شريط الأخبار

يجب أن يُسمى حُماة الحمى مُشتري الوقت.. اسرائيل اليوم

11:49 - 28 حزيران / يونيو 2013

بقلم: يوسي بيلين

(المضمون: يكشف مسلسل يعرض الآراء الحقيقية لرؤساء "الشباك" عن تقديراتهم الحقيقية التي تخالف ما كانوا يقولونه في سنوات نشاطهم ويزعمون فيها أنهم كانوا يشترون لمتخذي القرار الاسرائيليين وقتا ليتيحوا لهم مجال عمل لم يستغلوه للتوصل الى تسوية مع الفلسطينيين - المصدر).

في تاريخ 14 ايلول 1984 تم تبادل نوبتين شديدتي العجب في ديوان رئيس الوزراء. لم تكن أي واحدة من الكتلتين الكبريين قادرة على انشاء حكومة برغم ان المعراخ كان يزيد على الليكود بثلاثة نواب. واضطرتا الى ان تحتضن الواحدة الاخرى احتضان الدب وأوجدتا الفكرة الاشكالية جدا وهي التناوب على منصب رئيس الوزراء. فأصبح رئيس المعارضة شمعون بيرس رئيس الوزراء، أما رئيس الوزراء حتى ذلك الحين اسحق شمير فعاد الى منصبه السابق وزيرا للخارجية وأضاف الى عمله اللقب الذي لم يسبق له مثيل وهو القائم بأعمال رئيس الوزراء. وكان يفترض ان يتبادلا بعد 25 شهرا بالضبط، وهذا ما حدث حقا.

واضطر الخصمان الكبيران الى العمل معا، وفي ذلك الصباح التقيا في جلسة تبديل النوبة. كان يفترض ان أعمل أمين سر الحكومة لكنني احتجت الى جلسة الحكومة الاولى كي أُعين لذلك رسميا، وكنت في تلك الاثناء أُعد نفسي للمنصب وأجلس في واحدة من غرف ديوان رئيس الوزراء. وفوجئت بعد عشرين دقيقة من بدء جلسة تبديل النوبتين برؤية شمير يخرج من مكتب بيرس ويخطو كعادته سريعا وبصرامة الى الخارج.

وأسرعت الى المكتب وسألت رئيس الوزراء الجديد هل تفجر اللقاء بينهما فضحك وقال إنه كان لقاءا مطمئنا جدا. ماذا قال لك؟ سألت في فضول، فقال بيرس: لن تُصدق، لكن كانت رسالته الرئيسة هي: "أصغِ الى أبروم"، وكانت تلك رسالة واضحة وقد اعتاد بيرس أن يصغي الى أبروم.

حينما كان في المعارضة اعتاد رئيس "الشباك" الاسطوري أن يُلم به احيانا ويلقي اليه بآخر الأخبار التي يحسن الصمت عنها. وكان أبروم نفسه ما يزال سرا، فقد علم ناس قليلون نسبيا أن هذا الرجل الذي لم توحِ شخصيته بأي علامة "شباكية" يرأس هذه المنظمة المثيرة للاستطلاع وهو مسؤول عن أمننا الداخلي. وكان يُرى بريئا من الانحياز وأن المصلحة الوطنية هي مصلحته الوحيدة وأنه ينبغي الاستجابة لتوجهاته.

كانت الازمة الكبرى هي قضية خط الحافلة 300. وما كُشف عنه في تلك القضية أفضى آخر الامر الى تنحي كل قيادة "الشباك" تقريبا بعد أن حظيت بغفران بلا محاكمة من الرئيس. وانكسر أبروم في تلك الايام واعتقد ان القرار العام سيهدم "الشباك" وكان مخطئا. فقد خسر "الشباك" صورته وهي أنه لا يمكن ان يخطيء، لكنه لم يخسر قدرته على العمل، وكانت تلك ازمة بناءة وقد نُظر اليها بعد ذلك.

إن أبروم واحد من أفضل وأهم أبناء اسرائيل. ونهاية عمله الاشكالية لا تستطيع ان تمحو الانجازات التي بلغ بالمنظمة اليها. ومع ذلك كان يجب ان نشاهد مسلسل "حُماة الحمى" في القناة الاولى كي ندرك كيف كان يرى عمله في كل تلك السنوات التي أدى فيها أحد أهم الأدوار في الجهاز.

وقال إنه باعتباره آمن بضرورة انشاء دولة فلسطينية فورا بعد حرب الايام الستة ودون صلة بذلك ايضا، كان يرى نفسه أنه يشتري وقتا من اجل متخذي القرارات كي يستطيع هؤلاء اتخاذ القرارات الحاسمة التاريخية. وكان هدفه ان يضمن أقصى قدر من الهدوء الامني كي لا تُتخذ القرارات المهمة حقا تحت ضغط وبين يديها عنف شديد وعن شعور بأنه لا خيار. كان يجب ان يسمى المسلسل المهم لدرور موريه "مشتري الوقت" لا "حماة الحمى" على الخصوص.

لماذا الآن فقط؟

والسؤال هو كم من الوقت يمكن ان يُشترى ولا سيما حينما ندرك أن الحكومات لا تشغل نفسها بصورة مكثفة بجهد وجود حل للصراع الاسرائيلي العربي. كان يمكن ان يكون شراء الوقت منطقيا لو كنا اليوم في سنة 1967 أو 1968: فقد كانت اسرائيل قد احتلت في عاصفة مناطق أكبر من مساحتها الأصلية بثلاثة أضعاف، ولا يطلب العالم اليها ان تخليها بلا تسوية، وكان يجب على الحكومة ان تقرر كيف تتصرف بهذه المناطق وأي نوع من الحكم سيجري عليها، وما هو مقدار الحرية التي ستعطى للسكان في المناطق المختلفة التي احتلتها وما هو الأفق السياسي في الأساس.

هل تريد ان تتحرر منها في أسرع وقت ممكن في مقابل سلام، وهل تعتقد ان السيطرة عليها هي بالنسبة اليها شريط أمني حيوي للمستقبل، وهل السيطرة على فلسطينيين كثيرين جدا هي خطر على مستقبل اسرائيل باعتبارها دولة يهودية وديمقراطية. أو يمكن منحهم جنسية والأمل في أن يتحسن التوازن السكاني، أو هل تُضم المناطق ويُمنح الفلسطينيون حقوقا مضيقة هي حقوق ساكن فقط.

لكن رؤساء "الشباك" الذين يظهرون في هذا المسلسل المثير للقشعريرة أدوا الدور المهم جدا في ثمانينيات القرن الماضي والى الآونة الاخيرة حقا، فقد منحوا الجهاز الحاكم 45 سنة كي يزن ماذا يفعل بالمناطق، أما متخذو القرارات الذين تنازلوا عن سيناء وعن غزة وضموا هضبة الجولان فما زالوا يستعينون الى اليوم "مشتري الوقت" من اجل قطعة الارض الأكثر حساسية وهي الضفة الغربية.

لم أتصور قط ان الرجال الصارمين الذين يظهرون في المسلسل هم يساريون لا سمح الله أو اعضاء في "معسكر السلام". وكانت لي معهم شجارات غير قليلة إذ كنت في مناصبي المختلفة ولا سيما أمين سر الحكومة والمدير العام لوزارة الخارجية وحينما كنت وزير القضاء وعضوا في اللجان الثانوية للجنة الخارجية والامن.

كانت آراؤنا مختلفة في الأساس على خلفية مطالب طرد فلسطينيين من المناطق أو نيل موافقات على "ضغط جسمي معتدل". ورأيت نفسي فجأة أجلس أمام التلفاز اشاهد هؤلاء الاشخاص وأستمع الى آرائهم الحقيقية وأفهم ان كل ما حدث في عشرات السنين تلك كان محاولة منهم لتمكيني أنا وأمثالي من ان نقرر! إنهم اشتروا لي وقتا فقط.

يصعب علي أن أصفق لهم. أنا أُقدرهم وأراهم وطنيين اسرائيليين. لكن حينما أنظر الى الشاشة أقول في نفسي: ليس الحديث عن جنود نفذوا أوامر عسكرية بل الحديث عن رؤساء الجهاز. والحديث عن اشخاص كانوا يستطيعون ان يفتحوا أفواههم في الغرف المغلقة وان يرفعوا الصوت بآرائهم.

أين كانوا آنذاك؟ وعم أخفوا تقديراتهم الحقيقية عن الحاجة الى تسوية مع الفلسطينيين؟ ولماذا لم يقولوا لمتخذي القرارات انه لا يمكن شراء كل الوقت الذي في العالم وانه يجب عليهم التوصل الى حل سياسي وانه يوجد شريك وان المخاطرة بتسوية أقل من المخاطرة بعدم التسوية، وانه لا يمكن الاستمرار في الاستيطان؟ أنا على كل حال لم أسمع ذلك منهم في الغرف المغلقة.

وهكذا أقول في الخلاصة إنني أجد نفسي غاضبا بدل ان أصفق للرفاق الأكثر صرامة الذين يعبرون اليوم عن الآراء التي أقبلها.

انشر عبر