شريط الأخبار

القارة تتجدد.. اسرائيل اليوم

12:25 - 19 حزيران / أبريل 2013

بقلم: يوسي بيلين

(المضمون: خواطر من رحلة الى الكاميرون تُظهر ان القارة الافريقية في تجدد سريع يتعايش فيها الماضي والحاضر لكن الغلبة ستكون للحديث والمتطور في المستقبل - المصدر).

في فندق "هلتون" في يونده عاصمة الكاميرون يستبدلون المال في مكتب خاص. وقد ضاقت امرأة شابة بالملل وسألت كم من المال نريد ان نستبدله. فأجبناها فوجهتنا الى الغرفة المجاورة التي تحتاج للوصول اليها الى اجتياز حاجز خشبي منخفض. وهناك يجلس شاب وراء حاجز زجاجي. ينظر جيدا في قطعة الورق ويتفحصها بحرص ويقول وجهه انه اقتنع بأنها أصلية.

يتوجه الآن الى صندوق من الورق المقوى توجد فيه الفرنكات الكاميرونية التي تمنح من يحصل عليها فجأة شعورا ما بالغنى، فهناك عشرات الآلاف من الفرنكات مقابل بضع عشرات الدولارات. وينظر في الصندوق كأنه يراه لأول مرة ويخرج في بُطء وعن تقدير للامور القطع النقدية الورقية. ويبسط يده بالمال وفيها بضع قطع معدنية لم يعد من الممكن ان تشتري بها شيئا، وننتظر سند القبض ويقول إن كل شيء على ما يرام فهم لا يعطون هنا سندات قبض، كي لا تقولوا انه صراف في شارع بل "هذا مكتب محترم في داخل الهلتون".

لكن ينبغي ألا نخطيء. إن هذه الازدواجية والتصرف القديم والبطء المعروف تحيا جميعا الى جانب طوفان الحداثة والتقدم السريع الذي يصعب تصوره. ويبدو أن هذا أحد أسرع المسارات في التاريخ وأكثرها تحولا، ولما كان الحديث عن مسار سريع جدا فانه يحدث في داخل قشرة افريقية المتخلفة والجاهلة التي تستغلها القوى الكبرى.

ولا تعوزنا أمثلة فنحن نرى من جهة كوخا من الصفيح يريد ان ينقض، ترتفع فوقه لافتة "صالون فينوس"، التي تشير الى أنه هناك في مكان ما داخل الكوخ يوجد محل حلاقة؛ ومن جهة ثانية وبازائه تماما تقوم محلقة نساء عصرية تبدو غربية بصورة كبيرة وغير بعيد من هناك تجلس امرأة على الرصيف وامرأة اخرى تحلق شعرها.

والى جانب حوانيت أحذية عصرية توضع أزواج قليلة من الأحذية على الوحل في وسط الشارع تماما ومن شاء بيعها نظر اليك بنظرة تقول "اذا شئتم فاشتروا وإن لم تشاؤوا فلا تشتروا". وبقرب مجمع تجاري جديد مليء بجميع الخيرات (وكلها منتوجات مستوردة تقريبا)، يجلس شيوخ وشباب على الرصيف يبيعون الأناناس والفواكه الاستوائية الاخرى. ويوجد من لا يحصون من باعة التماثيل الصغيرة والأساور الافريقية.

وما زال الاولاد يلتصقون بسيارتك ويحاولون ان يبيعوك العلكة. ليست افريقية باريس الى الآن برغم ان الفرنسية هي اللغة المهيمنة عليها (في الجزء الفرنسي من الكاميرون على الأقل). وما زالت افريقية شيئا يصعب ان نُفسره ونشبهه بشيء نعرفه، فانه يحدث فيها شيء لا يمكن ان نؤمن به من غير ان نراه.

إن الثورة هي ثورة الهواتف المحمولة كما أن الثورة الصناعية كان شعارها القطارات وكان مصدر الثورة الزراعية الأسمدة. هذه ثورة عمرها عشر سنوات تقريبا وغيرت القارة لأنها ربطت فجأة بين ناس من اماكن نائية وربطت الأطراف بالمركز ومكّنت الناس من تحويل الاموال بالهاتف دون حاجة الى المجيء الى المدينة الكبيرة أو فرع البنك البعيد كثيرا.

اذا كانت الهواتف المحمولة قد غيرت حياتنا وطورت قدرتنا على الاتصال فان الهواتف المحمولة في افريقية خلقت الاتصال ومكّنت من تمهيد طريق اقتصادي وزراعي، فقد تحدث الناس بعضهم الى بعض وقرروا كيف ينقلون السلع ومتى دون ان يضطروا الى انتظار ساعات وايام. ويملك حتى أكثر الأفارقة فقرا اجهزة الهواتف المحمولة لأنه لا يمكن العيش بغيرها – إن صناعة الهواتف المحمولة هي الرائدة اليوم في افريقية.

هذه هي الثورة التي أفضت الى تمهيد الطريق المصرفي: فالقارة التي لم تكن توجد فيها مصارف تقريبا تكمن فيها الطاقة الكامنة المصرفية الأكثر اثارة للاهتمام في العالم اليوم. وتُمكّن الهواتف المحمولة افريقية من اجتياز مرحلة الفروع الثابتة التي احتار الغرب كيف يتخلص منها وان تنتقل مباشرة الى المرحلة التالية وهي النشاط المصرفي بواسطة الاتصالات فقط.

إن افريقية تدخر وأصبحت مدخراتها أكبر من مدخرات اليابان. وتُمكّن ودائعها من قروض، وتنشيء القروض المصرفية الاعمال الصغيرة والمتوسطة التي تغير في واقع الامر صورة القارة وتشكلها.

حدث في السنين العشر الاخيرة أمران مهمان آخران وهما أن أكثر الحروب الأهلية قد انتهت ودونما صلة بذلك ارتفعت اسعار الموارد الطبيعية – ولا سيما النفط والغاز والذهب والنحاس والألماس ومعدن البوكسيت – ارتفاعا كبيرا بسبب الطلب الكبير جدا من الصين. وهذه الموارد موجودة بوفرة في افريقية، وكان استغلالها جزئيا جدا الى الآن.

إن الصين التي دخلت افريقية لمصلحة واضحة تماما منحت خطوط اعتماد وساعدت على بناء بنى تحتية وأمّنت لنفسها إمدادا منظما بالمواد الأولية الحيوية بالنسبة اليها. أما افريقية من جهتها مع زعماء أفضل من اولئك الذين كانوا في الماضي ومع مساعدة المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي فنجحت بالافادة من ذلك لا ان تكون جهة سلبية مستغلة فقط.

هذا عصر افريقية. وهي الصين التالية، فهي أكثر شبابا من جميع القارات الاخرى ويرتفع مستوى ثقافة سكانها وفيها احتياطيات لا يمكن تصورها من الموارد الطبيعية. وهي قادرة كذلك على الانتاج والتجديد. وتحسن المستوى الصحي في افريقية كبير اذا قيس بسنوات خلت وأصبح معدل عيش سكانها أعلى مما كان في الماضي وهو شيء أحدث وما زال يُحدث زخما في اماكن اخرى ايضا في الـ 150 سنة الاخيرة.

سيتغير ذلك بعد بضع عشرات من السنين ويقل عدد الاولاد ايضا ويتضاءل سكان القارة، لكن تحدث فيها في اثناء ذلك امور تُمكّنها من الانطلاق الى الصف الاول. تستطيع صناديق تقاعد افريقية مثلا ان تشتري الديون الخارجية لدول القارة جميعا. فوضع هذه الصناديق المالي ممتاز بسبب السن الفتيّة للسكان. وتكمن في هذه الصناديق امكانات استثمار في البنية التحتية تؤدي بافريقية الى مكان مختلف تماما لأن البنية التحتية غير المتطورة اليوم توقف تطور القارة في مجالات حياة كثيرة.

قد يكون "صالون فينوس" مفتوحا في يونده في المستقبل ايضا لكنه لن يكون في كوخ يريد ان ينقض بل في مبنى فخم فيه معدات حديثة. ولن توجد الخطوط المتوازية للقديم والحديث في الكاميرون اليوم بعد سنين كثيرة لأن الحديث سينتصر. إن ما كان يبدو غير ممكن قبل عقد فقط أصبح فجأة الأمل الأكبر لسكان افريقية أنفسهم ومن يبحثون فيها عما لا يمكن ان يجدوه في مناطقها القديمة.

انشر عبر