شريط الأخبار

علامات على طريق الندامة! ..فهمي هويدي

12:25 - 25 تشرين أول / يونيو 2013

ما عاد بمقدورنا في مصر الآن أن نجيب عن السؤال إلى أين نحن ذاهبون، لكن غاية ما نستطيعه أن نحاول الإجابة عن السؤال في أي طريق نحن سائرون؟

كأننا في الطريق إلى الطلاق، بعدما وقع الانفصال، وبدا أن الطرفين فشلا في نسج خيوط العيش المشترك. على الأقل، ذلك ما توحي به الأصوات التي تتردد في الفضاء السياسي، قائلة بوضوح وصراحة: إما نحن أو هم. الأمر الذي يعنى أننا صرنا نعيش في ظل خطاب إقصائي بامتياز.

المعارضون يقولون إن النظام القائم استنفد أغراضه وفقد شرعيته، وليس أمامه سوى خيار واحد هو الرحيل. والصوت المرتفع في ساحة الإسلاميين اعتبرها معركة ضد العلمانيين في قول وبين الإسلام والكفر في قول آخر. أدري أن حركة تمرد لم تطالب بأكثر من تحديد موعد لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وأن مطالب المعارضة تركزت حول تشكيل حكومة ائتلافية جدية، والتخلص من النائب العام. أدري أيضاً أن خطاب الجماعات الإسلامية ظل تصالحياً بصورة نسبية مع قوى المعارضة، طوال السنتين الماضيتين، لكن ذلك كله تغير على النحو الذي ذكرت تواً.

هكذا فإن مختلف الشواهد دلت على أن الثقة باتت مفقودة ومنعدمة بين الطرفين، الأمر الذي فتح الباب لتصعيد الخلاف السياسي، بحيث أصبح صراعاً حول الوجود وليس تبايناً في المواقف والاجتهادات. وأخطر النتائج التي ترتبت على ذلك أن الطرفين انشغل كل منهما بالآخر بأكثر من انشغالهما بالمصلحة العليا للوطن. وهو ما لاحظته صحيفة «واشنطن بوست» حين ذكرت أن أجواء الصراع الداخلي المحتدم في مصر، شجعت إثيوبيا على الانفراد بخططها في ما يتعلق بتنفيذ سد النهضة والتوقيع على اتفاقية عنتيبي.

من عناوين الصحف هذا الأسبوع: «جمعة التكفير والتحريض على القتل»، «أنصار الإخوان يقدمون العروض القتالية ويرفعون اللافتات» «بلاك بلوك للإخوان: سترون الجحيم إذا لجأتم إلى البلطجية»، «الغربية تهتف: رصاص برصاص مش هنقول سلمية خلاص»، «الجيش يضع خطة إنقاذ الدولة من السقوط» «أمهات الشهداء يصفن الرئيس «مرسي» بالخائن»، المتظاهرون يطاردون الرئيس بالهتاف يا جبان يا خاين»، «اشتباكات بالأيدي وتراشق بالحجارة في الإسكندرية والوادي الجديد»، «متظاهرون أحرقوا السيارة الخاصة لمحافظ كفر الشيخ أمام بيته في المحلة الكبرى وألقوا عبوات المولوتوف على أهل بيته ومنعوا سيارة الإطفاء من الوصول إلى المكان»، «استعراضات قتالية بالشوَم والدروع»، «نشطاء يقفزون في النيل رفضاً لحكم الإخوان»، «متظاهرو الدفاع يهتفون: ياسيسي خد قرارك.. الشعب المصري في انتظارك»، «قتل إخواني بالفيوم وإحراق محلات إخوانية بكفر الشيخ واقتحام مقر حزب النور بالمحلة»، «بيان يستنكر الاعتداء على الملتحين والمنتقبات»...الخ.

رسالة العناوين واضحة، في أن الإعداد للتظاهرات السلمية استصحب حديثاً عن العنف، كأن الحديث عن سلمية التظاهرات أطلق من باب الوجاهة السياسية وإبراء الذمة، في حين أن ما يرتب على الأرض شيء مختلف وليس ذلك أسوأ ما في الأمر. لأن الأسوأ، أن اللعبة السياسية الراهنة في مصر أصبحت بغير قواعد، وهو ما فتح الأبواب على مصارعها أمام كل الاحتمالات، من أضعفها وأدناها إلى أتعسها وأقصاها. ومن الواضح أنه بعد انقطاع جسور الحوار وفي ظل فقدان الثقة المتبادلة، فإن التراشق الحاصل أصبح يتم عبر وسائل الإعلام من ناحية ومن خلال حشد الجماهير في الشوارع والميادين من ناحية ثانية.

من المفارقات التي وقعت في هذه الأجواء أن السيد عمرو موسى أحد القياديين في «جبهة الإنقاذ» حين التقى في القاهرة نائب مرشد «الإخوان» خيرت الشاطر على عشاء جمعهما، قامت الدنيا ولم تقعد، وثارت ثورة رموز المعارضة، لأن الأول أخلّ بالخصام المفروض وجلس على طاولة واحدة مع القيادي الإخواني. وشاءت المقادير أن يزور السيد عمرو موسى رام الله قبل ذلك بأيام، وهناك في بيت منيب المصري التقى إسرائيليين من الناشطين في بناء المستوطنات مع بعض رجال الأعمال الفلسطينيين في اجتماع ناقش موضوع السلام الاقتصادي في الضفة الغربية. لكن ذلك اللقاء لم يستوقف أحداً من المعارضين في مصر، ولم يجدوا فيه ما يستحق الملاحظة أو العتاب، وهو ما يجسد الموقف العبثي الذي بلغته الخصومة القائمة، حين اعتبرت اللقاء مع الإسرائيليين من المباحات، في حين قررت أن اللقاء مع القيادي الإخواني من المحرمات.

«أطالب المخابرات الحربية والمخابرات العامة بإلقاء القبض على ألف وخمسمائة من عناصر حركة حماس وكتائب القسام، الذين تم تسكينهم في شقق بالقاهرة. عن طريق الإخوان من أجل التدخل في 30 يونيو».

هذا البلاغ أعلنه من خلال التلفزيون عبر برنامجه الذي تبثه إحدى القنوات الخاصة، أحد الإعلاميين الذين تربطهم علاقات قديمة بالأجهزة الأمنية.

لم يكن جديداً الادّعاء بتسرب آلاف الحمساويين إلى مصر لأسباب تراوحت بين اتهامهم بالتخريب وبين مساندتهم لـ«الإخوان» وحماية رئيس الجمهورية، علماً أن أحدا لا يجيب عن السؤال كيف دخلت تلك الألوف إلى مصر من دون أن تلاحظها أو تحس بها الأجهزة الأمنية، ذلك أن صاحبنا لم يكن الوحيد الذي وجه الاتهام لـ«حماس»، كما أن القناة الخاصة لم تنفرد بهذه اللغة، لأن هذه اللغة شكلت خطابا إعلاميا محوريا في الأسبوع الماضي، وإذا سألتني لماذا الأسبوع الماضي بوجه أخص، فردي أنه الأسبوع الذي كان مقررا أن تشهد القاهرة في بدايته اجتماع المكتب السياسي لحركة «حماس»، الأمر الذي اقتضى قدوم أعضاء المكتب من عواصم عربية عدة أضطرتهم الظروف المعروفة للانتشار فيها. هؤلاء الأعضاء الذين تجاوز عددهم نحو عشرين شخصاً، جاءوا إلى القاهرة ولم يلتقوا أحدا من «الإخوان»، في حين قابل قادتهم رئيس الجمهورية ورئيس المخابرات العامة التي تمسك بالملف الفلسطيني. الخطاب الإعلامي المصري قدم وجودهم باعتباره اجتماعا للتنظيم الدولي لـ«الإخوان»، وأن هدفه تأمين الرئيس مرسي وحماية نظامه.

هذا الكلام لم يقل به بعض الصحافيين الذين تخلوا عن المهنة وتحولوا إلى نشطاء سياسيين، وإنما ردده كتاب مخضرمون وأشخاص قدموا بحسبانهم خبراء عسكريين، وفنانين محترمين (لماذا يقحم حسين فهمي في الموضوع؟). حتى نشرت إحدى الصحف أن محامياً رفع دعوى أمام القضاء المستعجل طلب فيها منع قادة «حماس» من مغادرة مصر لحين انتهاء التحقيق معهم في الجرائم التي ارتكبتها المنظمة بحق أمن وسيادة مصر.

هكذا، فإنه في إطار التعبئة والحشد المضاد استخدمت حركة «حماس» كفزاعة وألقى بملفها في المحرقة السياسية.

في ظل كثافة الضغوط السياسية والتحريض الإعلامي اليومي يبدو أن الصدور ضاقت بحيث ما عادت مستعدة لاستقبال المبادرات والمقترحات. حتى بدا الأفق مسدوداً وصرنا ـ كما قيل بحق ـ بإزاء قطارين متقابلين يسيران على قضيب واحد، لا بد لهما أن يصطدما في أي لحظة. لدى مبادرات عدة تحاول تجنب ذلك الصدام وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أغلبها يتحدث عن إجراء انتخابات برلمانية في وقت قريب تستدعي برلماناً جديداً وتشكل حكومة جديدة والإثنان يستطيعان أن يصوبا المسيرة ويعالجا الأخطاء التي وقع فيها الرئيس، والتي كانت سبباً لانزعاج وغضب القوى السياسية الأخرى. والقائلون بذلك يستشهدون بما حدث في تونس حيث وقع ثلث أعضاء المجلس التأسيسي على عريضة دعت إلى سحب الثقة من الرئيس. ويستندون إلى ادّعاء القائمين على حركة تمرد الذين قالوا إنهم جمعوا توقيعات خمسة عشر مليون شخص، وقد سأل أكثر من واحد! لماذا لا يشكل هؤلاء حزباً يستطيع أن يتحدى الرئيس مرسى وأن يفرض عليه ما يريده محققاً المصلحة العليا في مصر.

يبدو أننا تأخرنا وأنه ما عاد هناك وقت ولا عاد هناك متسع لإطلاق أية مبادرات، وإن صح ذلك فمعناه أن الصدام حاصل والدم نازف لا محالة، وحين تواتر ذلك التقدير فإنني أصبحت مقتنعاً بأن الجيش سيضطر إلى التدخل لوقف نزف الدم والحيلولة دون سقوط الدولة. وهو ما عبر عنه الإعلان أو الإنذار الأخير الذي وجهه وزير الدفاع لمختلف اللاعبين في الساحة السياسية، وطالبهم فيه بتسوية خلافاتهم خلال أسبوع، حتى لا يضطر الجيش إلى التدخل. أما الذي سيحدث بعد ذلك، فالسيناريوهات متعددة، باختلاف درجاتها.

لا يزال الغموض يكتنف احتمالات الأسبوع المقبل، ولا يبقى أمامنا إلا أن نتوجه بمناشدتين، الأولى إلى مؤيدي الرئيس مرسي نرجوهم فيها عدم النزول إلى الشارع في وجود معارضيه، خصوصاً أنهم بتظاهرتهم يوم الجمعة الماضي وجهوا رسالتهم إلى الكافة. وللمعارضين رسالة أخرى من حقهم توجيهها بدورهم. علماً بأن أي نزول للموالين في تلك الأثناء سيوفر ذريعة للصدام وإسالة الدماء، على الأقل من جانب الذين يتحينون تلك الفرصة.

المناشدة الثانية نتوجه فيها بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى قائلين: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.


انشر عبر