شريط الأخبار

رسالة إلى د. محمد مرسي لا تكرر مع سورية خطيئة مبارك مع العراق ..معن بشور

01:02 - 18 حزيران / يونيو 2013

مع بداية التورط الرسمي التركي في المحنة السورية المتصاعدة والأليمة، وجهت رسالة إلى رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان عبر أكثر من صديق، بمن فيهم سفير تركيا في لبنان، أقول فيها: ‘أتمنى أن تتصرف كمسؤول عن دولة لا كمسؤول عن حزب، لأنك إذا تصرفت كذلك ستربح الدولة ويربح معها الحزب، أما إذا تصرفت كمسؤول في حزب فسيخسر الحزب وتخسر الدولة، فنحن نطمح إلى أن تكون تركيا جزءاً من الحل في سورية لا جزءاً من الحرب فيها وعليها’.

الفكرة ذاتها عاودتني اليوم وأنا استمع إلى خطاب الرئيس المصري د. محمد مرسي أمام مؤتمر لأنصــــاره في ستاد القاهرة حول الوضع في سورية، لأنني أعتقد أنه كلما تـــصرف د. مرسي كمسؤول في جماعة لا كرئيس لمصر تخســـر الجماعة وتخسر معها مصر أيضاً، خصوصاً انني أنتمي إلى مدرســـة آمنت، وما تزال، بدور مصر المحوري في أمتها، وبأنها إذا التـــزمت السياسة القومية السليمة، فهي مؤهلة لكي تقود المشروع العربي الجامع، في منطقة تتقدم فيها كل المشاريع إلا المشروع العربي.

فحين يعلن رئيس الدولة المصرية عن قطع علاقاته الديبلوماسية الكاملة مع الدولة السورية، ويغلق السفارة السورية في القاهرة، ويسحب القائم بالأعمال المصري من دمشق، بعد أن استبشرنا بعودته إليها قبل أسابيع، يقفز إلى أذهان أبناء الأمة كلها سؤال بسيط: لماذا لم يُقدم الرئيس مرسي على قطع العلاقات الديبلوماسية مع تل أبيب، ويغلق سفارتها في القاهرة يوم العدوان الأخير والشهير على غزة، ومع استمرار جرائمها بحق فلسطين وأهلها وأسراها ومقدساتها، وفي المقدمة منها القدس والأقصى، وقد كان الدفاع عنهما شعاراً ملازماً لجماعته (الإخوان المسلمين) منذ عقود؟ ثم ألا يظن الرئيس محمد مرسي أن العلاقات الديبلوماسية هي علاقات بين دول وشعوب وليست بين أنظمة وحكومات؟ ألا يذكر الرئيس مرسي ان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعد الضربة القاسية التي وجهها الانفصاليون في دمشق لدولة الوحدة المصرية ـ السورية في 28/9/1961، قد تجاوز الجرح الانفصالي الأليم واعترف بعد أيام بالدولة السورية وأعاد العلاقات الديبلوماسية بين بلدين كانا إقليمين في دولة وحدوية كبرى؟ ثم ألا يذكر الرئيس مرسي، كيف أن نخباً عربية عديدة رفضت فكرة عزل مصر بعد معاهدة ‘كمب ديفيد’ في أواخر السبعينات، وضغطت من أجل عودة مصر إلى جامعة الدول العربية، وعودة الجامعة إلى القاهرة، لأنهم يرفضون أن تدفع الشعوب والدول ثمن الخلاف بين الحكومات والأنظمة، حتى لو كان سبب الخلاف جريمة قومية بحجم ‘كمب ديفيد’؟ ثم ألم يقل الدكتور مرسي، منذ انتخابه رئيساً، أنه ملتزم بكل الاتفاقيات العربية والدولية التي وقعت بلاده عليها، تبريراً لعدم تخليه عن ‘كمب ديفيد’، فلماذا لا يبقى ملتزماً بالاتفاقيات التي تنظم علاقات مصر الديبلوماسية بأشقائها العرب وتحرّم اللجوء إلى قطع العلاقات التي يجب أن تبقى قائمة مهما اختلفت المواقف والآراء والاجتهادات، بل لماذا لا تبقى مصر حريصة على مؤسسة جامعة الدول العربية، التي ولدت أصلاً في مصر، بل محترمة لميثاقها الذي يحترم، لاسيما في مادته الثامنة، سيادة الدول ويرفض التدخل في شؤونها الداخلية؟ ثم ألم يقل مرسي مراراً انه يرفض التدخل الأجنبي في سورية، أيّاً كان موقفه من النظام القائم فيها، فإذ به بالأمس يدعو إلى إقامة منطقة حظر جوي داخل سورية، وهي منطقة لا تقوم، كما يعرف الدكتور مرسي وغيره، بدون تدخل عسكري أجنبي مباشر قد يقود إلى حرب إقليمية، وربما عالمية، تزهق فيها المزيد من الأرواح في سورية، وفي المنطقة، ويلحق بها المزيد من الخراب والدمار.

لقد استبشرنا، كما استبشر كثيرون من أبناء الأمة وأحرار مصر بالمبادرة التي أطلقها د. مرسي بتشكيل لجنة عربية ـ إسلامية لحل الأزمة في سورية، تضم إلى مصر كلا من المملكة العربية السعودية، وإيران وتركيا، ورأينا فيها مدخلاً إلى حل واقعي للأزمة السورية، ولكن د. مرسي نفسه يدرك من وقف وراء تعطيل هذا الحل، ومنع تطبيق المبادرة، وهي جهات وحكومات ودول لا تريد حلاً في سورية، بل لا تريد بشكل خاص حلاً يعيد مصر إلى دورها القيادي في أمتها ومحيطها والعالم.

طبعاً ليس من حقنا أن نناقش الرئيس مرسي كشخص أو كجماعة في موقفه تجاه ما يجري في سورية، بل نشاركه الرأي في ضرورة أن يتوقف سفك الدماء فوراً في هذا البلد العربي الغالي على كل عربي، ولكن من حقنا بالتأكيد أن نسأله عن واجبه كرئيس الدولة العربية الأكبر في تحمّل المسؤولية في إيجاد حل واقعي للأزمة الدامية في سورية، التي طالما شكّلت مع مصر جناحي الأمن القومي للأمة وفكي الكماشة للجم المشروع الصهيوني التوسعي.

قد يقول قائل إن خروج د. مرسي عن المألوف في سياسة مصر، وحتى عن روح مبادرته السورية وتصريحات المسؤولين المصريين في الآونة الأخيرة، ناجم عن احتدام المعركة السياسية الداخلية في بلاده عشية 30 حزيران/يونيو، التي يريد معارضون مصريون، لذلك اليوم الذي انتخب فيه د. مرسي رئيساً لمصر قبل عام، المطالبة باستقالته، بل هو محاولة منه لاسترضاء قوى داخلية وعربية وإقليمية ودولية للوقوف إلى جانبه في معركته المصيرية هذه.

وقد يرى البعض في مواقف د. مرسي صرفاً لأنظار المصريين عن عجز حكومته في صون الأمن المائي لمصر، المهدد اليوم من منابع النيل. ولكن هل يجوز أن تخضع مصلحة مصر الوطنية العليا وخياراتها الإستراتيجية لمنطق المزايدة السياسية الداخلية؟ وهل يجوز أن يكرّر د. مرسي في موقفه تجاه سورية ما فعله مبارك في الحرب والحصار على العراق العظيم في تسعينات القرن الماضي، وبدايات هذا القرن، حين اختار دور المحّرض والمتواطئ مع واشنطن و’محمياتها’ في المنطقة ضد العراق وخياراته الوطنية والقومية، فإذ بالعرب جميعاً، وفي مقدمهم تلك المحميات يبكون اليوم خسارة العراق الذي لم يحافظوا عليه؟ بل هل يجوز أن تبقى مصر، بوزنها وثقلها، أسيرة تلك الضغوط المعروفة التي منعتها من إعادة العلاقات مع إيران، بل تسعى اليوم إلى دفعها لقطع علاقاتها مع سورية، وذلك لكي تصبح مصر الجامعة لكل العرب والمسلمين، ملحقاً في مشروع جهنمي لإشعال حرب طائفية ومذهبية، وهو مشروع يسعى إلى وضع إمكانات ضخمة لإشعالها في عموم المنطقة، لأن مثل هذه الحرب المدّمرة هي الضمانة الإستراتيجية الكبرى لأمن الكيان الصهيوني ولديمومة الهيمنة الأمريكية والاستعمارية؟ ثم هل يعقل أن تنضم حكومة مصر إلى معسكر معرقلي الحل في سورية، وقد بدأت ملامحه تظهر مع الحديث عن مؤتمر ‘جنيف 2′ للحوار، وهل يعقل أن تستخدم حكومة مصر كإحدى أوراق الرئيس اوباما في تفاوضه مع الرئيس بوتين بعد أيام، خصوصاً ان الإدارة الأمريكية مسكونة هذه الأيام بهاجس الدفاع عن أمن الكيان الصهيوني، الذي يهتز مجدداً مع تصاعد الحديث عن مقاومة منتظرة في الجولان تحقق في الأرض السورية المحتلة ما حققته في جنوب لبنان وقادت إلى تحريره عام 2000.

إن مصر التي اعتبر الأزهر الشريف فيها، وفي زمن الرئيس القائد الراحل جمال عبد الناصر، أن المذهب الجعفري هو خامس المذاهب الإسلامية التي ينبغي تدريسها، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى الى أن تعتمد الخطاب العروبي والإسلامي الجامع، وان تشكّل حصناً لوحدة العرب والمسلمين، وان تقيم درعاً بوجه كل أعداء الأمة، في داخلها والخارج، ممن يعتقدون أنهم لا يحمون مصالحهم إلاّ بالحروب الطائفية والمذهبية والعنصرية المتواصلة، ويسعون إلى تغيير بوصلة الأمة عن وجهتها الصحيحة نحو القدس وفلسطين من أجل قيام احتراب بين أبناء الأمة، الذين مهما أخطأوا يمكن معالجة أخطائهم بالحوار وبروح المصالحة والتقريب بين المذاهب والأفكار.

إن أخطر ما في كلام الدكتور مرسي انه يوحي برغبة في أن تتولى حكومته اليوم، ما عجزت عنه بالأمس حكومة اردوغان، التي تهتز من تحتها الأرض التركية، كما تهتز الأرض تحت كل من يختار للأمة عدواً غير العدو الصهيوني، ووجهة غير وجهة تحرير فلسطين وعاصمتها القدس ومقدساتها.

ويعرف الرئيس مرسي وإخوانه في ‘الجماعة’ إن كاتب هذه السطور، كان وسيبقى، من أشد المدافعين عن التلاقي بين تيارات الأمة الرئيسية من إسلامية، ويسارية عروبية، وليبرالية وطنية، وقومية، وانه مع إخوانه يواجهون اقسى الحملات بسبب نهجهم هذا.

نعم نريد أن تكون مصر جزءاً من الحل في سورية، الحل الذي يحقن دماء الشعب السوري العظيم، ويضمن تطلعاته المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة، ويصون وحدته وسيادته الوطنية واستقلاله بعيداً عن خطاب طائفي بغيض، وتدخلات استعمارية مدمرة.

لست متفائلاً بقدرة د. مرسي على مراجعة قراراته الخطيرة، ولكن اللهم أشهد أنني قد بلغت.


انشر عبر