شريط الأخبار

خيار "إسرائيل" الأمثل في سوريا ..محمد السعيد إدريس

06:52 - 05 تشرين أول / مايو 2013

منذ أيام قليلة، وفي أوج سيطرة الأزمة السورية وتفاعلاتها على مراكز صنع القرار الاستراتيجي في الكيان الصهيوني، فاجأ بنيامين نتنياهو وزراءه خلال الاجتماع الخاص للمجلس الأمني المصغر يوم الأحد (28 إبريل/ نيسان الماضي) بألا يدلوا بتصريحات علنية حول سوريا “لعدم إعطاء الانطباع بأن “إسرائيل” تضغط على المجتمع الدولي للتدخل في هذا البلد”. نتنياهو طلب هذا من وزرائه رغم أن الاجتماع الذي استمر أربع ساعات خصص بكامله لدراسة الوضع في سوريا وتحديد الخطوط الحمراء التي لا يمكن السماح للأزمة أو للنظام السوري أن يقترب منها من دون أن تقوم “إسرائيل” بالتدخل المباشر الذي تعد له.

هل ما يهدف إليه نتنياهو ألا يتحمل هو وحكومته أية نتائج سلبية إذا ما تكشف زيف ما روجت له أجهزة استخبارات “إسرائيلية” وتبنته الماكينة الإعلامية الصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا، من أن النظام السوري تجاوز الخطوط الحمراء التي كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد حددها للنظام السوري والتي يفرض تجاوزها أن تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً ضد هذا النظام بالطريقة المناسبة؟ أو أنه يريد أن يعفي نفسه مسبقاً من أن يتهم بأنه مَن ورط الولايات المتحدة في حرب لا تريدها في سوريا.

يبدو أن الأمر ربما يكون كذلك، لكن ربما من سبب آخر لم يعد مستبعداً وهو التغطية على أنباء تؤكد وجود استعدادات لتدخل عسكري “إسرائيلي” ــــ أمريكي في سوريا أصبح وشيكاً في ظل كل ما تم من استنفار للرأي العام الدولي ضد النظام السوري بدافع استخدام أسلحة كيماوية ضد شعبه وتجاوزه الخط الأحمر الذي كان الرئيس الأمريكي قد وضعه كشرط للتدخل العسكري. فنائب وزير الخارجية “الإسرائيلي” زئيف الكين كان قد دعا يوم الجمعة (26 إبريل/نيسان الماضي) أي قبل يومين من لقاء نتنياهو بالمجلس الأمني المصغر، إلى تحرك عسكري للمجتمع الدولي من أجل “السيطرة على ترسانات الأسلحة الكيميائية السورية”.

هذا التوجه يدعمه تعمد رئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” الجنرال ايتي بارون إحراج وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في زيارته الأخيرة للكيان الصهيوني، فقد أكد أمام كيري أن “النظام (السوري)  استعمل سلاحاً كيميائياً قاتلاً”. هذا الإحراج من الصعب تصور أنه كان دون تدبير أو على الأقل من دون علم نتنياهو، وأن الهدف من وضع الرئيس الأمريكي وإدارته أمام تحدٍ صعب حول مصداقية الالتزام بالتهديد الخاص بإيران، إذا تجاوزت الخطوط الحمراء.

هذه المواجهة مع الولايات المتحدة تكشف أن الولايات المتحدة مازالت ضد التسرع في التورط في حرب ضد سوريا، وأن الكيان يضغط ويفتعل المبررات لتوريط الولايات المتحدة في هذه الحرب.

بالنسبة للأمر الأول فإن مجمل ما ينقل عن الرئيس الأمريكي وإدارته يؤكد أنه حريص على التريث وعدم التسرع في حرب مربكة في حساباتها ونتائجها وتداعياتها المحتملة، وأنه يريد أن يجعل الخيار العسكري خياراً أخيراً يأمل ألا يتورط فيه. ففي مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء الماضي في البيت الأبيض قال أوباما “إن التسرع في الحكم والقفز إلى الاستنتاجات بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا قد يجعل من الصعوبة بمكان حشد المجتمع الدولي للتحرك، نظراً لاستخدام روسيا والصين لحق الفيتو ضد أي قرار بشأن سوريا”، وشدد أن عليه أولاً أن يتيقن من الحقائق.

كلام الرئيس الأمريكي واضح تماماً، وهو على ما يبدو لا يريد أن يكرر جريمة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وحليفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الخاصة بتزييف معلومات عن أسلحة الدمار الشامل العراقية لتبرير غزو العراق واحتلاله. كما أنه حريص على التوافق مع روسيا والإعداد الجيد للقائه المقبل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يونيو/ حزيران المقبل، خصوصاً أن الاتصال الهاتفي الذي جرى بينهما مؤخراً قد تعرض فيه أوباما لقضية استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، وقد علق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف برفض موسكو “تكرار التجربة العراقية في سوريا”. وقال إن “محاولات القوى الغربية توسيع نطاق تحقيق تجربة الأمم المتحدة بخصوص استخدام أسلحة كيميائية في سوريا ما هو إلا ذريعة للتدخل في الحرب الأهلية السورية” مضيفاً “ربما تكون هناك حكومات وعدد من الأطراف الخارجية التي تعتقد أنه من أجل إطاحة النظام السوري، فإن كل الوسائل لا بأس بها، لكن موضوع استخدام أسلحة الدمار الشامل خطير جداً، ويجب ألا يكون هناك هزل بشأنه”.

أما بالنسبة للأمر الثاني، فالمؤكد أن الرأي الأغلب داخل الكيان هو ضرورة التعجيل بالحل العسكري، حتى ولو كان عبر اختلاق ذرائع، لإطاحة النظام الحاكم، لكن هناك من يتحسب للتداعيات المحتملة لهذا الحل في ظل ضبابية الرؤى وعدم اليقين بخصوص من سيحكم سوريا بعد بشار الأسد، ويفضل الاستمرار في مسلسل الاستنزاف للنظام وللمعارضة معاً إلى ما لا نهاية لأن في ذلك مصلحة كاملة ل”إسرائيل”.

ففي مؤتمر معهد الأبحاث للأمن القومي “الإسرائيلي” سيطرت الأزمة السورية على معظم أبحاث ومناقشات المؤتمر، وكان رئيس هذا المعهد عاموس يادلين الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” أبرز المتحدثين حيث عرض موقفاً صريحاً ومتطرفاً لم يسبق أن عرضه مسؤول “إسرائيلي” حيث دعا إلى اتخاذ خطوات تضمن تفكيك ما تسميه “إسرائيل” ب “محور الشر” “إيران وسوريا وحزب الله” من خلال إضعاف الرئيس السوري بشار الأسد، والعمل على إنهاء حكمه في أقرب وقت، معتبراً سقوط الأسد مصحلة “إسرائيلية” لأنه “سيسهم بشكل فعلي وكبير في إضعاف حزب الله وإيران”.

هذا التوجه وجد من يؤيده وبقوة خاصة رئيس الأركان بيتي غانتس الذي أكد أن “بلاده لن تنتظر حتى يتم نقل الأسلحة الكيماوية إلى حزب الله وتنظيمات معادية”، وفهم من حديث غانتس أن “الحرب أضحت وشيكة”. وحتى يقطع الشك باليقين راح يقول إن جيشه انتشر على طول الحدود مع سوريا، وتم تكثيف الدوريات، ويستكمل تدريباته، على كيفية ضرب سوريا وإحباط كل عملية تهريب أسلحة إلى حزب الله في لبنان أو أي تنظيمات أخرى معادية.

عكس هذه الرؤية التي ترى أن “الحرب هي الحل” هناك من يرى أن أي تدخل عسكري “إسرائيلي” سيكون في غير مصلحة “إسرائيل”، ومن يرى أن النظرية التي تقول إن سقوط الأسد سيكون ضربة قاضية لإيران وحزب الله غير صحيحة وغير مثبتة على الاطلاق، وهناك من يرى أن الحل الأمثل هو استمرار الحرب واستمرار الاستنزاف لآخر مدى، بسبب هذا كله أراد نتنياهو أن يتكتم على ما يدبره لسوريا.

انشر عبر