شريط الأخبار

الجولان.. بوابة مقاومة ..علي عقلة عرسان

06:06 - 10 حزيران / مايو 2013

بعد العدوان الصهيوني الأخير على مواقع سورية في ريف دمشق أعلنت سورية: أنها لن تتراجع عن خيار المقاومة ولا عن دعمها، وسوف تقدم للمقاومة في لبنان سلاحاً نوعياً لم تملكه من قبل.. وأنها وجهت صواريخها باتجاه فلسطين المحتلة للرد المباشر على أي عدوان قد يحدث والتعامل مع ذلك عسكرياً إن حدث من دون الرجوع إلى القيادة.. وأنها تفتح جبهة الجولان أمام المقاومة الفلسطينية لتقوم بعمليات ضد العدو الصهيوني انطلاقاً من هناك.. مع تأكيدها على حقها في الرد على العدوان، ولجوئها إلى مجلس الأمن ليتخذ موقفاً وقراراً.

كل ما ورد حتى الآن يدخل في باب الجيد والعادل والمستقبلي، أما الحاضر فيشير إلى أن الجبهات الداخلية المفتوحة في سورية تستولي على الأولية، وإن كانت لا تمنع ولا يجب أن تمنع من التعامل مع العدو الصهيوني في حال تكرار العدوان.

ثلاثة أمور مما سبق ذكره لن أتوقف عندها لأنها إما مما يمارس منذ زمن بأشكال مختلفة والجديد فيها هو الوعد برفع الوتيرة والمستوى، وإما مما يمكن إدراجه في باب الاحتمالات المقيدة بالواقع والإمكانيات وبمستويات سياسية متعددة الأوجه.. وأتوقف عند الإعلان عن "فتح جبهة الجولان للمقاومة الفلسطينية لتقوم بعمليات منه ضد العدو المحتل". وفي هذا السياق أود أن أذكر بالآتي:

-        أن الجولان كان مسرحاً للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال في عام 1967 وأدى القيام بعدد من العلميات انطلاقاً منه إلى الانتقال من حرب الفدائيين إلى حرب الجيوش في الخامس من حزيران 1967 بين مصر وسورية والأردن من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، بعد أن هدد الصهاينة سورية تهديداً مباشراً.

-        وأنه كان مسرح العلميات العسكرية الرئيس في حرب تشرين/ أكتوبر 1973 حيث باغت الجيشان المصري والسوري جيش الاحتلال وتم تحرير قناة السويس بالعبور المشرف، ووصول طلائع الجيش العربي السوري إلى بحيرة طبرية، ثم كان ما كان بعد اختراق الدفر سوار ومدحلة السادات الروسية التي أوقفت تقدم الجيش المصري لأنه حقق هدف التحريك الذي كان استراتيجية يضمرها، فتفرغ العدو الصهيوني للجيش العربي السوري الذي خاض المعركة بهدف التحرير وفق الاستراتيجية المتفق عليها مع الرئيس السادات.. وكان بعدها ما كان مما هو معروف.

-        وأن الجولان كان مسرحاً لحرب الاستنزاف التي خاضها الجيش العربي السوري وحده بعد حرب تشرين/ اكتوبر ضد جيش الاحتلال الصهيوني عام 1974 واستمرت 79 تسعة وسبعين يوماً، وانتهت باتفاق تحرير القنيطرة.. وبقيت مساحة واسعة من الجولان في قبضة الاحتلال الصهيوني.

-        وأنه في أثناء المفاوضات السورية – الإسرائيلية على الجولان وما عرف بعملية السلام في مساراتها بعد مؤتمر مدريد، حيث تمت في "شبردستاون" وغيرها من المحطات المعروفة اتفاقات أولية، وبعد إخفاق ذلك المسار الذي حقق اتفاقاً على ما يقرب من 84% من القضايا بين الطرفين وتوقف عند خلاف على المساحة الشمالية الشرقية من ضفاف بحيرة طبرية التي رفضت سورية أن تتنازل عنها، وبلغ ذلك المسار ذروة الانغلاق في جنيف إثر حديث قصير شائك بين الرئيسين كلنتون وحافظ الأسد، ظن فيه الرئيس الأميركي حسب المعلومات التي قدمت له حينذاك، أن سورية في ورطة، ورئيسها منهك، وأنه سيوافق على ما يُقدم له؟! وكان ذلك في عام 2000 فيما أتذكر.. حينها قال كلنتون في مطلع اللقاء: إذا لم تقبلوا ما يُعرض عليكم فستذهب القضية إلى أجيال قادمة، وكان رد الرئيس السوري " فلتبق إذن لأجيال قادمة".. وأغلق باب الكلام والتفاوض، وبدأت مرحلة جديدة من الاستيطان الصهيوني في الجولان.

-        وبعد هذه المرحلة بسنوات فكرت القيادة السورية بالمقاومة لتحرير الجولان، وأطلق الرئيس السوري في حينه تصريحاً بأن الجولان سيحرر بالمقاومة.. وأذكر أنني كنت بعد ذلك بوقت محاضراً في المركز الثقافي العربي في القنيطرة الجدية، على بعد 3كم تقريباً من القنيطرة الشهيدة المدمرة، وفي ذلك اللقاء تم حديث عن المقاومة الشعبية في الجولان، وعن النازحين منه الذين طالت مدة نزوحهم وخلا الجولان منهم، وعن معاناتهم وتوقهم إلى العودة بأي شكل إلى قراهم وبيوتهم وحقولهم.. وتمت دعوة للمقاومة، قيل " سرية" وقيل "علنية" على ألا تلقى تقييداً من أية جهة.. وربما بلغت الحماسة في ذلك الوقت والموقع درجة عالية.. ولكن بقي الكلام الجميل في الفضاء الجميل.. فضاء الجولان.

أردت أن أشير إلى هذه المحطات لأقول: إن المقاومة في الجولان ومن الجولان وفي سبيل تحرير الجولان والانطلاق إلى عمل مقاوم في فلسطين من جبهة الجولان.. لا تلبث أن تتحول إلى مواجهة عسكرية بين جيشين نظاميين، لأن العدو الصهيوني الذي شن عدوان حزيران 1967 متذرعاً بالعمليات الفدائية " المقاومة من الجولان" كان يحمل الدولة السورية مسؤولية كل ما ينطلق من أراضيها، ولذلك كان يقوم بعمليات وبغارات جوية، ويقصف مدناً وقرى ومواقع عسكرية، مستنداً إلى تفوقه ودعم حلفائه المطلق له في احتلاله واستيطانه وعدوانه.. واليوم سيكون مثل الأمس، فالعدو يزداد غطرسة وعدوانية لأسباب منها تفوقه في التسليح، ودعم حلفائه الغربيين له وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، ووجود حالة من التردي العربي غير مسبوقة، يضاف إليها تحالف بعض العرب معه وتواطؤهم ضد بعض أمتهم وضد قضية الشعب الفلسطين ووطنه فلسطين، من دون أن يعنيهم شيء من أمر المقدسات والتاريخ المشترك والمسؤوليات القومية والإسلامية والإنسانية عن فلسطين والأمة؟!

أذكر هذا وأذكِّر ببعض ما كان لكي أقارب الموضوع من جوانب، أو أقلبه على بعض جوانبه، في محاولة لتلمس المتغيرات والاحتمالات والمعطيات الجديدة وما قد يترتب على ذلك من سلبي وإيجابي. فأشير أولاً إلى أن جميع الدلائل تشير إلى أن العدو الصهيوني وحلفاءه ومن هم تحت أجنحتهم من العرب عامة والفلسطينيين خاصة ينحون منحى تصفية قضية فلسطين على حساب ما تبقى من أرض وحقوق وإرادة تحرير ومقاومة: " فلسطيناً وعربياً". وها نحن نرى التفريط والتنازل والتآمر وتطويع الفلسطيني بالتيئيس والملاحقة والحصار لكي يقبل أشباراً من وطنه بديلاً عن حق العودة والأرض والوطن.. وليست مبادرة السلام العربية ـ المؤامرة وما يرافق مسارها من تنازلات بأقل خطراً على قضية فلسطين مما نبت على جلدها بسبب أوسلو والاتفاقات التي أدت إلى تنسيق أمني مع العدو يستهدف المقاومة ويلاحقها، واستيطان وتهويد لا يتوقفان ولا يبقيان من فلسطين لأهلها إلا الحسرة، ويضاف إلى أوسلو وزؤانها الرباعية وأشواكها وكل ماجرته هي وأوسلو وغيرهما على الشعب الفلسطيني من تمزق وتشرذم أضعف الموقف وشتت الرؤية وفلَّ بعض سيوف المقاومة المستهدَفة أصلاً وفرعاً..

قد يبدو قرار فتح الجولان للمقاومة حالة انفعالية وردة فعل على العدوان الصهيوني الأخير على ريف دمشق، وأياً كان الحال والسبب والمآل، فإن المقاومة حق وواجب، وهي الطريق إلى التحرير، بعد أن بقيت قضية الجولان السوري المحتل ستة وستين عاماً في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من دون أي تقدم إيجابي، بل على العكس من ذلك ازداد الاستيطان في الجولان دون ردع، وأقيمت الجدران فيه وكثر العدوان.. فليكن الجولان أرض مقاومة لتحريره، ومنطلقاً لمقامة الاحتلال الصهيوني من أجل تحرير فلسطين.. فلا معنى أن تكون المقاومة خياراً لك تدعمه في هذا المكان وتتغاضى عنه في ذلك المكان، على الرغم من وجود أسباب منطقية ووجيهة، تكتيكية واستراتيجية، مفهومة.. ولا معنى لأن نقول إن سورية الطبيعية التي قسمها اتفاق سايكس ـ بيكو يقاوم العدو جنوب لبنانها وجنوب فلسطينها ولا تقاوم المواقع الأخرى المحتلة منها.؟!

يأتي قرار فتح الجولان ليكون "أرض مقامة"، في ظروف تحققت فيها انتصارت للمقاومة وارتفعت أسهمها وترسخت جدواها، حيث حققت تحريراً وصموداً وما يقترب من توازن رعب، وتهديداً للعدو في جنوب لبنان، وانتصارات في غزة، وجددت أمل شرائح شعبية عربية كبيرة بالنصر، ورسخت إرادة الصمود وخيار المقاومة الذي نعتَه مسؤولون مهزومون من العرب بأنه مغامرة ومقامرة وبعضهم اشتط فسماه " إرهاباً".. وعلى هذا واستناداً إلى حقيقة تاريخية هي أن سورية اختارت المقاومة ودعمتها وضحت في سبيلها ومارستها وتحملت الكثير من أجلها.. فإن الإعلان عن فتح الجولان بوابة للمقاومة حق وواجب، وينبغي أن يكون جبهة عربية متواشجة مع جبهات المقاومة الأخرى، وألا يكون للفلسطينيين فقط وإنما لهم وللسوريين أولاً ولغيرهم من العرب والمسلمين الذين يريدون الجهاد الحق ضد عدو العروبة والإسلام والإنسانية، ضد العنصرية والإرهاب والإجرام والعدوان المتمثلة في " الصهيونية". والمقاومة في الجولان وانطلاقاً منه، مشروعةٌ ومطلوبة ومكملة لجبهات مقاومة مفتوحة مع العدو الصهيوني، ولكنها جبهة ذات خصوصية كما أسلفت، إذ سرعان ما ستجر إلى مواجهة عسكرية شاملة، وهذا يستدعي أن تكون سورية مستعدة لهذا الاختيار وقادرة على الخوض فيه حتى نهايته، مهما طال الزمن وارتفعت التكلفة؟! وأن تكون الجهات الداعمة لهذا الخيار على استعداد لدعمه حتى النهاية، لا سيما حين يتحول إلى حرب في المنطقة.. ولهذا كله حساباته والتزامات تترتب عليه، ومواقف ومعطيات ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار على صعد داخلية " سورية ولبنانية على الخصوص، وفلسطينية وعربية وإسلامية ودولية.. فهل هذا ممكن يا ترى ضمن المعطيات الحالية الراهنة والمستقبلية المنظورة في سورية " داخلياً" وفي المناخ العربي المعروف بتهالكه وتهافته وتواطؤ بعض مكوناته على بعض الأمة وحقوقها وقضاياها؟! وضمن المعطيات والمتغيرات السياسية الدولية.. وفي ضوء تحديات كثيرة على الأرض ومعطيات أخرى تشبه كثبان الرمال المتحركة في الربع الخالي؟!

إن مقاربة الأمر من زوايا عدة واحب، والاعداد والاستعداد لذلك أمر يرقى إلى درجة الأولويات القصوى، وتهيئة المناخ الشعبي " ثقافياً وسياسياً واجتماعياً" يشكل ضرورة وأساساً، والتركيز على العقيدة القتالية ضد العدو الصهيوني المحتل في أوساط شعبية على رأسها الشباب، وفي الجيوش العربية والإسلامية المعنية بهذا الأمر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أمر يدخل في الجوهريات والضرورات.. ويضاف إلى هذا ويواكبه أمران هامان: تهيئة الظروف والإمكانيات والبنى التحتية، " الملاجئ والمستشفيات والخدمات الأسلسية على الخصوص"، وهي الضرورة لحماية السكان المدنيين وتمكينهم من الصمود بأقل الخسائر والمعاناة.. والعمل السياسي والدبلوماس والإعلامي العالمي لتكوين صداقات دولية في كل اتجاه عبر الدول والهيئات المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع الدني وفي أوساط أحرار الشعوب لنستند إليها وإلى مواقفها.. والقيام بذلك بكل الوسائل الممكنة. وهناك حق يشكل سنداً وعماداً، وقرارات دولية تشكل مرجعية إيجابية.. وعلى رأس كل ذلك وقبله وبعده بلورة إرادة المقاومة والصمود حتى التحرير والنصر. فهل نبدأ بهذا ليواكب الفعل على الأرض إطلاق الرصاصة الأولى، ويحمي اليد التي تطلقها، ومن ثم يجعلها كرة نار تحرق المعتدي والمحتل، وتحرر الأرض والإنسان، وتلفت نظر العالم كله إلى إرادة الشعب والمقاومة العربي ـ الإسلامية التي تحِق الحق وتزهق الباطل وتقيم العدل وترفع الكرامة وتعلي الحرية مناراً وترفعها شعاراً، وتهدم صروح العنصرية والطغيان والاستعمار بكل صيغه وأوانه وأشكاله وأوكاره.؟!

ألا إن ذلك أملٌ وحُلُمٌ وتطلعٌ مشروع لأحرار الأمتين العربية والإسلامية، وهو مما طال انتظاره، وتشتت الرؤى من حوله، وسالت دماء كثيرة على طرقه.. بعضها كان في مسارب التيه وبعضها كان لمقامة التيه.. أفلا يعلو في هذه الأرض صوت صادق صالح نافع جامع، يجمع الناس على الحب والمساواة والكرامة والحكمة والمنطق، صوت يرفض الغلوَّ والتطرف والتعصب، يرفض الإرهاب والنزوع الغريزي البدائي المتخلف، يرفض الثأرية المجنونة، وتشويه مفاهيم الدين الحنيف، وسير وأسرار أعلامه ونجومه ومصابيح الهدى فيه.. صوت يرفض المذهبيات القتالة والطائفيات المتخلفة وكل مسببات الفتن العفنة وأدواتها ودعاتها، صوت يقيم معيار القيمة على الحق والعدل وحسن الأداء والفهم وحسن السلوك، ويلقي بتجار الدم والسلاح والسياسة والإعلام والأزمات إلى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعم، لكي ترتفع الأمة بالإنسان والعلم والإيمان، ويرتفع الإنسان بالعدل والحب والقوة العادلة.. في أرض الرسالات الإلهية السامية والحضارة البشرية العريقة؟! ألا إنني أتمنى ذلك وأتوق إليه توق المصحر في الهجير إلى الماء البارد النمير وهو يتلظى على جمر تراقص السراب له وتظاهره ماءً.. ولا أظن أنني وحيد في توقي هذا، بل أراه توق كثيرين ضاقوا بالدم والظلم، وتقطعت بهم السبل، وعانوا من التهجير والتقتيل، وبشموا من الدم، وأبأسهم ظلام الغمة وحال الأمة وفقدان بصيص الضوء في نهاية النفق المظلم.. ولسان حالي وحالهم يقول:

 

القيظ والنفط والبارود تتّقدُ

ما بين رملٍ ورملٍ يغرقُ البلدُ

والعين ترقب زحف الحقد دامعةً

والليل في القلب، ما في القلب معتقد

الغدر أضحى جهاراً يستظل به

لا يرفع الحيف غدرٌ عمره الأبدُ

 يا أيها الضائع الملتاع فوق لظى 

من صنع كفِّك، أنت السيف والكبدُ

هلاّ حكمت خيوط الأمر من ثقةٍ

هلاّ فقِهت، غليلاً كيف يبتردُ ؟!

هلاّ جمعت على وجه شتات حمى

ورنَّقت منك عين للذي يفِدُ ؟!

من لي بحكمة جبار أحكّمها

في أمر يعرب حتى يفجر الثمَدُ

من لي بوقفة "ذي قارٍ" يجدِّدُها

أبناء أمي "قبلن" يصدأ الزَّردُ

من لي، ومن لي، ومن لي لست غير منى

والكون أصبح فعلاً أُملكته يدُ ؟!

والحق سيف، وسيف الحق وشوشة

ما بين قلبٍ ونجوى يُجْلَبُ الكَمَدُ

     

دمشق في 10/5/2013

انشر عبر