شريط الأخبار

الذاكرة التي لا تنطفئ.. أبو داود "حلم العائد إلى يافا" ..!

08:00 - 25 حزيران / مايو 2013

غزة (خاص) - فلسطين اليوم

 أصواتُ الرصاص تعلو سماء المنشية وقذائف المورتر تتساقط على مفترقات الطرق وفي الساحات تستهدف تجمعات المواطنين في سوق الخضروات وفي المساجد, صرخاتُ الأطفال والنساء تجوب شوارع يافا إما جرياً على الأقدام أو في سيارات النقل العام والسيارات الخاصة التي ما انفكت تبحث عن طريق للنجاة, وتستمر الاشتباكات بين مقاومة هنا وعصابة صهيونية في الشارع المجاور ومطاردات وملاحقات أمام دبابة إنجليزية تقف متفرجة على لون الدماء والأشلاء المتطايرة، تلك صورة حية لجانب من جوانب النكبة الفلسطينية.

لم يكن سليمان داود شلبية "أبو داود", وهو من مواليد حي المنشية بمدينة يافا عام 1936, العائد لتوِّه من اللعب مع أصدقائه في مدرسة الرابطة الابتدائية يدرك أن هذه الحواجز والمتاريس من أكياس الرمل التي تُنصب على مفترقات الطرق وعلى نوافذ المباني في حي المنشية بمدينة يافا هي مقدمة حرب بين اليهود والعرب؛ ولم يكن يعرف أنها بداية الرحيل.. !!

يقول أبو داوود: "بعد تلك الهجرات التي عمت المدن الفلسطينية وازدياد المخاوف لدى المواطن الفلسطيني منها وما كانت تمارسه من عنصرية، نُشرت في الشوارع حواجز ومتاريس رملية, وتناوب شباب الحي ورجال الثورة ومتطوعون من دول أجنبية على الحراسة فيما جنود الانتداب البريطاني يتفرجون ويدربون العصابات الصهيونية منها الأرجون والهاجانا وشتيرن ويدعمونها بالسلاح".

 

مشوار الرحيل من يافا ..

يتذكر أبو داود حي المنشية بالتفصيل وأسماء المعلمين وزملائه في مدرسة الرابطة التي لم يكمل فيها إلا الصف السابع لأنّ الرحيل قد آن, ويستطرد أبو داود في الحديث: "تأخرت الجيوش العربية, وانقسم العرب بين مقاتلين شرفاء أشداء, وبين لصوص ينهبون الجثث متفرغين للسرقة, وكان اليهود أكثر خبرة وذكاءً في نصب الكمائن واصطياد المقاتلين العرب وذلك جله بدعم القوات البريطانية عن طريق التدريب والدعم الوجستي والعسكري".

ويوضح أبو داود لـ"فلسطين اليوم": "كانت الجثث مقطعة في سوق الخضروات بالمنشية وقذائف المورتر تتساقط على المنازل والأماكن العامة, والناس يهربون بما استطاعوا أن يحملوه من الملابس والأغراض الثمينة تاركين منازلهم خلفهم والرصاص يغطي رؤوسهم والجثث على جوانب الطريق .

وأكمل أبو داود: "عدتُ مسرعاً إلى المنزل وحملنا أمتعتنا في سيارة أبي من نوع "بيتفورد" وركبت معنا خالتي وأبنائها ومضينا مسرعين قبل صلاة الظهر وأصوات الانفجارات لا تنقطع في طريق "نيتر" كان حاجز للعصابات الصهيونية وغيّرنا اتجاهنا إلى طريق "يزور" وكانت عليه دبابة بريطانية تُسهل هجرة الفلسطينيين واستمرت بنا الطريق إلى منزل للعائلة بمدينة اللد وعشنا فيها ثلاثة أشهر حتى بدأت المرحلة الثانية من التهجير حيث واصلت العصابات الصهيونية قصفها على مدينة اللد والرملة وهرب الناس للاحتماء بالمساجد غير أنّ العصابات استهدفتهم فيها".

 

طريق الآلام إلى غزة

ويوضح أبو داود كيفَ هرب مع أسرته إلى مسجد "دهمش" في الأيام الأولى من شهر رمضان, وتفاجؤوا بالدماء التي تغطي أرجاءه والجثث التي ملأت ساحته من الأطفال والشيوخ والنساء ثم تجمعوا في مسجد آخر, وطالبتهم العصابات بالذهاب إلى الأردن عند الملك عبد الله الأول, واتجهوا إلى نعلين عن طريق مستوطنة "بيت شيمن" مشياً يجتازون الجبال حتى وصلوا إلى نقطة للجيش الأردني الذي نقلهم إلى مدينة رام الله, ثم قرروا بعد أسبوع الانتقال إلى منزل خالتهم بمدينة المجدل ومكثوا فيها ثلاثة أشهر أخرى كانت بعدها المرحلة الثالثة من التهجير والتي استهدفت مدينة غزة والمجدل .

يسرد أبو داود: "استهدفت أول غارة مقهى "كافينا" بوسط البلد, كانت قطع اللحم متناثرة في المكان في تمام الساعة السابعة صباحاً, حيث كان الناس يتجمعون فيها ويستمعون الأخبار, والقصف على المجدل والجورة واسدود لم يكن بالمجنزرات وإنما بالطائرات بدون رحمة أو تمييز واستهدفت الغارات قرية هربيا وبربرا وبيت جرجا حتى تدخلت الجيوش العربية وحوصر عبد الناصر بالفالوجا, وكنا قد وصلنا غزة وعشنا في معسكر حلزون بحي الرمال وسط مدينة غزة على مساعدات من القمح والشعير والذرة ولم تكن الأونروا موجودة بعد, وكانت سياط الموزعين تلهب ظهور الناس, وكانت أمي تعجن البطاطا بالطحين من القلة".

                                                     

النكبة مستمرة والنكسات تتوالى

واستمر حال عائلة أبو داود بهذه المعاناة حتى جاءت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" مع بداية الخمسينات وتحسنت أوضاع اللاجئين المعيشية قليلاً, والتحق سليمان شلبية بأول دفعة بالصناعة في معهد الأيتام ليتعلم حرفة "ميكانيكا سيارات" وتحسنت أحواله بوظيفة لدى الأونروا حتى قام اليهود باحتلال غزة في سنة الـ56 دون مقاومة من الجيش المصري الذي تعرض حينها للعدوان الثلاثي من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل.

ويصف أبو داود بعد انسحاب قوات الاحتلال وسيطرة القوات الدولية بدلاً منه على قطاع غزة: "قامت الناس بمظاهرات واحتجاجات وإضرابات واسعة مطالبين بعودة الجيش المصري والإدارة المصرية التي استقبلوها بالأفراح والزغاريد يصفقون ويهللون في الشوارع ابتهاجاً بالعودة إلى غزة وانسحاب الاحتلال .

لكن هذه الفرحة لم تستمر إذ عادت قوات الاحتلال تقصف غزة ومواقع الجيش المصري وأعلن الحاكم المصري حينها "العجروجي" استسلام القطاع وانسحاب القوات المصرية, وانتشرت جيبات الاحتلال بمكبرات الصوت في شوارع غزة تنادي بحظر التجول عام 67, واستمر منع التجول يومياً ثم بدأت تخف وطأة الاحتلال مع زيادة الاستقرار والهدوء, تدريجياً سمح الاحتلال بساعتين لشراء الحاجيات الأساسية ثم زادت بالمدة الزمنية لعشرة ساعات للعمل حتى أصبح منع التجول فقط في ساعات الليل, ثم سمحوا في الـ68 للعمال الغزيين بالعمل في الأرض المحتلة .

 

حلم العودة يتحقق ..

تزوج سليمان وأنجب بناتٍ وبنين وتقدمت به السنين, وزاد إلى مسقط رأسه الحنين, أبو داود في عام الـ68 يقود سيارته إلى الأرض المحتلة ويحمل فيها زوجته وأبناءه إلى منزله بالمنشية, كان المنزلُ مهجوراً يأكله الدمار, والحي أشبه بمدينة الأشباح التي أصابها الزلزال وآثار الحرب بادية, لكن الأحياء الأخرى بدت أكثر عماراً وتهنأ فيها الحياة مثل حي العجمي الذي جمعوا فيه كل السكان العربي الذين بقوا في يافا ولم يهاجروا إما لأنهم لم يملكوا مالاً يساعدهم في الهرب أو أنهم عجزوا عن الرحيل. 

يقاطع حديث أبو داود صديقٌ له من لاجئي يافا اسمه اسماعيل النمر 63 عاماً: "عدتُ أنا مع أبي بالسيارة وتعرفنا على منزلنا هناك, كان يبدو عليه أنه مسكون مثل كافة المنازل بالحي, طرقنا الباب, فكان الجواب بلكنة عبرية, قلنا لهم: نحنُ أصحاب المنزل, فردوا علينا: أهلا وسهلا, أخذنا نتأمل الجدران والنوافذ وأثاث المنزل, أبي يقول: إنَّ شيئاً لم يتغير وكل شيء على حاله, ثم قدموا إلينا الشاي, من يومها لم أعد وكلما تذكرت المشهد لا أستطيع احتماله وتنهال الدموع".

مسح اسماعيل عينيه واستأذن بالانصراف, واستأنف أبو داود حديثه: "لا أحد لا يريد العودة, علينا أن نكون أكفأ منهم وأقوى منهم بالعلوم والتكنولوجيا, والأهم أن تكون قلوبنا قريبة من بعضها وأيدينا متكاتفة, يجمعنا رأيٌ واحد وصفٌ واحد, أريدُ العودة إلى بيتي وإلى أرضي, أريدُ المالَ الذي سرقوه, سرقوا مني سجاداً أريدُ أن أسترده, فما بالك بالوطن الذي سرقوه ؟!"


اللاجئ ابو داوود شلبية
-
اللاجئ ابو داوود شلبية
-
اللاجئ ابو داوود شلبية

 

 

انشر عبر