شريط الأخبار

اللعب بالمليونيات.. فهمي هويدي

07:20 - 01 تموز / يوليو 2013

يمكن أن نأخد على محمل الجد أرقام التوقيعات المليونية التى يتحدث عنها معارضو الرئيس محمد مرسى ومؤيدوه، لكنى لا أخفى أننى استهولت ادعاءات الطرفين، سواء منظمو حملة تمرد الذين أعلنوا عن أنهم جمعوا أكثر من 22 مليون استمارة طالبت الرئيس بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أو المؤيدين القائمين على حملة تجرد الذين قالوا إنهم وصلوا إلى الرقم 22 مليون ويستهدفون جمع توقيعات من 33 مليون شخص.

كما أننى استغربت ما قاله أحد فقهاء التليفزيون حين سئل عن كيفية التثبت من صحة رقم الـ22 مليون توقيع الذى أعلنه منظمو حملة تمرد، فكان رده أن البيّنة على من ادعى. فى إشارة إلى أنه يتعين على السائل أن يتولى بنفسه عد الأوراق لكى يتأكد من أن الرقم المعلن صحيح أو غير صحيح. ثم أننى لاحظت شيئا آخر هو أننا سمعنا رقما إجماليا لم يحدد أعداد الموقعين فى كل محافظة بمدنها المختلفة، لكى نطمئن إلى أن المجموع هو حقا 22 أو 33 مليونا، علما بأننا لم نر أمس تلك الملايين المهولة من البشر الموقعين سواء فى جانب المعارضين أو الموالين.

من جانبى حاولت أن أتحقق من صحة الأرقام المعلنة، إذ فضلا عن الشكوك التى أشرت إليها توا، فقد ثارت لدى أسئلة كثيرة حول الأعداد المطلوبة لجمع 22 مليون توقيع مثلا، والمدة التى تستغرقها العملية والإمكانيات المطلوبة لجمع تلك الأوراق ونقلها من مكان إلى مكان آخر. ورجعت فى ذلك إلى بعض أهم خبراء الطباعة والاحصاء، الذين أجمعوا على أن الأمر يتعذر أخذه على محمل الجد، لأنه من المستحيل من الناحية العملية أن يقوم مجموعة من الأشخاص المتطوعين بجمع توقيعات 22 مليون مواطن خلال أسابيع محدودة وبإمكانياتهم اليدوية المتواضعة.

ألححت فى السؤال عن التفاصيل فقيل لى ما يلى:

إذا اعتبرنا أن الاستمارات مطبوعة على الورق العادى وبالقياس المتعارف عليه، فسنجد أن الرزمة تحتوى على 500 ورقة ووزنها 2.50 كليو جرام. والكرتونة الواحدة تحتمل 5 رزم وكل 50 كرتونة تحتاج إلى متر مكعب لكى توضع فيه. وبعملية حسابية نجد أن المتر المكعب يستوعب 125 ألف ورقة. زنتها نحو 125 كيلو جراما.

فى هذه الحالة فإن المليون توكيل يحتاج إلى 8 أمتار مكعبة، الأمر الذى يعنى أن الـ22 مليون ورقة تحتاج إلى 176 مترا مكعبا. وإذا علمنا أن عربة النقل العادية أو الشاحنة التى تصل حمولتها إلى 3 أطنان، تحتمل خمسة أمتار مكعبة من الورق، فمعنى ذلك أن الـ22 مليون ورقة تتطلب توفير أسطول يضم 35 شاحنة لنقلها من مكان إلى آخر. وهو ما لم ينتبه إليه الذين يطلقون الأرقام ويرفعون منها يوما بعد يوم، دون نظر إلى الإمكانيات العملية لتحقيقها على أرض الواقع.

أدرى أن باب المزايدات مفتوح على مصراعيه فى مصر منذ عدة أشهر. وهناك مزايدات فى السياسة لا سقف لها، وفى الهرج السائد فى مصر وفى ظل قوة ووفرة وسائل الاتصال فقد بات بمقدور كل أحد أن يطلق أى كلام، وأن يبثه من خلال الشبكة العنكبوتية التى أصبحت أدواتها فى متناول الجميع دون أن نعرف لأى منهم وزنا. ومثل ذلك الاضطراب مفهوم فى أجواء الانفلات التى تصاحب الثورات، لكن الأمر يستدعى قدرا من الحذر حين يتعلق الأمر بالأرقام.

إن من حق أى باحث أن يقول حين يسمع أرقام المليونيات المتداولة فى ساحتى المعارضة والتأييد أن يتساءل: لماذا لا تذهب تلك الملايين إلى صناديق الانتخاب لكى ترجح الكفة التى تراها أصلح لإدارة البلد، بدلا من حشد الحشود وملء الأجواء بالصياح والضجيج، ناهيك عما يستصحبه ذلك من عنف وفوضى وتعطيل للمرافق وإهدار لمصالح الخلق.

لقد كانت الديمقراطية المباشرة صيغة اعتمدتها أثينا فى اليونان القديمة. ثم تطور العقل السياسى بمضى الوقت وانتقل العالم إلى الديمقراطية التمثيلية، ووحدها سويسرا نظرا لظروفها الخاصة مازالت تمارس تلك الديمقراطية المباشرة ممثلة فى استفتاء المقاطعات المختلفة (الكانتونات) على التعديلات والتشريعات المختلفة، وحتى فى هذه الحالة فإن نتائج الاستفتاءات تحيلها منظمات المجتمع المدنى إلى البرلمان لكى يسترشد بها فيما يصدره من قوانين.

والفرق بين ما يفعلونه وما نمارسه يجسد الفرق بين الجد وبين التهريج السياسى والهزل. وهم بالاستفاء الجاد يبنون ويتقدمون، أما نحن فنضيع أوقاتنا ونهدر طاقاتنا، ونصيح ونركض، لكننا لا نتقدم خطوة إلى الأمام وربما عدنا خطوات إلى الوراء.

 

 

انشر عبر