شريط الأخبار

الانكشاف حتى القاع / بقلم: عبد الرحمن شهاب

12:18 - 02 كانون أول / يوليو 2013


لم تمر المنطقة العربية منذ فجر تاريخها بمرحلة مثل هذه المرحلة من الانكشاف، اذ لا يستطيع ان يتحدث أحد باسم القومية أو باسم الوطنية او باسم العلمانية الا وقد صنفت هويته بشكل دقيق وقاطع. ولم يعد أحد يتحدث باسم الإسلام الا وقد حدد بدقة عن أي مفاهيم يتحدث والى أي تيار ينتمي. هكذا إذا كان ممكن ان يكون هناك أيديولوجيا في المنطقة فيجب ان نسمي هذا الزمن "كشف الايديولوجيا".

لم يقتصر الانكشاف على أصحاب الأفكار وأعضاء الاحزاب وقياداتها ومؤيدي التيارات بأقطابها بل وصل الانكشاف الى القاع، الكل يصطف، الجميع على شبكات التواصل الاجتماعي ينكشف ولا يستطيع أحد ان يتماسك أو يلتزم حدود المجاملة.

حتى المتوازن ينكشف توازنه ويثبت انه متوازن حقيقي، وهم قلة في هذا الزمن. حتى العقل الجماعي يكشف عن مكنونه ويتمسك بإرادته العامة ويصر على أن تسود، انني أرى ان هذا هو النصف الملآن في الكأس. في هذا الزمن العربي لقد كان ضرورياً حتى نفهم بعضنا بعضاً وحتى يستوعب بعضنا بعضاً أن نمر في هذه المرحلة، ليس هناك أحد أفضل من أحد. كل المناهج تتهاوى أمام الحقيقة المرة، وهي الواقع: ادارة الدولة، وتوفير متطلبات المجتمع -الذي يقف على أقدامه الخلفية- رافضاُ التراجع أمام أي استبداد قائلاً كفى، وسقوطاً لكل ايديولوجيا تتمسح بالمثل والمستقبل تتمسح بالوطنية او الجهادية، تتلون بالتحالفات الجغرافية والسياسية.

ارى الكثير من الإصطفافات التي تزعم ان ثمة فروق بين ثورة المصريين الاولى والثانية، أو بين ثورة المصريين وثورة السوريين، بين ثورة البحريين واليمنيين، أو بين ثورة التونسيين والمصريين. انني أرى انها كلها في سياق واحد يبدأ بسقوط الكرازماتية وينتهي بسقوط هيبة السلطة، يبدأ بإصرار الشعب على حقه في الحرية وينتهي بإصراره على حقه بالمشاركة السياسية. واستخدام العنف هو مشاركة سياسية تضطر اليه الشعوب عندما تغلق أمامها باب المشاركة اللاعنفية وعندما تصم الأنظمة آذانها وتنفرد بالقرار وتنظر الى الشعب بمنطق "الرعية"، أي بمفهوم الرعاية البهيمية في حظائر واسطبلات.

دعونا نكون واضحيين وصريحين؛ القوميين والعلمانيين والاسلاميين على التوالي جاءوا الى السلطة على طائر المثل والشعارات ليستفردوا بالسلطة. وان كان من المبكر الحكم على الإسلاميين، لكن جموح الرغبة في الاستفراد بمفاصل الحكم بدت واضحة في كثير من القرارات وهذا ما بث الخوف لدى قطاعات واسعة من المجتمع المدني.

لن نناقش أنظمة ما قبل الربيع العربي المعروفة بفرط فسادها ووحشيتها ودمويتها، فهذه مرحلة أصبحت وستصبح قريباً وراء ظهورنا بإذن الله. نحن هنا نضع ايدينا على استبداد من نوع آخر، من قبل أحزاب تحصر الديمقراطية في صناديق الاقتراع وما ان تصل الى السلطة حتى تتنكر لكل الشعارات والمقولات التي خدعت بها الناخبين فهي تعتقد أنها تستمد شرعيتها من قداسة الأيدلوجيا التي تحملها وليس من أصوات الجماهير التي لجات اليها بحكم الاضطرار، فالشرعية ليس تعاقد مع الناخبين وانما مع خارج دنيا البشر، وهذا يوجب عليها الاستعلاء على الشعوب باعتبارهم قاصرين عن رؤية ما ينفعهم.

يحلو للبعض أن يزعم أن ديمقراطية الاسلاميين تتجلى في عدم تعرضهم للمظاهرات التي ينظمها خصومهم كما فعل مبارك ومن سبقوه، وأظن ان هذا دفاع مهزوز، فلا يعقل بعد ثورة 25 يناير التي أوصلت الاسلاميون الى المشهد أن تعود الامور الى الوراء، حق التظاهر ليس منة من أحد على أحد، هذا الحق هو أبسط مكتسبات الثورة، ولا يدعين أحد أنه صاحب فضل أو منة.

  لقد قلت ان أفضل ما يذكر في هذه المرحلة هو المركب الأساسي للديموقراطية والمركب الأساسي لجذور الإسلام، بل المركب الأساسي للحياة الإنسانية وهو: وجود الإرادة العامة، والقدرة على التعبير عنها، والإصرار على المطالبة بها بعد فشل لكل المناهج. ان وصف ما يحدث في مصر الآن وما تم تسميته 30 يونيو بأنه اصطفاف متآمر على مصر وهويتها وعروبتها بتحريك من أصابع أجنبيه على اكتاف فلول لهو إجحاف بحق شباب مصر والمخلصين من أبنائها الذين أخرجوها من وهدتها وحلموا بمصر حرة وعزيزة وديمقراطية لكل مواطنيها. يمكن أن تصف ذلك بأنه قصر نفس جماعي لدى الشعب المصري بأنه ما عاد بمقدرته اعطاء فرص طويلة وتضييع وقت في الصبر على أخطاء الحكام، ويبدوا انه مستعجل بأن يشعر بإنجاز ثورته في 25 يناير. ان هذه التيارات وهؤلاء الشباب الذين ثاروا في 25 يناير لم يجدوا أنفسهم مشاركين في تحمل المسؤولية في لملمة مخلفات نظام ما قبل ثورة يناير وتجاوز محنة التحول نحو الاستقرار الآتي.

أخيراً أنا لا أرى ان النظام الحاكم في مصر هو الثلة التي تحدث عنها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بدر بأنها إن تهزم "فلن يعبد الله في الأرض"، ولا أرى بأن سقوط نظام الاخوان هو نهاية الإخوان، بل ربما يشكل لهم صدمة ليراجعوا أنفسهم خلال معارضة لنظام ديموقراطي يسمح لهم بأن يقدموا مشروع بديل حقيقي وواقعي بعيداً عن أجندات الجغرافيا وتحالفات السياسات الخارجية، لينصتوا الى الشعب المصري أكثر ويحققوا مطالبه ويعالجوا مشاكله، وان لا يتهربوا الى المشكلة السورية أو حتى الفلسطينية، لأن السوريين والفلسطينيين يريدون مصر بنظام مؤسساتي ديموقراطي وشعب مصري حر وابي، وتمثل قيادة سيادة آمنة وارادته العامة، وليست إرادة السيد مهما كان شكله ومهما كان يمثل.

لم تعد الشعوب العربية تقبل بإرادة فرد ولا إرادة حزب ولا حتى منهج ديني أو تفسير خاص للدين، لم تعد تفهم أطيعوا أولي الأمر منكم ما أمروكم بمعصية، ولم تعد الشعوب ترى في وظيفة الدولة حفظ الأمن الداخلي والخارجي كما رآها الماوردي وابن تيمية والغزالي، ولم تعد تخشى رعب فتنة الصحابة ولا سوط الفقهاء، الكل عارياً امام الشعوب وذاكرتها عميقة لا تنسى قهرها ولا تفرق بين المستبدين، لا تتغاضى عن مقاوم يمارس الفساد ولا عن وطني يمارس الخيانة ولا عن مجاهد يحاول ان يقهر ارادة شعبه، ان ارادة الشعوب هي التي يجب أن تسود وعلى الحاكم ان يمثل.

انشر عبر