شريط الأخبار

تنازلات في زمن الثورات ..محمد السعيد إدريس

12:57 - 09 حزيران / مايو 2013

ـ الخليج ـ 7/5/2013

السؤال المهم الذي مازال يشغل الكثيرين منذ إعلان جامعة الدول العربية رسمياً للمرة الأولى في تاريخها، استعدادها المبدئي لتبني مشاريع تبادل الأراضي في إطار اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني هو الذي دفع وفد جامعة الدول العربية الآن، وفي ظل هذه الظروف شديدة الصعوبة والغموض الخاصة باحتمال اللجوء الأمريكي أو الأطلسي إلى الحل العسكري في سوريا استناداً إلى معلومات استخباراتية “إسرائيلية” وغربية تروّج لتجاوز النظام السوري للخط الأحمر الذي سبق أن حدده الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتدخل عسكرياً في سوريا لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وهو استخدامه أسلحة كيماوية ضد المعارضة.

وفد الجامعة العربية سافر إلى واشنطن للقاء أقطاب الإدارة الأمريكية ولم يسافر إلى نيويورك لمناقشة ما لديه من جديد مع المنظمة الدولية كمرجعية لها علاقة بجوهر الموضوع، وهي قضية الحدود التي يجب أن ينسحب “الإسرائيليون” منها، أي حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 لتكون حدوداً فاصلة بين الدولة الفلسطينية المقترحة والكيان. فوفد الجامعة العربية كان يستهدف الإدارة الأمريكية وليس المنظمة الدولية، والسؤال هنا أيضاً لماذا؟

هل ما ذهب به وفد الجامعة العربية من تنازلات جوهرية جديدة تخصّ الشعب الفلسطيني دون غيره، وتتعلق بقبول مبدأ تبادل الأراضي استكمالاً لما تضمنته المبادرة العربية من إقرار لمبدأ “الأرض مقابل السلام”، أي إقرار مبدأ “الأرض مقابل الأرض”، ثمنٌ قررت الجامعة العربية أن تدفعه، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني لإغراء الولايات المتحدة بقبول الحل العسكري للأزمة السورية؟

خطورة السؤال تجيء في ظل توجه أمريكي جديد بإعادة هندسة النظام الإقليمي للشرق الأوسط، لاستيعاب التداعيات الحالية والمحتملة لموجة الثورات العربية، وتأمين المصالح الأمريكية في المنطقة في ظل توجه أمريكي جديد بالتركيز على إقليم الشرق الأقصى لمواجهة الخطر الصيني المتصاعد، واحتمالات تشكيل تحالف دولي يضم الصين وروسيا والهند لمواجهة الولايات المتحدة .

هذا التوجه بدأ بالمصالحة الشهيرة التي أجراها الرئيس الأمريكي أوباما بين كل من رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية وبنيامين نتنياهو رئيس الحكومة “الإسرائيلية” التي اعتبرت خطوة جوهرية لإعادة ترميم التحالف الاستراتيجي المتداعي منذ ثلاث سنوات بين تركيا و”إسرائيل”، لتأسيس مركز التحالف الإقليمي الجديد الذي يضم الولايات المتحدة وتركيا و”إسرائيل”، لاحتواء التداعيات المحتملة لموجة الثورات العربية عامة والمخاطر المتوقعة لسقوط النظام السوري، أو اللجوء إلى الخيار العسكري لإسقاط هذا النظام على وجه الخصوص.

فقد كشف أليكس فيشر معلق الشؤون الأمنية في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن كثافة التحركات الأمريكية في المنطقة في الأشهر الأخيرة كان هدفها “بلورة حلف غير رسمي بين ثلاث دول عربية والسلطة الفلسطينية مع تركيا و”إسرائيل” والولايات المتحدة” في مواجهة إيران وسوريا، وأن هذا الحلف يحمل اسماً مشفراً في وزارة الخارجية الأمريكية بعنوان “دول 4+1” أي الأطراف العربية الأربعة مع تركيا، كطرف حليف للولايات المتحدة و”إسرائيل”.

هذا التوجه سيفرض حتماً لجوء روسيا وإيران وسوريا إلى تأسيس تحالف مناهض مدعوم من الصين والعراق، ما يعني أننا أمام حالة استقطاب عربي - إقليمي جديدة بديلة لما كان من محاور أسقطتها الثورات العربية، خاصة “محور الاعتدال” و”محور الممانعة”.

هل مبادرة جامعة الدول العربية بإقرار مبدأ “مبادلة الأراضي” إلى جانب مبدأ مبادلة الأرض بالسلام الذي سبق تضمينه في مبادرة السلام العربية، يجيء ضمن خطوات تأسيس هذا التحالف الذي تشارك فيه السلطة الفلسطينية التي أعلنت دعمها لخطوة وفد جامعة الدول العربية، بإيجاد حل للقضية الفلسطينية على النحو الذي يتوافق مع مفهوم “السلام الإسرائيلي”، أي السلام الذي يحقق كل متطلبات الدفاع عن الكيان الصهيوني، كخطوة داعمة لتأسيس ذلك التحالف ضد إيران وسوريا؟

الأسئلة كثيرة، لكن، لا توجد إجابات محدّدة ورغم ذلك، فإن قادة الكيان الذين لم يحترموا مبادرة السلام العربية وتعمدوا تجاهلها، ما زالوا يتطلعون إلى المزيد رغم تساقط الخطوط الحمر العربية الواحد تلو الآخر. فقد أسقط الرئيس الفلسطيني محمود عباس حق العودة، ولم يعد أحد يتحدث فعلياً عن القدس، أو منع التوسع الاستيطاني والتهويد ووقف ما يتعرض له المسجد الأقصى من تدمير ممنهج بهدف إسقاطه لإقامة “الهيكل المزعوم”، والآن يسقط الخط الأحمر الخاص بالانسحاب “الإسرائيلي” إلى حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 .

فقد أكدت صحيفة “هآرتس” أن نتيناهو ومستشاريه المقربين لا يتحمسون للإعلان العربي، ويخشون من احتمال تبني وزير الخارجية الأمريكي جون كيري موقف ممثلي جامعة الدول العربية من حدود الدولة الفلسطينية ومبدأ تبادل الأراضي . هذا الرفض يؤكد أن حكومة الكيان ليست مع حل الدولتين حتى لو كان ذلك وفقاً للتنازلات العربية الأخيرة، فهذه الحكومة تراهن على حلول بديلة تكون فلسطين كلها “دولة يهودية”.

هذا الواقع يكشف بدوره سقوط الرهانات العربية الواحد تلو الآخر، وهذا التنازل الجديد الذي أسمته حركة الجهاد الفلسطيني بــ ”وعد بلفور عربي”، كما رفضته قيادة “حماس” في الداخل والخارج، واعتبرته “إمعاناً في سياسة التنازلات”، لم يخرج عن كونه مبادلة أرض عربية بأرض عربية بكل ما يعنيه ذلك من إقرار بالاغتصاب الصهيوني القديم واعتراف بالاحتلال الصهيوني الجديد، وكلا الأمرين هو تفريط بالحقوق الفلسطينية والعربية وبكل المواثيق والقرارات العربية والدولية، فضلاً عن أن أهل هذه المبادرة قد نصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وتكشف “المبادرة” أيضاً إلى أين وصل الحال بالنظام العربي، ولمصلحة من يعمل، وكيف يخطط أصحاب هذه المبادرة لإسقاط كل الأحلام العربية.


انشر عبر