شريط الأخبار

جمود، لا تجميد- هآرتس

11:58 - 02 حزيران / يونيو 2013

بقلم: عاموس هرئيل

(المضمون: رغم البناء في المستوطنات، المراوحة السياسية في المكان ودروس فك الارتباط، هناك من يعتقد انه يمكن تحقيق تسوية مع الفلسطينيين. سلسلة جولات على المناطق تبين ان المستوطنين يشعرون منذ الان بالانتصار والفلسطينيين يترقبون انتفاضة ثالثة - المصدر).

        عشية اطلاق المسعى لاعادة تحريك المفاوضات السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين قبل بضعة اشهر من الذكرى السنوية العشرين لاتفاقات اوسلو يخيل أن هذه فرصة للتوقف وفحص ما حصل في هذه السنين في الضفة الغربية. سلسلة جولات هناك تعزز الاشتباه بانه رغم النوايا الطيبة لوزير الخارجية الامريكي الجديد جون كيري، فان أغلب الاحتمال هو أن مبادرته الجديدة ستتحطم، مثلما حصل لمعظم اسلافه في المنصب في العقدين الاخيرين. وهذه ليست فقط الفجوات الاساسية في مواقف الطرفين في المسائل الجوهرية (القدس، الحدود واللاجئين) بل المجريات على الارض وعلى رأسها العملية المتواصلة لتوسيع المستوطنات. كل هذه تطرح السؤال هل اذا لم يكن المسعى الامريكي يأتي في مرحلة متأخرة بالنسبة للطرفين.

        شاؤول ارئيلي يعتقد ان لا. ارئيلي، عقيد في الاحتياط، من كبار رجالات مبادرة جنيف ومجلس الامن والامن، شريك في المفاوضات السلمية في حكومة ايهود باراك، يزور الضفة كل اسبوع. في الرحلة معه على طرق السامرة، يشير الى زخم البناء المتجدد في المستوطنات. ولكنه يطرح بالتوازي معطيات تدل برأيه على أن قيادة المستوطنين فشلت في مسعاها لاقامة دولة فلسطينية مستقبلية وضمان ضم البلدات الاسرائيلية في الضفة الى اسرائيل. 

        يسكن في الضفة اليوم اكثر من 340 الف اسرائيلي، وهذا لا يتضمن اولئك الذين يسكنون في شرقي القدس. الكتل الاستيطانية، التي يتركز فيها نحو 75 في المائة من الاسرائيليين، تحتل 6 في المائة فقط من اراضي الضفة. 88 في المائة من سكان الضفة هم فلسطينيون، وفقط 12 في المائة اسرائيليون. نسبة السكان داخل الكتل: 95:5 لليهود، اما خارج الكتل – فـ 79:3 للفلسطينيين.

        استنتاج ارئيلي هو أن النزعة السائدة والاغلبية اليهودي لا تكون الا في الكتل وبالتالي يقول: "لا مشكلة مادية في الوصول الى اتفاق على تبادل الاراضي مع الفلسطينيين، بحيث تحتفظ اسرائيل بنحو 4 في المائة من اراضي الضفة، معظم اراضي الكتل. قادة "يشع" للمستوطنين يغسلون لنا العقل وكأنهم منعوا الدولة الفلسطينية. عمليا، هذا لم يحصل. توجد 75 بلدة اسرائيلية خارج الكتل، ولكن في 80 في المائة منها يسكن اقل من 2000 نسمة في البلدة. وهذه ليست مشكلة لا يمكن التغلب عليها. كل ما هو مطلوب هو الشجاعة والقرار السياسي".

        على مدى نحو 15 سنة من الاستعراض الجاري في المناطق، لم التقِ خبيرا يعرف افضل من ارئيلي ما يجري على الارض عمليا. ولكن في هذه الحالة يثور الاشتباه: هل يحتمل أن ما يفعله ارئيلي الان هو ما يسمى، في ماضيه البعيد في المظليين (في الايام ما قبل السياسة السليمة)، "اغتصاب الارض"؟ بتعبير آخر: هل يفسر له الحقائق على الارض وفقا لخريطته الايديولوجية؟

        ومع أن المستوطنين لم يستوطنوا القلوب، ولم يقتربوا بعد من هدف مليون اسرائيلي شرقي الخط الاخضر، الذي يتحدث عنه مؤخرا بعض من زملائهم. ولكن من الصعب التجول مثلا في سلسلة جدعونيم، ذاك القطاع الطويل من المزارع والبؤر الاستيطانية فوق مستوطنة ايتمار شرقي نابلس دون التفكير في امكانية أن يكونوا ربما قد انتصروا والوضع على الارض بالفعل غير قابل للرجوع.

        في شتاء 1998، كمراسل عسكري مبتدىء، زرت جدعونيم الى جانب قائد اللواء. ووصف لي قائد اللواء باستطراد اقامة البؤر الاستيطانية غير القانونية، ولكنه اعترف بنفس الوقت بان الجيش يوفر لهم الحماية. ذراع واحدة من السلطة تعلن بان البناء محظور، والذراع الثانية تحرص على امن المستوطنين في البؤر الاستيطانية والثالثة تتأكد من أنهم يتلقون المساعدة من حيث شبكات البنى التحتية واللوجستية. وبعد يومين جاء في "هآرتس" لاول مرة بان وزارة الدفاع "تبيض" بؤر استيطانية في السامرة.

        في الزيارات في اثناء السنوات منذئذ، حتى في ايام عمليات الانتفاضة الثانية، كان يمكن للمرء أن يتبين بان الاستيطان في جدعونيم يصعد ويزدهر. وما بدا ذات مرة كالغرب المتوحش، هو الان شبكة مزارع مرتبة جدا حققت لها سيطرة على ارض هائلة من حيث الحجم.

        في مكتب غيرشون مسيكا، رئيس المجلس الاقليمي السامرة والرمز اليميني في قيادة المستوطنين، معلق جدول متابعة لبدايات البناء في بلدات المجلس. وليس لدى مسيكا اسباب كثيرة للشكوى: فمنذ زمن بعيد لم تكن ايام جيدة بهذا القدر للمستوطنات في المناطق، قانونية وغير قانونية، داخل الكتل ووراء الجدار (زخم البناء في المجلس مسؤول على ما يبدو عن التعبير الذي التصق بالرئيس مؤخرا: هيرودوس). التجميد في بداية عهد حكومة بنيامين نتنياهو الثالثة انقضى منذ زمن بعيد. فالرقابة الحكومية ضعفت في السنة الماضية وتقلصت اكثر تحت الحكومة الجديدة، التي مكانة المستوطنين فيها أقوى من أي وقت مضى.

        تقدر قيادة المستوطنين بان الحكومة معها، ولكنها تخشى أيضا من أن تنتهي فترة الازدهار بسبب الضغط الامريكي. وفي نظرة الى الوراء – وحادو النظر من النواب حديثي العهد بدأوا يفهمون هذا الان – لا شك في من هي مجموعة الضغط الاكثر نجاعة في المجتمع الاسرائيلي في العقود الاخيرة. المستوطنون، ببؤرهم في وزارات الاسكان والدفاع، التعليم، الاديان، مديرية اراضي اسرائيل ومؤخرا حتى شبكة الطبيعة والحدائق، يتركون الاصوليين وراءهم بعيدا.

        في السنتين الاخيرتين يتحدث الحاخامون في الكليات الدينية عن موقعين فاتت السيطرة عليهما: وزارة المالية والنيابة العامة للدولة، وعن الحاجة في توجيه شبان مؤهلين اليهما من أجل تغيير الصورة هناك ايضا. ولو كان رجالنا يتواجدون في وزارة العدل، كما يقول هذا الفهم، لكان ممكنا التصدي بسهولة اكبر لشكاوى منظمات اليسار والمحاكم، كتلك التي أدت الى اخلاء بضع بؤر استيطانية.

        ولكن يبدو أن هكذا ايضا تحقق امر غير قليل. الجدعونيم هم مثال فقط، ولكن الواقع مشابه جدا ايضا على مسافة 15كم جنوبهم، في الكتلة التي تبدأ في ارئيل في الغرب ونهايتها في بؤر استيطانية عيمق شيلو وعلى طريق ألون. ويتناول الاجماع في الرأي العام مسألة ابقاء الكتل الاستيطانية  تحت سيطرة اسرائيل حتى في التسوية الدائمة المستقبلية. ولكن في العقدين منذ اتفاقات اوسلو امتد بمهارة من كل كتلة اصبع شرقا، دق اسفينا في امكانية تنمية فلسطينية مستقبلية.

        بيني كتسوفار، من العصبة الضيقة لمؤسسي غوش ايمونيم، تذكر حديثا مع اسحق رابين في عهد اتفاقات اوسلو، كرئيس وزراء في حينه شرح لرؤساء المستوطنين بان في نيته بان ينقل الى الفلسطينيين كل المنطقة شمالي نابلس لان ليس فيها مستوطنات. وقد استخلص المستوطنون الدروس. كتسوفار، الذي بات منذ سنوات عديدة خارج السياسة، يستثمر الان بعضا من وقته في جولات الارشاد للزوار. وفيما يقف على جبل كبير في شرقي نابلس، قرب منزله في الون موريه، يستمتع في استعادته بنبرة حنين سلسلة الصعودات الى الارض في السبعينيات. من زاوية نظره، واضح أنه انتصر.

        بؤر وهمية

        على خلفية المسعى الامريكي الجديد ايضا، يبدو أن مستوى التوقعات في السلطة الفلسطينية بقي منخفضا. مسؤولون كبار في السلطة لا يشاركون في تفاؤل وزير الخارجية الامريكي جون كيري. فالفلسطينيون يشكون في أنه ليس هناك ما هو حقيقي في قسم نتنياهو المتردد بالالتزام برؤيا الدولتين وان حل النزاع معهم لا يهمه.

        ومثل ارئيلي وكتسوفار، يفهم الفلسطينيون ايضا ما حصل على الارض في العقدين الاخيرين: ليس فقط مضاعفة عدد اليهود ثلاثة اضعاف بل وايضا انتشار البؤر الاستيطانية شرقا وخلق تواصل استيطاني على ارض تبدأ في الخط الاخضر وتنتهي الان تقريبا في غور الاردن. في نظرهم، تأجيل الحل لسبع سنوات بين اوسلو 1993 وكامب ديفيد 2000، وبعد ذلك في الـ 13 سنة من الانتفاضة والجمود السياسي، استغل جيدا من قبل المستوطنين. وحتى حين تلوح السلطة بتهديد الدولة ثنائية القومية يبدو أن لدى الفلسطينيين يعشعش الشك بان في هذه الاثناء سيراكم المستوطنون المزيد من الارض والمزيد من النفوذ بحيث يحبطون هذا السيناريو ايضا.

        المسار البديل الذي يدرس في السلطة هو القناة الدولية. اذا ما فشلت مبادرة كيري ايضا، سيستأنف الفلسطينيون في الخريف القريب القادم التوجهات الى المحافل الدولية بهف تثبيت مكانة السلطة هناك كدولة واحراج اسرائيل. الخطوات السابقة في هذا الاتجاه، في خريف 2011 وفي خريف 2012، لم تنتهي بنجاح. والان تبذل السلطة جهودا لبلورة خطة مرتبة اكثر، تمهيدا للجولة التالية.

        وبالتوازي، تصارع السلطة ضد اسرائيل – في الساحة القضائية والاعلامية – في مناطق ج من اقامة بؤر وهمية فلسطينية وحتى توجهات متواترة الى محكمة العدل العليا. لقد حددت السلطة لكيري موعدا نهائيا (ديد لاين): حتى 7 حزيران، كما تطلب، ستستأنف المفاوضات. واذا لا ... وبالفعل، اذا لا، فان الفلسطينيين مقتنعون جدا بانه من هنا تسير الطريق اخيرا نحو انتفاضة ثالثة ايضا.

        لا سبب للانسحاب

        في يوم الاثنين عقد في مكاتب حركة "مستقبل ازرق – ابيض" في كفار هيروك بحثا في المفاوضات السياسية. وكان أسس الحركة مبادر التكنولوجيا العليا اورني بتروشكا، بهدف حث صيغة الدولتين، بواسطة الحوار مع المستوطنين ايضا. وشارك في البحث اثنان من اصدقاء بتروشكا في قيادة الحركة، المحامي جلعاد شير، رئيس مكتب رئيس الوزراء باراك ورئيس الفريق المفاوض مع الفلسطينيين سابقا (الذي ادار البحث)، والوزير ورئيس المخابرات سابقا عامي ايالون. كما كان هناك ضيفان مواقفهما ليست بعيدة عن الحركة: الوزير السابق دان مريدور ورئيس شعبة الاستخبارات السابق اللواء احتياط عاموس يدلين. هذه عصبة مجربة، سواء في الاتصالات للسلام أم في الجانب الامني – الاستخباري، مفعمة بالاحساس بوجوب التقدم في المسيرة السياسية. ولكن يخيل أن هم ايضا على علم بالمفارقة الثابتة في موقف الجمهور الاسرائيلي من المفاوضات: عندما يوجد ارهاب فلسطيني، لا يجب اخلاء مستوطنات لانه محظور الخضوع للارهاب. وعندما تكون المناطق هادئة، فلا يكون سبب للانسحاب. هذا بالفعل شرك اسرائيلي اصيل.

        ووجه كل المتحدثون أقوالهم الى الزخم الناشيء الذي يخلقه كيري الان، ولكنهم كانوا شكاكين لفرص ترجمته الى تقدم حقيقي. مريدور، الذي لم يجد مكانه في الليكود في صيغته 2013، قال انه نشأ لدى الجمهور وهم وكأن الهدوء في المناطق يمكن أن يكون وضعا دائما. فدحر المسألة الفلسطينية عن جدول أعمال الانتخابات الاخيرة كان مؤقتا وكاذبا، قال. "الناس لا يموتون في الشوارع وبالتالي لا يوجد احساس بالالحاح"، لاحظ ايالون. الاسرائيليون لا يعرفون ان جزءا كبيرا من الهدوء يتحقق بفضل أجهزة الامن الفلسطيني".

        مريدور، الذي تذكر عهده كنشيط في حركة حيروت، يرى "انجازا هائلا في أن خطوط 67 لن تكون منذ الان خط النهاية للنزاع"، ولكنه يشدد على أنه "مطلوب توافق بين السلام والاستيطان"، ويدعو الى تقييد البناء في المستوطنات بالكتل. "لا يمكن ابقاء وضع دائم لمنطقة محررة واناس محتلين"، قال. اما يدلين فادعى بان الوضع الاستراتيجي لاسرائيل تحسن بالذات بسبب الاضطرابات في العالم العربي. علينا أن نصمم حدودنا بأنفسنا، كما اوصى. ولكن ليس مثلما فعل ارئيل شارون في فك الارتباط. يدلين يتحدث عن اخلاء احادي الجانب محدود لمناطق في الضفة، في ظل بقاء مؤقت في غور الاردن، حتى انضاج تسوية دائمة. وبرأيه، فان المفتاح لفك ارتباط ناجح هو الحفاظ على الاجراء الديمقراطي: غضب المستوطنين اندلع في 2005 ايضا بسبب احساسهم بان شارون خدعهم حين تجاهل نتائج عملية التنسيب في الليكود.

        وتجاهل كل المتحدثين الفيل الذي في الغرفة: مسألة قدرة الجيش الاسرائيلي على تكرار فك الارتباط مضاعف بعشرة اضعاف – اخلاء قرابة 100 الف اسرائيلي من المستوطنات خارج الكتل. يخيل أنهم لا يأخذون بالحسبان سياقات العمق التي تمت منذئذ في الجيش وعلى رأسها وجود معدل من معتمري القبعات في الضابطية الصغيرة القتالية، يصل الى 30 – 40 في المائة. هذا جيل عسكري جديد، الكثيرون فيه يعتقدون بان اخلاء يهود من تفوح وايتمار ليس شرعيا. لا يمكن تجاهل شدة المشاعر، الدينية والايديولوجية ايضا، تجاه يهودا والسامرة مقارنة بالمستوطنات المنعزلة في غزة، والتي كان خلاف فيما اذا كانت على الاطلاق تعتبر جزءا من بلاد اسرائيل.

        "أنا أتحدث مع حاخامين"، قال رئيس المخابرات الاسبق ايالون. "توصلت الى الاستنتاج باننا اذا أدرنا المسيرة على نحو سليم، رغم الصدع الكبير الذي سيقع، فان الاخلاء سينفذ. ويشارك يدلين في موقفه: "توجد مبالغة في وصف التغيير في الجيش. فهم سيعرفون كيف يفعلون ذلك مثلما فعلوا في غوش قطيف. معظم الضباط سيطيعون إمرة القيادة السياسية".

        في خلفية هذا النقاش النظري يوجد أيضا عدم رغبة القيادة السياسية، في اسرائيل وفي السلطة، للوصول الى اتفاق. الناس الذين تحدثوا مؤخرا مع نتنياهو فوجئوا بان يروا كم هو قليل الوقت الذي يكرسه للمسألة الفلسطينية. ايران وسوريا تشغلان باله اكثر والجلبة في العالم العربي تبرر في نظره الحذر الزائد في القناة الفلسطينية. شريكاه الجديدان في الحكومة، يئير لبيد ونفتالي بينيت، يسيران على ذات الخط معه. بينيت لا يفكر بالانسحاب من الحكومة بسبب مبادرة كيري لانه يعتقد بان على اي حال لن يخرج منها شيء. اما لبيد، في مقابلة منحها لـ "نيويورك تايمز"، فقد وضع نفسه في الوسط بل وقليلا الى اليمين من هناك. ويحتاج كيري الى الكثير جدا من الكفاءة والحظ كي يخترق هذه الجبهة.

انشر عبر