر وهزيمة قوات البيض المعارضة للبلاشفة وحلفائهم. ومر عقد على الاقل الى ان سيطر حزب لينين وستالين أخيرا على روسيا. وبدلت الثورة الاسلامية في ايران الشاه ولكن فقط بعد ذلك تفرغت لتحويل الجمهورية الاسلامية الى حكم ديني؛ وكان هذا صراع امتد لسنين تضمن حربا فتاكة، اغتيالات وتصفيات. ولكن فور الثورة والانتخابات الاولية سيطر في ايران ائتلاف ضم الليبراليين على نمط شبه غربي، بما في ذلك الرئيس الاول والمنسي لعهد الخميني، بني صدر.

تستغرق الثورة سنوات لتصميم المجتمع والحكم الجديدين. ويخيل احيانا أنها تنجرف نحو العلمانية الليبرالية وعندها فجأة ترد القوى الرجعية وتعيد الحكم القديم – المحافظ (لنقل مع عودة الملكية بعد الثورة الفرنسية). وأحيانا تغير القوى الاكثر تطرفا وجهها وتعلن بان الامور التي ترى من هنا لا ترى من هناك، مثلما فعل آية الله الخميني عندما قرر بان مطالب الدولة قد تكون أعلى من الفتاوى الشيعية.

مصر في ذروة الثورة. فقد ولدت لتوها. وخلافا للمعركة الطائفية في سوريا، وباختلاف الحرب القبلية في ليبيا مصر هي دولة قومية حقيقية. المصريون يومنون عن حق وحقيق بانهم الاستمرار المباشر لحضارة تعود الى عشرة الاف سنة. ويعود الاقتباس الاكثر شهرة في هذا السياق الى تحسين بشير، الدبلوماسي الموالي لعدد من الرؤساء المصريين الذي لاحظ ذات مرة أنه مع كل الاحترام، فان مصر ليست الدولة القومية الاهم في العالم العربي، بل هي "الدولة القومية الوحيدة في المنطقة. اما كل الباقين فهم قبائل مع أعلام".

القومية المصرية تستبعد امكانية الا تستوعبها الثورة وتصبح حربا أهلية، ولكن اذا ما وقعت مثل هذه الحرب فانها ستشبه بقدر اكبر الصراع الدموي في الجزائر (بعملياتها الاسلامية) منها لما يجري في سوريا. ولكن محاولة توقع المستقبل في الثورة، في نهاية المطاف هي محاولة سخيفة. ومثل حماسة من يقودها، فان الثورة تميل الى غير المتوقع. يمكن الاكتفاء بمحاولة حذرة لتفسير الوضع وليس بالذات التوجه الى المطارح الخطيرة لاستشراف المستقبل.

ولكن  هذا ما يفعله الكثيرون في اسرائيل، في جهاز الامن وفي وسائل الاعلام ايضا. ذات المراقبين الذين لاحظوا على مدى السنين بان الثورة في مصر متعذرة (بسبب الطبيعة الخانعة للفلاح المصري، وانا لا أخترع هذا التفسير)، هم ذاتهم الذين قدروا بان مبارك سيقمع بسهولة المظاهرات ضده. ذات الخبراء الذين قالوا ان الاخوان المسلمين لن يتنافسوا في الانتخابات، وبعدها حين تنافسوا – توقعوا "شتاء اسلاميا". وبعد أن انتخبوا قالوا ان وزير الدفاع الجديد هو "موالٍ" لمرسي ولرجاله. والان، عندما استولى الجيش على الحكم وتظاهر الملايين ضد الاسلام السياسي، يقدمون تقديرات منمقة اخرى عن المستقبل. وبالمناسبة، فان  بعض هذه التقديرات منطقية جدا، في نظرة الى الوراء والان ايضا. والاستنتاج ليس رفع الايدي وليس محاولة فهم التطورات. الاستنتاج هو أن احيانا من الافضل تحليل الحاضر واحيانا مطلوب التواضع بل وحتى الارتباك عند مشاهدة التجسد العظيم للثورة.

ونحن نصل هنا الى اوباما. فهو لا يظهر بكامل عظمته في ادارة الازمة المصرية ولكنه بالتأكيد لم يفشل – أو لم يفشل بعد. فهو يسير خطى بحذر شديد على حبل دقيق ومتوتر وفي أسفله العالم العربي بأسره. نعم، يمكنه أن يتدخل في النزاع السوري ويؤدي الى انتصار ممكن للاسلاميين السوريين. هل من المجدي ان يفعل ذلك؟ كما أنه كان بوسعه أن يتنكر للاخوان المسلمين عندما انتخبوا في مصر، ويخاطر بذلك في أن تصبح مصر ايران جديدة تمثل فيها أمريكا العدو الشيطاني اللازم جدا لكل ثورة وبالذات المتزمتة. وبشكل مغاير، اوباما ايضا كان يمكنه أن يتنكر للانقلاب العسكري الذي قام به الجيش المصري فيعطي بذلك اسنادا عمليا للاخوان المسلمين؛ الامر الذي كان يضعه كعدو للمجتمع الليبرالي المصري. لقد اختار الا يفعل أيا من هذه الامور. فالاقتراب بحذر من الحكم المنتخب المصري الاول (مرسي)، ولكن المطالبة بديمقراطية حقيقية وليس فقط انتخابات حرة. الامتناع عن التعاطي مع الانقلاب العسكري كانقلاب اكراهي على أمل أن يأتي قريبا التزام باجراء انتخابات جديدة (وقد جاء هذا الالتزام، اعلانا على الاقل أمس). وبتعبير آخر وقف اوباما امام سلسلة من القرارات الصعبة. في كثير منها قرر وفي اخرى قرر الا يقرر. وقد فعل ذلك بتواضع الفهم بان اسنادا امريكيا – للجيش، للاخوان المسلمين او لجهات اخرى يمكنه أن يضر ايضا ولا ينفع فقط. هذه سياسة غامضة وكان ينبغي وضعها منذ زمن بعيد قيد الاختبار، ولكنها لم تفشل بعد. كيف نعرف ذلك؟ لان الثورة لم توجه حرابها نحو أمريكا بعد. لان مليون شخص لم يهتف "الموت لامريكا" في ميدان التحرير. امريكا تحاول بكل قوتها ان تبقى على الخطوط حين يكون العالم العربي عاصفا ومضطربا. ومثل النكتة اياها، فان وضعها ممتاز مع أخذ الظروف بالحسبان.

انشر عبر