شريط الأخبار

دافيد بن غوريون وهذا العالم.. اسرائيل اليوم

11:46 - 14 تموز / يونيو 2013

بقلم: يوسي بيلين

(المضمون: إن الفراغ العظيم الذي خلفه بن غوريون وهو أول رئيس حكومة اسرائيلي لم يتم ملأه الى اليوم برغم مرور خمسين سنة على استقالته في 1963 - المصدر).

حينما كنا طلابا، كنا نمضي بعد انهاء الدراسة الى دكة الصحف ونقطع في حذر صفحات الصحيفة الاسبوعية "هعولام هزيه" (هذا العالم) (أغلقت في 1993) غير المفصولة كي ننظر الى الصور الاباحية التي كانت تنشرها، وكنا نعلم أننا سنجدها هناك فقط على الدكة لأن هذه الصحيفة الاسبوعية التي كانت تشتمل على مثل هذه المادة لم تكن تدخل البيوت المحترمة.

وفي ذات يوم دخل جدي الى البيت يتأبط عددا من "هعولام هزيه". وكاد يغشى علينا. فلا يمكن ان نفسر خطر هذا الامر. فجدي وهو يهودي متدين ذو قبعة سوداء على هيئة قارب غطت صلعته كلها، يمسك بيده صحيفة اسبوعية تتناول النمائم والامور الجنسية ومعارضة الحكومة! وكان ذلك يشبه حقا لو أنه جاء الى البيت مع فيلم فيديو جنسي يلوح به أمام أعين الجميع.

لم يشعر جدي خاصة بأي حرج وأوضح أنه اشترى هذا العدد بسبب ما كان مكتوبا في الصفحة الخارجية، ولم تؤدي به أخبار صوت اسرائيل وهو ان بن غوريون استقال. أكثر بن غوريون في الحقيقة الاستقالة لكنه في ذلك الاسبوع خاصة لم يفعل ذلك، بل كان اوري افنيري محرر الصحيفة الاسبوعية هو الذي دعاه الى الاستقالة ولم ينتبه جدي الى علامة القراءة!.

كانت استقالة رئيس الوزراء ووزير الدفاع دافيد بن غوريون من أكبر التهديدات لأكثر الاسرائيليين. وقد فعل بنا ذلك في 1953 لكنه استجاب بعد وقت ما كان فيه موشيه شريت رئيس الوزراء وبنحاس لافون وزير الدفاع، استجاب لتوسل غولدا مئير ورفاقها ووافق على ان يتولى وزارة الدفاع، أما في انتخابات 1955 فقد ترأس قائمة مباي للكنيست وعاد الى رئاسة الوزراء.

لم تكد الدولة تعرف كيف يمكن ان توجد من غير ان يرأسها بن غوريون، وارتاع جدي ايضا لهذا الامكان. حينما استقال قبل خمسين سنة بالضبط، في 16 حزيران 1963، لم يصدق كثيرون أنها استقالة نهائية لكن تبين بعد ذلك (برغم ان بن غوريون ندم بعد ذلك وأصبح مستعدا للعودة) أنها كانت استقالة حقيقية ولم يعد العجوز الى مقود الدولة الى موته بعد ذلك بعشر سنوات.

والحقيقة انه لم يكن يوجد أي تسويغ لاستقالته. ففي ستينيات القرن الماضي بلغت الدولة النماء والهدوء بعد سنوات أمن مزعزع واقتصاد كان من الصعب عليه ان يلبي الحاجات الكثيرة للمهاجرين الجدد. بعد حرب سيناء في 1956 ساد الحدود هدوء، وحدثت ثورة صناعية تحت اشراف بنحاس سبير وزير الصناعة والتجارة.

ونما الاقتصاد سريعا، وارتفع مستوى العيش وأُنشئت جامعات جديدة ومؤسسات ثقافية مختلفة، ووجدت اسرائيل نفسها تساعد نظم الحكم الجديدة في افريقيا وتصبح نموذجا يحتذى للعالم في مجالات كثيرة في مقدمتها الحركة الكيبوتسية. وأحدثت سياسة بن غوريون الحكيمة والابداعية عددا من هذه الظواهر ومكّنت لعدد آخر. وثبتت منزلته باعتباره "أبا الأمة" وكان يستطيع ان يتولى عمله بضع سنين اخرى.

حل محله ثلاثة رؤساء حكومات من حركته فشلوا واحدا بعد آخر (ليفي اشكول بسبب ضعفه، وغولدا مئير بسبب عدم فهمها المطلق في المجال الاجتماعي وفي المجال السياسي الامني، واسحق رابين الذي فشل في فترة ولايته الاولى بسبب عدم تجربته). الى ان انتُخب في 1977 خصم بن غوريون الخالد لرئاسة الحكومة. كان هو مناحيم بيغن زعيم الليكود الذي عارض خطة التقسيم في 1947 والذي لو كان الامر متعلقا به لما قامت اسرائيل بعد ذلك بسنة.

إن قضية "صفقة العار" (التي حاول ناس استخبارات اسرائيليون بها في 1954 ان يُدينوا المصريين بالمس بمنشآت امريكية في القاهرة للاضرار بالعلاقات بين الدولتين)، أُثيرت من جديد بعد ذلك بست سنوات حينما كان لافون أمين سر الهستدروت وطلب الى رئيس الوزراء بن غوريون ان يُبرئه من تهمة الامر بتنفيذ العملية الصبيانية الفاشلة هذه التي كلفت ثمنا بشريا باهظا.

وحينما استقر رأي الحكومة على ان تفحص لجنة وزارية عن ذلك الامر ولم تقبل طلب بن غوريون ان تشتغل بذلك جهة قانونية، استقر رأي الزعيم الشيخ على ان يترك السفينة. وبعد ذلك بسنتين ترك مباي (طُرد منه في واقع الامر بمحاكمة داخلية) وانشأ مع موشيه ديان وشمعون بيرس واسحق نافون "قائمة عمال اسرائيل" (وكانت ظاهرة لا داعي لها ألبتة لم تُرح أحدا وانتهت بعد سنتين ونصف مع انضمام "رافي" الى حزب العمل).

مرت خمسون سنة بالضبط وما زالت سنوات زعامة بن غوريون تصاحبنا الى كل مكان لحسن وأحسن. ان الامور التي أصر عليها (الجيش الواحد وعدم الاستعداد لمنح الاستقلال لا للبلماح ولا للايتسل؛ وشبكة أمن استراتيجية، وإقرار ان القدس هي عاصمة اسرائيل برغم موقف الامم المتحدة) والامور التي صالح عليها (تخليد الوضع الراهن الديني، وعدم الفصل بين الدين والدولة بحيث تكون قوانين الاحوال الشخصية لكل ديانة هي قوانين الدولة، والاعفاء الجزئي لشباب المدارس الدينية من الخدمة في الجيش الاسرائيلي) بقيت على حالها ونحن الآن في سنة 2013.

وقد عارض الدستور، وأقر الفصل بين الجيش و"الشباك" والموساد، وأقر الفصل بين الرئيس ورئيس الوزراء، وبين وزير القضاء ومستشار الحكومة القانوني، وأقر مئات الامور الاخرى التي يصعب جدا تغييرها لأن ما تم إقراره في سنوات التشكيل يصبح ثابتا في الأكثر.

كانت في بن غوريون عظمة الى جانب إسفاف: فقد كان يعرف كيف يتخذ قرارات جريئة – مثل أهم قرار في حياته وهو انشاء دولة اسرائيل – كما اتخذ قرارات مخطئة جدا (مثل اطالة مدة الحكم العسكري، وعدم الغاء حالة الطواريء في اسرائيل، وعدم الغاء قوانين الطواريء وما أشبه). وتكلم بسخافات ايضا أكثر من مرة مثل قوله "أو مشموم" (أمم متحدة جوفاء) الذي لا ينسى، لكنه لم يوجد مثله مع كل ذلك.

وثبت ان مقولة لا يوجد انسان لا يمكن استبداله غير دقيقة حينما يكون الحديث عن بن غوريون. ولقد كان جدي اذا على حق حينما ارتاع كثيرا. ان استقالة بن غوريون أنهت فصلا من حياة اسرائيل وبدأت فصلا أقل نجاحا الى الآن اذا لم نشأ المبالغة.

ربما كان الزعيم الشيخ ينجح في الامتناع عن دخول الورطة التي أفضت الى حرب الايام الستة في 1967. وربما كان يحقق تصوره عن الحفاظ على القدس والخليل ويحررنا من عبء الاحتلال بعد حرب الايام الستة وهو شيء كان سيجنبنا كارثة يوم الغفران – لكن شيئا واحدا واضح وهو ان بن غوريون خلف فراغا عظيما لم يتم ملأه الى الآن.

انشر عبر