شريط الأخبار

القصة الكاملة لمكالمة الرنتيسي وعرفات الأخيرة .. حمزة أبو شنب

10:20 - 21 حزيران / أبريل 2013

بعد أن تولى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قيادة حركة حماس داخل قطاع غزة بتاريخ الخامس والعشرين من مارس 2004 خلال تأبين الشيخ المؤسس أحمد ياسين الذي اغتيل قبلها بأيام, دأب الدكتور على التواصل مع جميع القوى على الساحة الفلسطينية من أجل إنجاز مشروع مشترك, وجلس مع العديد من القيادات الفلسطينية والرسمية والفصائلية رغم الظروف الأمنية التي كانت تحيط به وصعوبة التنقل نتيجة مطاردة الاحتلال له.

من خلال عملية التواصل كان الدكتور عبد العزيز على موعد مع المكالمة الهاتفية الأخيرة بينه وبين الرئيس ياسر عرفات الذي كان يعاني حصاراً شديداً في المقاطعة في رام الله، فما قصة هذه المكالمة؟ وكيف تمت؟ وعلى ماذا اتفق الرجلان في ذلك الوقت؟

كان الرنتسي على موعد مع لقاء يجمعه وقيادات من السلطة الفلسطينية وحركة فتح للحديث عن خطة شارون للانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وقد جرى الترتيب للقاء بين الشهيد سعيد صيام والقيادي سمير المشهراوي, فحُدد بعد عصر الأربعاء الموافق السابع من إبريل من العام 2004، وجرى تحديد مكان الانعقاد وهو منزل الشهيد إسماعيل أبوشنب الذي كان قد استشهد قبلها بثمانية شهور، وكان سبب اختيار المكان الوحدوية التوافقية  للشهيد أبوشنب لدى كافة الفصائل الفلسطينية .

لم يكن الوفد الفتحاوي يعلم بمكان انعقاد اللقاء، ولم يسأل عن ذلك واكتفى بالانتظار حتى يحضر أحد الأشخاص يُرسل من قبل وفد حماس حتى يصحبهم إلى المكان المخصص للقاء، وهي دلالة واضحة على حالة الثقة العالية بين الطرفين, وفد حماس حضر متفرقاً بسبب الظروف الأمنية التي كانت تحيط بإجراءات التنقل، وضم كلاً من الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والشهيد سعيد صيام وزير الداخلية فيالحكومة العاشرة، والأخ إسماعيل هنية رئيس الحكومة الحالي في غزة ونائب رئيس المكتب السياسي في الوقت الراهن .

ذهب كل من الشهيد أكرم نصار مرافق الدكتور الرنتيسي والشهيد حسن نجل الشهيد المهندس إسماعيل أبوشنب لإحضار وفد السلطة وحركة فتح للمكان، وبالفعل حضر الوفد المكون من القيادي الفتحاوي السابق  والنائب الحالي في المجلس التشريعي الأخ محمد دحلان والذي كان يعمل في ذلك الوقت مستشاراً للأمن القومي للرئيس عرفات، والقيادي البارز في حركة فتح الأخ سمير المشهراوي، ولم يكن بصحبة الوفد أي من طواقم المرافقة الخاصة بهم ولم يحضروا بسياراتهم المعروفة للجميع، بل اكتفى القياديان دحلان والمشهراوي بالحضور بسيارة جيب ولم يكن معهم سوى سائق ومرافق واحد.

كانت الأجواء الإيجابية تسود اللقاء الذي استمر قرابة الثلاث ساعات، والذي ناقش سبل التعاون والأخطار المحدقة بالقضية الفلسطينية والرؤية المشتركة للتعامل مع قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منه، حيث أعلن شارون عن نيته الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، وكان طرح وفد حماس بأن الانسحاب لا يعني انتهاء المعركة مع العدو بل على العكس هذا محفز لتطوير المقاومة ودعمها لحماية القطاع من الاحتلال، وكان طرح السلطة أنه بعد الانسحاب من قطاع غزة يجب ضبط السلاح وترتيب البيت الداخلي، وكان هناك تفهم واضح من قبل الطرفين بأن الهدف من الانسحاب المفاجئ هو ترك القطاع لصراع فصائلي خاصة بين فتح وحماس على السيطرة على القطاع, صراع في ساحة مليئة بالبنادق والمتفجرات سيكون صراعاً دموياً ينتج عنه مشهد همجي ومتخلف تلتقطه إسرائيل لتقول للعالم أن المشكلة لم تكن في الاحتلال إنما في الشعب الفلسطيني نفسه، وأنه شعب قاصر لا يستحق استقلالاً ولا يستطيع إدارة شؤونه، وعرض وفد السلطة الشراكة الكاملة، وقد اتفق الوفدان على مجموعة من المبادئ العامة أهمها تشكيل حكومة وحدة وطنية وبناء جيش وطني تشارك فيه كافة الأجنحة العسكرية بما فيها كتائب القسام الجناح العسكري للحركة حماس، ينتشر على الحدود وفي مواقع استراتيجية لحماية القطاع من الأخطار الخارجية.

بعد الاتفاق على المبادئ العامة طرح القيادي دحلان على الدكتور الرنتيسي أن يتم إطلاع الرئيس عرفات على هذه الرؤية وسماع رأيه بما تم التوصل إليه بين حركة حماس من جانب والسلطة والفلسطينية وحركة فتح من الجانب الآخر، فوافق الدكتور الرنتيسي وقام القيادي دحلان بالاتصال من هاتفه المحمول على الرئيس عرفات وشرح له ما تم الاتفاق عليه في اللقاء، ثم نقل سماعة الهاتف للدكتور الرنتيسي الذي تحدث مع الرئيس عرفات واطمأن على صحته ووضعه خلال الحصار، وبارك الرئيس عرفات هذه الخطوة واتفقا على مواصلة اللقاءات والتواصل المستمر، والجدير ذكره هنا بأن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل كان على تواصل دائم و مستمر مع الرئيس عرفات طوال فترة حصاره .

لقد نلت شرف حضور هذا اللقاء، ولكن الحال لم يدم طويلاً فما هي إلا عشرة أيام ليغيِّب الاحتلال الدكتور الرنتيسي عن المشهد الفلسطيني باغتياله، وبعدها فقط بأشهر كان الرئيس عرفات قد غُيِّب هو الآخر عن المشهد ولم يحضر كلاهما مشهد الانسحاب من قطاع غزة في سبتمبر من العام 2005 .

أجواء وحدة وتفاهم رغم الاختلاف السياسي ورغم حالة التباعد والشرخ التي أوجدها أوسلو على الساحة الفلسطينية، ولكن سرعان ما عادت روح التفاهم والحوار لمقارعة الاحتلال، وما حوارات نابلس عام 1997 ومؤتمر غزة للوحدة الوطنية عام 1998 وحالة الالتفاف الداخلي في انتفاضة الأقصى إلا رسالة وحدة وتعاضد في وجه الاحتلال حتى لا يبقى أحد في الساحة وحيداً.

انشر عبر