شريط الأخبار

فلسطين وسؤال الأولويات الإقليمية في "اليوم التالي" للثورات ..مالك عوني

08:42 - 23 حزيران / أبريل 2013

احتلت القضية الفلسطينية تاريخيا مكانة مركزية ضمن خطاب الأولويات الذي تبناه النظام العربي الرسمي، دولا، وحكومات، وحكاما. لا ينفي ذلك أن القضية احتلت مكانة مركزية مماثلة في وعي ووجدان العديد من الشعوب العربية، وسلوكها التضامني الطوعي، بل وفي تأييدها أو رفضها لهذا النظام الحاكم أو ذاك. كان ذلك هو السائد في الفكر والخطاب العربيين، حتى وصف العديد من المراقبين والمحللين القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية للنظام الإقليمي العربي.

إلا أن التمييز بين المستويين، الرسمي والشعبي، بدأ يجذب المزيد من الانتباه، بعدما تبين أنه بقدر ما كانت تلك القضية مركزية بالنسبة للشعوب العربية في أغلب مراحل وعيها بعروبتها، فإن تلك المركزية ذاتها بات يثور بشأنها الكثير من الشكوك والاتهامات، إذا ما كان الأمر يتعلق بمدي أولويتها الحقيقية ضمن غايات النظام العربي الرسمي وأهدافه. ولعل أبرز ما يعزز تلك الشكوك هو حقيقة أن مسار القضية الفلسطينية جسد تراجعا مستمرا، سواء فيما يتعلق بهدف استرداد حقوقها المشروعة، أو حتى هدف الدفاع عن مقوماتها التي كانت بعد عام 1948 باقية في يد العرب. تجلي ذلك التراجع في خسارات متوالية في أحد أهم مقوماتها، ألا وهو الأرض التي تآكلت السيطرة الفلسطينية - العربية على معظمها، ولا تزال تتآكل، فضلا عن انعكاس حال الانقسام العربي، في تجلياته السياسية والأيديولوجية، على الشعب الفلسطيني نفسه وفصائله، وهما اللذان أثبتا طوال أغلب فترات النضال من أجل تلك القضية، وحتى اليوم، أنها -أي القضية- لم تفلح في توحيدهما، فضلا عن أن توحد الشعب العربي كله.

في ضوء ما آلت إليه القضية الفلسطينية اليوم،مقارنة بما كان عليه الوضع مع صعود فكرة النظام الإقليمي الغربي ومؤسساته بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه يمكن إجمالا تبين الخصائص التالية في أسلوب تعاطي هذا النظام مع تلك القضية:

1- برغم مركزية القضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي، فإن أولويتها في السياسات العملية تكشف عن أنها كانت متراجعة بشكل كبير، إذا قيس ما خصص لها من موارد واهتمام بقضايا أخرى، لم تحظ بالبروز ذاته في الخطاب الرسمي، مثل الحفاظ على بقاء النظم القائمة، وتعزيز شرعيتها، أو إدارة الصراعات والخلافات البينية بين الأنظمة العربية ذاتها.

2- يرتبط بما سبق أنه تم استغلال تلك القضية، والخطاب الرسمي في شأنها، بشكل واضح كإحدى أدوات تحقيق أهداف أخرى (مستترة) للدول الأعضاء في النظام العربي، وفاق ذلك، بل ربما أعاق، موقع القضية الفلسطينية كإحدي غايات هذا النظام وأولوياته الحقيقية التي يستهدف تحقيق اختراق أو إنجاز حقيقيين في شأنها بما يصب في سبيل استعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة، أو حتى الدفاع عن البقية الباقية من مقومات القضية.

3- عجز النظام العربي عن تعبئة موارد حقيقية للدفاع عن القضية الفلسطينية ونصرتها، مماثلة حتى لما تم حشده من موارد لنصرة قضايا أخرى، بدءا من محاولة تحرير بعض الأراضي العربية المحتلة في حرب أكتوبر 1973، مرورا بالحروب الثلاث التي شهدتها منطقة الخليج منذ ثمانينيات القرن العشرين، وحتى غزو العراق عام  2003، وانتهاء حتى بمحاولات إدارة عمليات التغيير السياسي في غير دولة عربية خلال العامين الماضيين، والأبرز فيما بينها حالتا ليبيا وسوريا.

لا يمكن بالطبع إنكار ارتباط قضية العجز عن تعبئة الموارد تلك بطبيعة الصراع حول فلسطين، باعتباره صراعا، في جزء كبير، مع القوي المهيمنة على النظام الدولي، ومراحل تطوره المختلفة، منذ نهاية القرن التاسع على اختلافها. لكن المحصلة النهائية كانت تغذية متبادلة بين هذا العجز وتراجع أولوية القضية الفلسطينية الفعلية في السياسة العربية.

في التداعيات الأولي لمرحلة ما بعد الربيع العربي، برز تحد رئيسي كاشف لاستنفاد خطاب الأولويات العربي الرسمي قدرته على مراوغة شعوبه، حيث مثلت الاحتجاجات/الثورات الشعبية، غير المسبوقة في حجمها ومداها، رفضا لكل الأسانيد والحجج التي سعت من خلالها الأنظمة العربية، في غير بلد عربي، إلى تعزيز شرعيتها، والحفاظ على بقائها. مثلت تلك الاحتجاجات أقوي تحد شعبي عربي حتى اللحظة لواقع إرجاء الديمقراطية، أو إعاقتها، وإهمال الوفاء باحتياجات الشعوب، والنهوض بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، أيا كانت الحجج أو المبررات التي ساقتها الأنظمة الرسمية، طوال عقود، لهذا الحال الذي باتت كل الشعوب العربية تخبره من غياب لممارسة ديمقراطية حقيقية، وعدم عدالة اجتماعية، يتفاوت واقعها من دولة عربية إلى أخرى، من دون أن تغيب عن أيها.

وحسبما لاحظ الكثير من المراقبين والمحللين، فقد كان يقع في القلب من تلك الحجج والمبررات متطلبات الصراع مع إسرائيل، واستعادة الحقوق العربية، وفي القلب منها الحقوق الفلسطينية. وبقدر ما كشفت تطورات التاريخ عن خداع تلك الحجج، أو -على الأقل- عن عدم جدواها، فقد ارتبط بعض الاسئلة الرئيسية التي أثارتها تلك الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية للوهلة الأولي -فور تفجرها- بموقع القضية الفلسطينية من النظام الإقليمي العربي الذي أصبحت عناصر شرعيته التقليدية كلها موضع تحد في اللحظة الراهنة. وتتمثل أبرز هذه الأسئلة فيما إذا كانت المطالب التي رفعتها الجماهير العربية المحتجة تعني رغبة وإرادة شعبيتين عربيتين في إعادة ترتيب أولويات النظام الإقليمي العربي لمصلحة إعلاء أولوية التحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية أم لا؟، وهل يعني ذلك تراجعا لأولوية القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية لهذا النظام، أو -على الأقل- قضية مركزية على سلم أولوياته، أم أن المسألة يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إعادة ترتيب نسبية زمنيا للأولويات، على اعتبار أن أي تراجع في أولوية القضية الفلسطينية، وهو ما كان واقعا عمليا منذ سنوات، هو تراجع مؤقت لحين تحقيق نهضة عربية تتيح استعادة مسار الدفاع الفاعل والإيجابي عن الحقوق العربية؟

بعبارة أخرى، فإن سؤالا رئيسيا مبدئيا طرحته الانتفاضات/الثورات الشعبية العربية فيما يتعلق بالنظام الإقليمي العربي، كان يتعلق بطبيعة القضية المركزية لهذا النظام، وسلم أولوياته في "اليوم التالي" لتلك الانتفاضات/الثورات، وبما يمكن أن يكون لأي تحول في هذا الإطار من تأثيرات في طبيعة التفاعلات والعلاقات الإقليمية.

التحول الهوياتي وإعادة فهم أسئلة اليوم التالي للثورات:

لم تبق تطورات الأحداث فيما بعد اليوم التالي للانتفاضات الشعبية العربية هذا السؤال المبدئي على حاله. إذ سرعان ما برزت تداعيات أخرى لتلك الانتفاضات الشعبية والتغييرات التي جلبتها، ليتضمن سؤالا الأولويات الإقليمية والقضية المركزية متغيرات إضافية محددة تتجاوز حدود المطالب الأولية المتعلقة بالحرية السياسية، أو بتحقيق عدالة اجتماعية. تلك المتغيرات الإضافية ترتبط بشكل رئيسي بعملية تحول هوياتي بدأت تصبغ تطورات ما بعد الانتفاضات/الثورات العربية، وتلقي بتداعياتها، ليس فقط على الأنظمة الداخلية، ولكن على النظام الإقليمي بأسره. ارتبط بروز عملية التحول الهوياتي تلك مع الإقرار بأنها غير مكتملة، وإشكالية حتى الآن، بملمح صعود الإسلام السياسي في مجمل مشهد الانتفاضات/الثورات العربية، وما بات يلقيه هذا الصعود من تداعيات، ليس فقط على الأوضاع الداخلية في الدول التي شهدت مثل هذا الصعود، ولكن كذلك على مجمل التفاعلات الإقليمية.

ومع عدم اتضاح المآلات النهائية لهذا الصعود للإسلام السياسي، فإنه يمكن، بدرجة كبيرة من الاطمئنان، القول إنه بات الملمح الأكثر بروزا في مشهد ما بعد الثورات. ويرتبط هذا البروز بعاملين أساسيين:

أولهما: إن عملية تغيير -ومحاولة تغيير- بعض أنظمة الحكم الإقليمية فتحت الباب، ليس فقط أمام مطالب شعبية عامة وجامعة، بل ربما في المقام الأول أمام جماعات سياسية مختلفة المشارب والتوجهات، يقع في القلب منها جماعات وتيارات إسلامية تتبني استراتيجيات مراجعة جذرية للأسس الأيديولوجية والهوياتية التي تأسس عليها النظام الإقليمي العربي منذ منتصف القرن العشرين، بل وحتى الدولة الوطنية بشكلها الذي بدأت تبرز به منذ مطلع القرن التاسع عشر في مصر.

أما ثانيهما، فيتعلق بحالة فشل في الاستجابة للمطالب الأولية للانتفاضات الشعبية العربية، وتحديدا تحول ديمقراطي جامع، وتعبئة الموارد الوطنية لبناء نظام للعدالة الاجتماعية. وفي ظل مناخ سياسي واجتماعي كان يغذي الانتماءات الأولية في مرحلة ما قبل الانتفاضات الشعبية، فقد أصبحت تلك الانتماءات هي الفضاء الرئيسي الذي بات يمارس من خلاله الداخلون الجدد إلى عالم السياسة العربية أدوارا جديدة تتركز على ما يمكن اعتباره سياسات الهوية. ولا تقتصر سياسات الهوية المقصودة تلك فقط بصعود اتجاهات المراجعة ذات المرجعية الدينية، بل أيضا بانتماءات قبلية، ومذهبية، وعرقية باتت تصبغ السياسة العربية سواء داخل دول النظام العربي، أو عبر حدودها القومية.

ومع الإقرار بأن عملية التحول الهوياتي غير مكتملة، بل وربما إشكالية، حسبما سبقت الإشارة، فإنه لا يمكن إغفال آثارها التي بدأت تلقيها على صعيد التفاعلات الإقليمية، وكمحدد للإجابة على السؤالين الأوليين المشار إليها بأعلى: سؤال الأولويات، وسؤال القضية المركزية. هذه الآثار الأولية هي ما سيحاول هذا العدد الجديد من ملحق "تحولات استراتيجية" الاقتراب منه، من خلال محاولة استشراف تداعيات عملية التحول الهوياتي الجارية الآن على القضية الفلسطينية، باعتبارها هي القضية التي احتلك تقليديا صفة القضية المركزية في النظام الإقليمي العربي. فهل سيمثل الموقع المحتمل لتلك القضية، سواء كان رسميا أو شعبيا، في ظل تلك التحولات، استمرارا لموقعها السابق، أم ستشهد تلك القضية تحولات، سواء في وزنها من سلم الأولويات الإقليمي، أو في مداخل التعاطي معها، وآفاقها المحتملة في الأمدين القريب والمتوسط؟

ومع أهمية الإجابة على هذه الأسئلة بالنسبة لمستقبل القضية الفلسطينية نفسها، فإن أهمية هذه الإجابة موصولة كذلك بالنسبة لتحديد طبيعة "القضية المركزية" في النظام الإقليمي الجديد قيد التشكل. ويلزم هنا الإشارة إلى مستويين للتحول الهوياتي المعني على الصعيد الإقليمي. الأول: هو مستوي الهوية الإقليمية، والآخر هو هوية الإقليم. وفي الواقع، فإن هوية الإقليم (Identity of the Region) تنصرف إلى صورة مقومات الهوية التي تكون لإقليم معين في الخطابات أو الدراسات التي تتصدي لوصفه. أما الهوية الإقليمية(Regional Identity) ، فتنصرف إلى إدراك شعوب إقليم معين لمقومات هويتها، وتعريفها لذاتها. ومع وجود علاقة تغذية متبادلة بين كلا المستويين، فإنه لا يمكن افتراض تماهيهما التام. وينطلق هذا الملحق من افتراض أن عملية التحول الهوياتي تتم بشكل مقصود على كلا المستويين، ليس فقط من قبل أطراف داخلية، بل وحتى من قبل أطراف خارجية، لمحاولة فرض نمط من القضايا والأولويات وأدوات التفاعل على المنطقة، استنادا لطبيعة الهوية التي يجري حاليا محاولة تأسيس مقوماتها (النموذج العولمي)، أو إحيائها (الإسلامية)، أو الدفاع عنها (الوطنية).

يبقي، أخيرا، تأكيد أنه بقدر ما قد تبدو عملية التحول الهوياتي المشار إليها متنازعة بين عناصرها المختلفة، فإن هذا التنازع غير لازم بالضرورة، إلا بقدر إدراك طبيعة مقومات كل من تلك الهويات المطروحة على الإقليم حاليا، وبمدى انفتاح كل منها لاستيعاب عناصر هوياتية مغايرة، بدلا من الصدام معها. ومثلما سبق التأكيد في أكثر من عدد سابق من هذا الملحق، فإن هذا الفعل الإرادي لإعادة قراءة الذات، وتحقيق مصالحة بينها وبين الآخر، هو تحد حال وضروري في مرحلة إعادة تشكل عميقة وجوهرية مثل التي نخبرها كـ "عرب" حاليا.

انشر عبر