شريط الأخبار

جمرايا 2 .. الواقع والواجب الوطني.. علي عقلة عرسان

08:37 - 07 حزيران / مايو 2013

 وقع العدوان الإسرائيلي بالصواريخ على جمرايا والمطار الشراعي وميسلون ووحدات للجيش العربي السوري والحرس الجمهوري في جبل قاسيون قرب "عقربا"، في الساعة الواحدة وأربعين دقيقة تقريباً من صباح يوم الأحد 5/5/2013، وسقط فيه " أربعة شهداء وسبعين جريحاً وخسائر مادية كبيرة، وفق التصريح الرسمي السوري وأكثر من ذلك وفق مصادر أخرى.. إخال أن العدوان الصهيوني الأخير على ثلاثة مواقع منها جمرايا وشمال شرقها وميسلون والمطار الشراعي وسقط فيه " أربعة شهداء وسبعين جريحاً وخسائر مادية كبيرة، وفق التصريح الرسمي السوري.. وأكثر من ذلك وفق مصادر أخرى. وكان عدوان آخر قد وقع قبل يومين واستهدف موقعاً عسكرياً أو صواريخ قيل إنها في طريقها إلى حزب الله، ولم يكن ذلك إلا ادعاء كاذباً وتذرعاً للعدوان.. وقيل إنه إنه استهدف مطار دمشق الدولي حيث توجد صواريخ أيرانية متطورة في طريقها إلى حزب الله، وقد تواكب قبل أيام مع قصف للمعارضة لمطار دمشق الدولي حيث تمت إصابة مستودع للكوريسين وطائرة تجارية مدنية على أحد المدارج..

وتشير الدلائل والقرائن بوضوح إلى أن التدخل الإسرائيلي المباشر تم لمناصرة المعارضة بعد أن تم التضييق عليها ومحاصرتها في ريف دمشق ومنطقة القصير وفي مواقع أخرى من سورية بفعل تقدم الجيش العربي السوري، وبعدما حدث في موقعة قرية البيضا وحي رأس النبع في بانياس من ضحايا..  ويبدو ان العدوان تم بإشارة من الولايات المتحدة الأميركية وليس بموافقة منها وعلم فقط، " وقول الرئيس اوباما: "من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها" يشجع دولة الإرهاب الصهيوني على العدوان دائماً وأبداً ويوفر لها الدعم والحماية.. ولكنه لا يوقت لها مواقيت عدوانها.. وهذه الضربة الإسرائيلية جاءت بطلب من جهة عربية راعية للمعارضة المسلحة بصورة مباشرة، عبر الولايات المتحدة الأميركية وبتنسيق مع المعارضة ذاتها للتخفيف عنها ولتمكينها من فك الحصار المضروب عليها في ريف دمشق على الخصوص، حيث ترافق انفجار الصواريخ الإسرائيلية بتحرك عسكري للمعارضة المسلحة للخروج من مواقعها، وهو ما تم لجمه من الجيش العربي السوري. ولم يكن العدوان في أهدافه وتوقيته بعيداً عن علم تلك الأطراف التي رصدت مواقع حدوثه ليلاً بكاميرات التصوير بانتظار لحظة الانفجار، وكان لافتاً جداً تصوير لحظة سقوط الصواريخ الإسرائيلية وتغطية الانفجارات مباشرة في لحظة وقوعها مصحوبة بالتكبير، وذلك من خلال أفلام " يوتوب" تم بثها مباشرة عبر فضائيات معروفة؟! وترافق ذلك مع تعبير عن ابتهاج " غريب ومستغرب" في مواقع وتعليقات لمعارضين سوريين ومناصرين لهم، وكذلك في مقابلات منها مع القناة الثانية الإسرائيلية حيث قال الناطق الإعلامي باسم ميليشيا "الجيش الحر" من حمص للقناة: "إن أفراحاً عارمة تملأ قلوب الثوار والمقاتلين بعد الضربة الإسرائيلية لدمشق."،
وردّ على سؤال عمّا إذا كانت الغارة ستؤثر على الأوضاع العسكرية في الداخل، بقوله: "نعم بالتأكيد، في الفترة الأخيرة كانت القوات الأسدية وميلشيات حزب الله (الإرهابي) تقدما، وصل الجيش الحرّ إلى درجة يائسة، وهذه الضربات الاسرائيلية كانت مفيدة جداً وخاصة في دمشق حيث الغوطة الشرقية والجيش النظامي يتقدم.".؟!

كما أبدى أشخاص ومدونون ودعاة موافقة وارتياحاً وترحيباً بكل ما حدث، وهناك من أطلق النار ابتهاجاً بالعدوان في قطر عربي مجاور.. وكل هذه المؤشرات والدلائل والقرائن تشير إلى تنسيق تام مع المعارضة في هذا العدوان.. ربما شمل تقديم معلومات وتحديد أهداف وتعيين إحداثيات، ومن غير المستبعد أيضاً وجود عملاء للموساد في دمشق عملوا على ذلك كله مع مساعدين ومحتضنين لهم.

وإذا صح ما ذهبنا إليه، وصحت الاستنتاجات التي بنيت عليه، فإن المعارضة المسلحة في سورية تكون قد أسقطت آخر أوراق التوت وسقطت عنها الأغطية كلها في موضوع العلاقة مع العدو الصهيوني.. أو أو تكون مدعوة على الأقل إلى مراجعة الكثير الكثير من المواقف في ضوء الانتماء والالتزام الوطني والقومي والديني، حتى لا تكون هي والعدو الصهيوني في خندق واحد وحتى لا يستفيد من أدائها لإضعاف سورية وشعبها، كل شعبها.. لأنه فيما يبدو يسفيد من عمليات المعارضة في خططه التي التي تستهدف القوات المسلحة السورية، لا سيما المطارات والرادارات ومواقع الدفاع الجوي في مناطق تمتد على كامل التراب السوري.

وبذلك يكون التحالف الدولي الذي يحتضن المعارضة قد أخذ أيضاً يتقدم إلى ساحة المعركة ليحسم الصراع على سورية وفيها، من خلال التدخل المباشر ضمن خططه، بعد أن أصبح الوكلاء في مأزق وعجز وبعد أن وصلت سورية غلى مراحل يراها مناشبة للتدخل.. ويكون مخطط الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، القائم على إسناد مهمة التدخل المباشر في سورية لدول أربع في المنطقة، يقوم بينها وبين المعارضة السورية المسلحة تنسيق تام، ويقف خلفها الحلفاء بقوة، بمن فيهم الدول العربية الداعمة بالمال، ليقدموا السلاح والدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي، والرجال عند الحاجة.. ويكون ذلك المخطط قد أخذ طريقه إلى التنفيذ، بعيداً عن مجلس الأمن الدولي وقراراته والقانون الدولي وأحكامه.. وهو ما تجري عليه الولايات المتحدة الأميركية عادة في الوصول إلى أهدافها ومصالحها ومصالح حلفائها من خلال العدوان والإرهاب والخروج على القانون الدولي والكذب الصراح. والدول الأربع التي يتم عليها الاعتماد في تنفيذ المخطط المشار إليه هي: " إسرائيل والأردن وتركيا" بالدرجة الأولى، ويستمال لبنان، ولكن ما زال العمل مستمراً لإقحامه بطريقة ما، مع حذر وتحذير وتلمس للخطر الشديد عليه من ذلك كله.. وهذا المخطط هو ما استقر عليه رأي أعداء سورية، وما بدأ التمهيد لتنفيذه باستدعاء ملوك ورؤساء ومسؤولين من المنطقة إلى البيت الأبيض، قبل زيارة الرئيس أوباما الأخيرة إلى المنطقة وبعدها، تلك الزيارة التي لوح فيها لبعض العرب المهازيل بحل قضية فلسطين، كما لوح لهم سلفه جورج بوش الابن بحلها قبل العدوان على العراق فقدموا مبادرة السلام العربية البائسة / بيروت 2002/ وحصدوا من وراء ذلك الخيبة والريح.. وحين لوح لهم أوباما بذلك إذا بهم يزحفون على رموش عيونهم في اتجاهين:

-        التضييق التآمري المستمر على سورية، مع تظاهر يفضح أكثر مما تستر، منه طلب أمين عام الجامعة من مجلس الأمن الدولي النظر في موضوع العدوان الإسرائيلي على سورية، وهي سورية الدولة التي أخرجتها جامعة الدول العربية من دائرة " شرعيتها" وعلقت عضويتها؟! وأحلت المعارضة المسلحة في مكانها، ودخلت طرفاً ضدها في الصراع القائم فيها وعليها بالتسليح أيضاً؟!

-        وتقديم تنازلات جديدة لإسرائيل، منها تبادل الأراضي لتكون القدس ومحيطها عاصمة لإسرائيل، ومنها تحرك لبحث طلب نتنياهو عبر أوباما بالاعتراف بإسرائيل "دولة الشعب اليهودي"، الأمر الذي يقضي على حق العودة، ويهدد وجود عرب فلسطين المحتلة عام 1948 في أراضيهم وقراهم، بذريعة أنه يمس بنقاء دولة الشعب اليهودي.. إضافة إلى أمور أخرى.

إن العدوان وتداعياته والتفاعلات معه والتحريض عليه والاستراحة إليه و.. و.. كل ذلك وسواه جعل المعارضة السورية المسلحة تضع نفسها في موقع الإدانة بعد موقعي الضعف والعجز، وذلك من خلال موقفها من العدوان الإسرائيلي الأخير على سورية ودورها فيه، على الرغم من " إدانة الائتلاف للعدوان، تلك الإدانة التي تشبه حركة أمين عام جامعة الدول العربية لرفع العتب أو للتحلي بما " وجب"، وقد تمت بالتوافق بين الطرفين، فالمعارضة خسرت بعض حاضنتها الشعبية السورية والعربية، وأضاف إلى ذلك بعداً أوسع إعلان "دل بونتي" أنها كانت وراء استخدام غاز السارين في سورية.؟! وقد أحدث العدوان، في حجمه وتوقيته، صدمة فأيقظ سوريين كثر، وحرك ضمائر وجماهير وبعض المسؤولين في دول عربية، ووضع سورية أمام احتمالات جديدة عديدة، ووضعها تحت دائرتي ضوء شديدتي التركيز:

أولاهما: موقفها الكلامي - الإعلامي من العدوان الإسرائيلي الذي ينتهك سيادتها ربما للمرة العاشرة، من دون أن ترد عليه مع التوعد بالرد: أمام الشعب السوري الذي يطلب رداً على العدوان الصارخ، وأمام جماهير عربية تأخذها الحماسة لرد يعيد إليها بعض التفاؤل ويرفع رأسها بعد تراكم الإحباط ووصول الأمور إلى ما يقرب من اليأس، وأمام بعض حلفائها الذين تمتد مواقفهم بين المهدد والمهدئ، وكذلك حيال المعارضة التي تتهم وتشكك بالنوايا والسياسات والقدرات وبكل شيء.؟!

وفي الوقت الذي ينبغي أن تدرس فيه سورية الرد على العدوان في ضوء الامكانيات والوقائع والنتائج بحرص تام على المصلحة الوطنية والواجب الوطني، من المفيد ألا يموت هذا الأمر بنوع من تقادم الزمن وتحت كم المهدئات، وهنا نشير إلى واقعة تتكرر، حيث بدأ حديث عن تهدئة الوضع، وضغط على دمشق حتى لا ترد، وأخذت إسرائيل تبدي إشارات " كلامية وإعلامية" تفيد بأنها لا تستهدف سورية وإنما مواقع حزب الله، وأنها تنظر إلى بيان مجلس الوزراء السوري حول العدوان على أنه نصف صفارة إنذار.. في حين أن البيان أشار بوضوح إلى أن العدوان يجعل كل الخيارات مفتوحة، وأنه عدوان على السيادة السورية وهو ما لا يمكن السكوت عليه.. ولكن كل هذا يأتي بعد تنفيذ العدوان، ويترافق مع حشد على جبهة الجولان واستعدادات عسكرية تامة.. وفي وقت يخوض فيه الجيش العربي السوري قتالاً على جبهات داخلية عدة.؟!   

وثانيتهما: تعاملها وتحركها المقبلان حيال ما يدبر لها من الخارج وما تواجهه في الداخل، مع أخذ الثوابت والمتغيرات والاحتمالات والإمكانيات بالاعتبار.. إنها تعيش أزمة خانقة تهدد الوطن والشعب والمستقبل ، وتخوض حرباً في الداخل ذات أبعاد وامتدادات خارجية، وينتظرها ما ينتظرها من دوائر العدوان الخارجي والتواطؤ العربي القصير النظر، ولا بد أن تأخذ معطيات وحقائق كثيرة على الأرض هي من أولى متطلبات التغيير والتصحيح، وأخرىفي النفوس وبين صفوف أبناء الشعب في سورية بعد الذي جرى وكان، وما قيل وما لم يقل، وفي خضم الآتي وما تقدمه الأيام على طريق حل الأزمة واستعادة الذات والبنى العامة، ومنها بنية الإنسان.. وأنها لا يمكن أن تكون معزولة ولا أن تتصرف بمعزل عن معطيات السياسة القريبة والبعيدة.. إنها جزء من محور المقاومة والممانعة ولن تغير موقفها، وأساس في الصراع العربي الصهيوني وقضية الشعب الفلسطيني وتحرير وطنه، وصاحبة موقف ورؤية ومصلحة في أمة عربية ذات حضور وأهداف واضحة تقف خلفها بثبات وقضايا عادلة لا يمكن التنازل عنها، ومستقبل أجيال لا بد من أخذ تفاصيله ومتطلباته في الاعتبار.. وأنها جزء من رؤية سياسية للعالم تتشابك وتتداخل مع دول بريكس ودول في أميركا اللاتينية والعالم الإسلامي..

وهذا كله يرتب مواقف وخيارات ويستدعي تصرفات وسياسات، ويضع أمام كل مسؤول ومعني من السوريين التزامات وواجبات وحقائق وإمكانيات وتحديات وعقبات.. إلخ.. فما هو جدول الأولويات الذي لا يعمق الجراح، ولا يزيد في عدد الضحايا والمناظر المأساوية التي تنحفر في عمق الوجدان وتكاد تشل الوعي وتخرج بالمرء عن المألوف من العقل؟! وما هو التوجه الذي لا يزيد المعاناة ألماً وشقاء وعمقاً، ويخط الطريق أمام الجميع من دون استثناء باتجاه المخارج الآمنة؟ كيف سيكون الموقف والتعامل مع المعارضة بعد الذي كان منها، وكيف ستتعامل المعارضه مع النظام بعد ما كان منه، وكيف ستكون النظرة إلى المستقبل والعمل من أجل الوصول إليها بسلامة ودقة؟ لآ أريد أن نغرق في التمنيات وفي ما يجب وما لا يجب، فمعطى العقل والحكمة والواجب والمنطق.. إلخ كله معروف ومعظمه مما لا تتم مقاربته بصورة ناجعة وبناءه، وفي مثل هذه الأوضاع والصراعات يغيب العقل وتغيب الحكمة وتكون الحقيقة هي والأبرياء من الناس أولى الضحايا. إن دوائر الضوء المركز التي تقف تحتها سورية الدولة بكل مكوناتها وأسسها وبناها ومؤسساتها، والشعب بكل فئاته، هي التي نسالها ونسأل عنها ونتوجه إليها، وفي المقدمة من ذلك الشعب والقيادات والأحزاب والمنظمات والمؤسسات المعنية.. فلكي تواجه سورية العدوان الخارجي والاحتلال بقوة ونجاح، لا بد من ترتيب البيت الداخلي وجعل الشعب السوري على قلب رجل واحد.. وهذا يحتاج إلى شجاعة في المراجعة وتحمل المسؤولية، ومواجهة الذات بصدق وإخلاص ونزاهة على مستويات شتى من العمق والموضوعية، ويحتاج إلى إعادة نظر في مسلمات، ونزع الغرور عن عنتريات، والوقوف أمام ممارسات وطموحات وتطلعات قد تكون مهلكة لأصحابها وللآخرين من أبناء الوطن.. ولا بد لنا جميعاً من النظر بعين أخرى وضمير حي ومعيار قيمي عربي – إسلامي – إنساني نقي وسليم ونظيف، لا تشوبه هلوسات المتعصبين والمتطرفين ومن تعميهم النزعات المريضة والانفعالات البدائية، ولا يقودنا إلى حتوفنا طائشون أو من لا يفقهون في أمور الدنيا والدين، ومن يرون الاقتتال المذهبي أو الطائفي سمة وسلامة.. لا فتلك مصادر فجائع وندامة، الحق بين والباطل بين، وما يصح في هذا المجال بناء حكم القرآن وصحيح السنة واجتهاد العقلاء الفقهاء الأتقياء ينبغي أن يحكم الجهل والغلو، ونحن بأمس الحاجة لهذا لكي نخرج إلى دائرة رؤية إيمانية عميقة وسليمة تعززها ثقافة وتحكمها معايير وتجدّيها حكمة.. ولكي تكون سورية لشعبها كله ولأمتها كلها، ولننتقل من دائرة الموت والشماتة بالموت واستعداء العدو والتلاوذ بالأقوياء والأخذ بالمكر والخبث والدهاء والكذب والادعاء.. إلى فضاء الوطن السيد الذي يشعر كل فرد من أبنائه أنه سيد فيه وخادم له ومكلف بأداء يخرجه من الظلمات إلى النور.    

دمشق في 7/5/2013

                                          علي عقلة عرسان

انشر عبر