شريط الأخبار

هل إلى مؤتمر المؤتمرات من سبيل؟! ..علي عقلة عرسان

02:12 - 14 حزيران / مايو 2013

قبل أن يفكر الذي يستثمرون في الأزمة السورية والدم السوري البريء، وهو يتوجه إلى مؤتمر جنيف 2 بأهمية وضرورة تجنيب الناس الموت والمحنة ونار الفتنة، يفكر باستثماراته السياسية القذرة وفي عائداته الاستراتيجية والمالية، ويفكر العاملون لدى كبار التجار من أولئك، بصفة "متآلف أو أداة أو متحالف"، بما سيؤول إليه أمره وأمر أرباحه وجُعالاته ومكافآته ورواتبه وكل ما يبلغه من عمله السياسي لدى مشغِّليه، وبمستقبل دكانه السياسي المتنقل أو الثابت إذا كان من أصحاب تلك الدكاكين. ومن أسف أن أولئك المستثمرين الصغار، أياً كانت هوياتهم وأهدافهم وعائداتهم واستراتيجياتهم، لا تهمهم سوى مصالحهم الخاصة التي تشفّ عنها الأقنعة والبراقع والأصباغ التي يضعونها على وجوههم، ولا يبدو أن أكثرهم يهتم بما يعانيه الإنسان في سورية ولا بالخطورة القصوى التي ينطوي عليها تدمير دولة ووطن وزرع الحقد في أحشائه وبين أوساط أبنائه، ولا يعني له شيئاً احترق البلد وانتشار النار في محيطه الجغرافي والبشري.. بمقدار ما تعنيه التجارة به وبشعبه وقضاياه!!.. ومن يبدى حرصاً كلامياً من أولئك على " وطن وقيم وشعب وحضارة.. إلخ" يفضحه منطقه وتصرفه ورهانه حيث يعمل على جعل الأزمة تستمر والدم يسيل والحراب يتفاقم.. فذاك النوع من البشر لم يتقن النفاق فقط وإنما تبلد فيه كل ما هو وطني وخُلقي وإنساني، وأخذ يلبس لكل حالة لبوسها، وينتقل بتجارته وأمواله ومواقفه وأهدافه من مكان إلى مكان ومن موقع إلى موقع ومن طور إلى طور.. حسب قراءته لبيانات ونقاط ارتفاع سوق الأسهم وانخفاضها في البورصة السياسية، وكل ما يعنيه في ذلك يتعلق به خاصة من الربح والخسارة بالمعنيين المادي والمعنوي. وقد أتقن كثير من العاملين في هذا المجال فن التجارة، وتعلم من التاجر السوري العريق معرفة الأسواق وتوجهات رياحها وكيفية التوزع عليها طولاً وعرضاً.. من أرض العم سام إلى أرض الجد إبراهام، مروراً بالأوروبيتين الغربية والشرقية وبالموانئ المعنية ببضائعه في آسيا وإفريقية وأميركا اللاتينية، مع تأكيدنا المتكرر على الفارق الكبير بين تجارة نبيلة نظيفة شريفة تنقل البضائع ومعها المعرفة والقيم ونماذج السلوك الحسن والصورة الصحيحة للناس والعقيدة الحضارة، وبين تجارة قذرة بالدم والإنسان والسياسة والمفاهيم الوطنية والقيم بأطيافها الواسعة، تستبيح كل وسيلة وتحتال بكل حيلة لبلوغ أهدافها، الأمر الذي ينعكس تشويهاً لصورة الوطن ويقدم أسوأ النماذج عن الحياة والناس والحضارة.

ومن أسف أن كثيرين ممن ينغمسون في حمأة الاستثمار السياسي المشبوه، هنا وهناك وعلى مستويات متعددة، يتخذون من " الوطنية" ومشتقاتها بضاعة ومن الإنسان وحقوقه كافة وحريته وكرامته سُلَعاً!؟ وفي هذا تكمن خطورة أشد على الحياة والقضايا والقيم والمعايير والقوانين والأخلاق وكل ما يبني الإنسان وما يعتمِد عليه الإنسان في بناء الحضارة والأوطان. من هنا تبقى الأسئلة المعلقة على الأزمة السورية والمعنيين بها، وعلى مؤتمر أو اجتماع جنيف 2 لمعالجة تلك الأزمة برعاية دولية، رهناً بمواقف تجار السياسة والدم وتحركاتهم، صغاراً وكباراً، سواء أكانوا من السوريين الذين سيناط بهم تقرير مستقبل بلدهم ومصيره " حسب الإعلانات والادعاءات" بينما يقف خلف كثيرين منهم من يحركه كيف يشاء ويلجأ كثيرون منهم إلى من يموله ويحركه، شأنه في ذلك شأن الدمية في مسرح خيال الظل.. أو كان أولئك من غير السوريين، أي من مشغليهم المباشرين والمعتمَدين في أمر تشغيلهم وتسييرهم من المتعهدين والوكلاء، صغر شأنهم أم كبُر.. وتبقى الكلمة العليا والقول الفصل في ذلك الشأن كله لمن يملك السوق واللاعبين فيه والتجار الصغار، أي للحيتان الكبيرة وأسماك القرش الضخمة، فهو الذي يرسم المشهد ويحرك الممثلين ويشرف من أعلى، ويفعل ما يستطيع فعله بوسائله وقدراته وفق مخططاته التي تشمل العالم حيث مصالحه الشاملة.؟!..

سوف يكثر اللغو خلال الأيام والأسابيع القادمة التي تسبق المؤتمر، وسيعود فرسان الفضائيات إلى حلباتهم وجلبتهم وتنازعهم الشرس، وسيفتكون أكثر فأكثر بالحقيقة والمنطق والحكمة ومن ثمة بالإنسان البريئ الضحية.. وسيظهر كل من أولئك براعته وقدراته وأهليته للثقة في الحلبة الساخنة الآمنة، أمام مشغِّله ومالك نعمته وربما رقبته.. بينما يسيل الدم في سورية ويستمر الدمار وتكرج كرة النار.. ومن المرجح أن ترتفع درجة حرارة "سوق الدم" خلال الأسابيع والأيام القادمة التي تفصلنا عن مؤتمر جنيف 2 حيث يمكن أن ينعقد في العشر الأوائل من حزيران/ يوليو 2013، وفي هذه المدة يزداد القتل وتنتشر رقعته وتشتد شراسة المضاربة السياسية على الأرواح البشرية والمواقع الجغرافية في سورية، تلك المضاربة الخارقة التي تُلقح فتنتج دماً ودماراً بعد دمٍ ودمارٍ أنتجته في أوساط الشعب وسورية التاريخ والحضارة، وتدر ربحاً ومنافع ومواقع لهذا التاجر السياسي أو ذاك، وبالمقابل تحدث خسارة لآخر مثيل له أو نِدٍ أو خصم في السوق.. فكل يريد تحسين وضعه وزيادة أسهمه، والثمن سورية والسوريون.؟!

بعد اتفاق الروس والأميركيين على عقد مؤتمر جنيف 2 وفق مرجعية جنيف/ 30 حزيران/ يونيو 2012 تحضره سورية الرسمية والمعارضات الداخلية والخارجية وجهات دولية راعية ومشاركة، بهدف الوصول إلى حلول سياسية للأزمة السورية، ويسفر المؤتمر عن حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات تعمل على الانتقال بسورية من وضع الاقتتال إلى وضع الاستقرار، وتمارس عملها بحرية واستقلالية، وتشرف على وضع دستور وانتخابات برلمانية ورئاسية بإرادة شعبية.. بعد هذا الاتفاق بدأ تلغيم الطريق إلى المؤتمر من جهات معنية باستمر الاقتتال حتى تدمير سورية بالكامل، وعلى رأس هذا الاتجاه " إسرائيل والحركة الصهيونية ومن يعمل بالتحالف معهما في هذا الاتجاه من عرب وسوريين أفصحوا عن أنفسهم وأهدافهم بصورة علنية وبأشكال مختلفة.. وبدأ تلغيم الطريق إلى المؤتمر بحوادث ومواقف وتصريحات واستفزازات وتحريك ملفات منها الكيمياوي، وبالقيام بتفجيرات ذات أبعاد سياسية كذلك الذي حدث في الريحانية، لتحريض محور تركية - قطر على التدخل العسكري المباشر في سورية، رداً على ذلك التفجير الذي أدانته سورية، ووقع ضحيته مواطنون سوريون أصلاً، سواء أكانوا من الريحانية إحدى قرى إنطاكية في لواء اسكندرون الذي تتبع له، وهواء لواء سُلب من سورية بتواطؤ فرنسي ـ تركي عام 1938 ـ 1939، أم كانوا من السوريين الذين لجأوا إلى الريحانية وغيرها من أرض اللواء في أثناء الأزمة السورية المستمرة.. وجاء ذلك الفعل التلغيمي بعد أن لُجم التدخل العسكري " الصهيوني " الذي كان يمكن أن يحدث بعد العدوان الإسرائيلي الوحشي على جمرايا ومواقع أخرى في ريف دمشق.. وكل ذلك وما قد تأتي به الأيام القادمة من أحداث وأفعال من هذا النوع يرمي إلى جعل مؤتمر جنيف 2 بحكم المؤجل أو الملغى..

لقد بدأت بريطانيا، أحد أهم اللاعبين الأوروبيين الرئيسين في الأزمة السورية، والمنادي مع فرنسا بتسليح فريق مضمون من المعارضة السورية، بأسلحة نوعية لترجيح كفته على النظام وعلى معارضات أخرى هي جبهة النصرة ومن يدور في فلكها من المسلحين.. بدأت بريطانيا تحركاً سياسياً نشطاً باتجاه روسيا والولايات المتحدة الأميركية، وأعلن ديفيد كاميرون والرئيس أوباما عن تنسيق بينهما لتحقيق أمرين: عقد المؤتمر المشار إليه ومشاركة "المعارضات السورية" فيه، وتصعيد الضغط لاستبعاد الرئيس بشار الأسد من الحياة السياسية في سورية. والسؤال هنا: كيف سيترجم ذلك عملياً على أرض الواقع؟! ومن هي المعارضات السورية التي ستمثل في المؤتمر، وكيف، ووفق أية معايير، وبأية نسب!؟ وكيف سيكون العمل بين الفريق السوري الرسمي من جهة والفرقاء السوريين المعارضين الذين قد لا يحضر بعضهم المؤتمر ولا يُمثل فيه، وهو موجود علي على الأرض، مثل جبهة النصرة ومن ينسق معها من المسلحين، وهي الجبهة المصنفة إرهاباً من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وقد طالبت فرنسا بإدراجها على لائحة الإرهاب وفق معايير الأمم المتحدة؟ الجيش العربي السوري يحاربها، وهناك من ينسق معها أو يستثمر فيها ومعها في الأزمة السورية، كما أن هناك أطرافاً ممولة وداعمة وموجهة في الأزمة السورية تتبناها بل تعتمِد عليها بالدرجة الأولى لإسقاط النظام بالقوة.. هذا مع وجود جهات أخرى في أوساط المعارضة وداعميها ترفض تلك الجبهة وتقاومها وتطلب رأسها؟! وهذه قضية ذات شأن ينبغي أن تعالجها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والاتحاد الأوروبي مع من يعملون معهم من العرب المعنيين بهذا الأمر، سلباً أو إيجاباً، أعني من يتبنى جبهة النصرة ومن يرفضها.. وقد تكلم رئيس الائتلاف المستقيل الشيخ معاذ الخطيب عن الوضع داخل المعارضة وعن الجهات الآمرة والممولة والمحركة والمشرفة على المكتب العسكري، ومن يريد للمعارضة السورية أن تكون جسراً، وعن هدف إضعاف سورية بكل مقوماتها.. في لقاء له مع الجزيرة الإنكليزية تميز بالوضح، ويحتاج من المعارضات السورية قبل غيرها أن تتدبر ما جاء فيه وما لم يتم التصريح عنه من أمور تم التلميح إليها في ذلك اللقاء.

هناك أمور كثيرة شائكة ومعقدة تعترض انعقاد المؤتمر، مصدرها سوء النوايا وانعدام الثقة وتعارض الاستراتيجيات وتعدد اللاعبين وانخراط كل منهم في الازمة ـ الحدث انخراطاً لا يسمح له بالرؤية الموضوعية ولا بالتراجع بعد أن وصل إلى منتصف النهر، وبعد أن غرق في مسارات العنف والدم والثأر، واستغرقته الغرائز والتحديات والنزوات والثارات وبعض الزائف من العِظات، وحكمته مواقف ومعطيات وعلاقات قادته إلى التطرف وضيق فسحة التصرف وتراكمت فتفاعلت منذ بداية الأزمة وحتى الآن.. والأطراف المعنية التي أقصدها هي أطراف سورية وعربية وإقليمية ودولية، تتحالف وتتآلف، وتتواشج بعضها مع بعض أحياناً حيث تجمعه مع فريق شيئ أكبر من المصالح. وفي تقديري أن الأطراف الدولية قادرة على ضبط انفعالاتها وردات فعلها وإيقاع تحركها أكثر من الجهات الأخرى، لأنها تلجأ إلى بدائل ومقايضات بين بعضها بعضاً وإلى أساليب أخرى تتبعها لبلوغ أهدافها.. لكن المشكلة تكمن في أطراف إقليمية وعربية وسورية بالدرجة الأولى، حيث يصعب على كثيرين من أولئك مراجعة الأحداث والمواقف والذوات بصورة موضوعية منضبطة ومسؤولة، بعيداً عن كل ما التزمت به أو ألزمت به نفسها أمام معارضات وشعوب ودول و.. و.. إلخ، والسبب في ذلك حسب تقديري ـ وآمل أن أكون مخطئاًـ أنها محكومة بغلو في كثير من الحالات، بعضه عقائدي متأصل، ومحكومة بشيء شبه راسخ من التعصب يحيلها إلى التطرف أو يجعلها تتفهمه حتى لا أقول تتغاضى عنه أو تمارسه، ويدخل في هذا الباب كل المرتبطين بفكر أو نزوع ديني أو طائفي أو مذهبي أو أيديولوجي حاكم بظلم وظلمة يصعب على صاحبه معه التزحزح من مواقفه ومواقعه.. أو القيام بمراجعة جذرية عميقة وشاملة وبناءة.  

ولذا.. ونظراً لما تحملناه ولما يمكن أن يجره مزيد من الاقتتال علينا من ويلات قد لا نتحمل نتائجها بعد كل ما تحملناه، وتخوفاً مماقد تدخلنا فيه لعبة الأمم من دهاليز مظلمة وظلمات متراكمة ووصايات وولاءات، وما يقوم به تجار الدم والسلاح والبضائع السياسية القذرة والتطرف والتعصب، وما يرتب لفعله تجار الأزمات والفتن وأصحاب الدكاكين السياسية والمذهبية والطائفية والعرقية من كل نوع.. نظراً لما ذكرت وما لم أذكر مما خطر بالبال وما لم يخطر.. كم أتمنى أن يقوم طيف واسع من السوريين العقلاء الأوفياء المسؤولين الرحماء ومعهم من ينصرهم من شرفاء وحكماء في بلاد العرب والعالم، بفعل خلاق حر مُحرر بديع مبدعٍ بامتياز.. فعلٍ عماده الانتماء والإيمان والفهم والارتقاء بالذات والنزعات، يقوم على الحكمة والمنطق ويأخذ بهما، ويعمل على إعلاء المصلحة العليا للإنسان والوطن والأمة، ويعلي شأن الإنسان الخير القادر الأمين الخلاق ذي الأداء العلمي ـ العملي المقتدر والفكر النير المبتكر.. أن يقوم ذلك الطيف الواسع من الناس بالتوافق على توجه وطني وخُلقي راسخ، بعيداً عن الوساطات والرعايات والهيمنات والتدخلات، فيبعدون بالرأي والرؤية والموقف الموحد كل تشنج ومتشنج عن ساحة العمل التوافقي في مجالات سياسة واجتماعية واقتصادية، ويضعون حداً لكل تدخل خارجي في شؤونهم، ويجدون حلاً عادلاً للأزمة ولكل الملفات العالقة في حياتنا، حلاً تفرضه قوة الشعب وإرادته على السياسات والسلطات والمعارضات.. حلاً يلغي كل حاكمية من أي نوع للقاتل والحاقد والسارق والمنافق والمتطرف والخائن والعميل والمستبد والظالم والفاسد.. إلخ،  ولا يوجد ذلك ويعليه سوى حاكمية الإيمان الصحيح، والعقل السليم، والعدل الناصع، والفكر النظيف، والضمير الحي، والإنسان الصالح المصلح البناء، والأخذ بالمصلحة العليا للوطن والشعب والأمة.. حيث يعمل كل مسؤول ومعني كل ما من شأنه استعادة الوطن واستنقاذه، وإعادة النظر بالثقافة والتربية ومقومات السياسة وقيمها.. لتكون الأخلاق فيها جوهراً وصلباً ومظهراً. إننا بأمس الحاجة إلى الخروج من هذه الأزمة التي دمرتنا وخنقتنا وأحبطتنا إلى أجواء من الأمن والسلم والأمل والثقة والمعافاة، أجواء لا يحكمنا فيها دخيل ولا عميل ولا وسيط ولا متحكم عبر وسيط أو عميل.. إلى أجواء وأفعال وأقوال تفضي بنا إلى المخارج الواسعة الآمنة الواعدة، وإلى مناخ إنساني صحي شامل وعميق يتجلى فيه التسامح والتصالح، ونبرأ معه وفيه من كل من جرَّ على الوطن دماراً وموتاً وفساداً وإفساداً وتشويهاً وتدخلاً خارجياً شردنا وأرهقنا وكلفنا الكثير الكثير، وشوه صورتنا الناصعة، وعلاقاتنا الأخوية العميقة العريقة الممتدة جذورها عبر التاريخ..

ألا هل نبادر إلى مؤتمر المؤتمرات، سوري البنى والتكوين والصناعة والمبادرات والنزعات والأهداف والغايات، بنظافة وشجاعة وجرأة وحكمة، بعد مراجعة مسؤولة للذوات، فيحكم سورية عقلُها وضميرُها وانتماؤها وإيمانُها العميق بالله والقيم والإنسان، وتعود أحسن مما كانت، يزهر فيها وعد أخضر، وأمل كبير بعصر أزهر.. ألا.. وألا.. وألا.. أفلا نستحق.. وهل إلى مؤتمر المؤتمرات هذا من سبيل.؟!

دمشق في 14/5/2013

                        

انشر عبر