شريط الأخبار

كوريا الشمالية...."إسرائيل " والكيل بمكيالين../ د. فايز رشيد

11:32 - 17 تشرين أول / أبريل 2013

عقوبات شديدة اتخذتها الأمم المتحدة بضغط من واشنطن والعواصم الغربية، أدّت مثلما يقول المراقبون إلى تجويع حقيقي لشعب كوريا الشمالية، وإلى معاناة من حصار ظالم يمتد لسنوات طويلة متتالية عليها. المنظمة الدولية على موعد قريب لاتخاذ المزيد من العقوبات ضد بيونع يانغ، الأمر الذي يعني: المزيد من الإشكالات الحقيقية لهذا البلد الذي وضعه الرئيس بوش الابن في عام 2004 على قائمة دول محور الشّر.

ومع أنه لا يوجد شخص على وجه المعمورة يؤيد التهديد النووي من مطلق دولة، لأن أي حرب كونية جديدة يُستعمل فيها السلاح النووي، ستعني فناءً للبشرية، إلا أن بيونع يانغ لم تجد أمامها وسيلة للخلاص من مآزقها العديدة سوى شد الانتباه إليها وإلى قضية حصارها الخانق من خلال سياسات التهديد لها. مورس الحصار من قبل على العراق وما يزال مفروضاً على قطاع غزة. وهو ما زال قائماً من قبل الولايات المتحدة على جزيرة كوبا. من يعايش الحصار يُدرك آثاره التدميرية على من يُمارس ضده. إنه نهج لا إنساني أولاً وأخيراً.

إن كثيراً من المحاصَرين هم الأطفال، ويصبح والحالة هذه من المنطقي التساؤل: لماذا الحصار المفروض على كوريا الشمالية؟ لإنها تقوم بتجارب نووية! هذا هو منطق واشنطن التي تعمل على استفزاز كوريا الشمالية من خلال المناورات المشتركة التي تجريها بشكل شبه دوري مع حليفتها: كوريا الجنوبية.

حالة التوتر والتصعيد القائمة في هذه المرحلة في شبه الجزيرة الكورية، ليست الأولى من نوعها، ففي العامين 1993-1994 وصلت الأوضاع فيها إلى حافة الهاوية وإلى شبه حالة حرب. تلك المرحلة قادها في بيونع يانغ كيم جونغ-ايل والد الرئيس الحالي كيم جونغ-أون. يحاول الغرب تصوير قائد كوريا الشمالية حالياً بــ(الأهوج) ويطلقون عليه تعبيرات من ذات النوع، وعلى سبيل المثال وليس الحصر يلقبونه بــ(الفتى الشرّير)! القضية أعمق من ذلك بكثير، فمن المستحيل على زعيم مطلق لبلد أخذ قرار الحرب وتوتير الأوضاع دون استشارة القيادة العسكرية للبلد! لا نبرر للرئيس الكوري قراره الأخير، لكنا نحاول إلقاء الضوء على الأسباب التي أوصلته وقيادته العسكرية إلى اتخاذ مثل هذا القرار. إن زيادة الضغط تؤدي إلى الانفجار. هذا هو قانون الطبيعة الأكيد.

الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل والعواصم الغربية يملأون الدنيا زعيقاً على البرنامج النووي الإيراني وهو حتى اللحظة وباعتراف واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية والمعاهد النووية لم يتجاوز الأهداف والإطار السلمي (واشنطن وتل أبيب تهددان بمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية-هذا يؤكد أن طهران لم تمتلك بعد هذه القنبلة)، ومع ذلك تُفرض عقوبات قاسية وشديدة على طهران، ويجري تشديدها بين فترة وأخرى. الحصار الخانق يجري تطبيقه ظُلماً وعدواناً على إيران منذ فترة طويلة، وهي لم تمتلك قنبلة نووية، فكيف بامتلاكها؟ سيجري الاعتداء عليها بالحتم أمريكياً وإسرائيلياً، علما أن طهران وقعت على المعاهدة الدولية لخطر انتشار الأسلحة النووية.

إسرائيل تمتلك (وفقاً للمراقبين العسكريين)ما يزيد على 400 رأس نووي، ولديها صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية، وهي رفضت وترفض وستظل ترفض التوقيع على المعاهدة الدولية المعنية بحظر انتشار هذه الأسلحة. واشنطن والغرب والدول الصديقة لهما يتفهمون الكيان الصهيوني باعتباره يدافع عن نفسه بامتلاك هذه الأسلحة! ولكن ضد من؟ ما من دولة عربية تمتلك سلاحاً نووياً. لقد دمّرت إسرائيل المشروع النووي العراقي. وقامت بضرب ما ادّعت أنه منشأة نووية في سوريا. ليبيا سلّمت ما لديها من مواد أولية لاستعمال الذّرة في الأهداف السلمية إلى واشنطن. وإسرائيل قامت باغتيال العالم النووي المصري يحيى المشد وغيره من العلماء العرب.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تنتقد إسرائيل ولا تخاطبها لأجل إخضاع منشآتها النووية لإشرافها! غريب هذا المنطق، وهو الكيل بمكيالين تجاه ذات القضية، ولكن ما يتحكم في تفهم واشنطن لحيازة مطلق دولة للسلاح النووي هو موقف هذه الدولة منها، فإذا كانت من حليفاتها وتؤيد سياساتها ولها علاقات إستراتيجية معها، فلا مانع أن تقوم هذه الدولة بتصنيع الأسلحة النووية. أما الدول غير الصديقة لواشنطن والغرب والتي تحرص على انتهاج سياسات مستقلة خاصة بها سواء أعجبت واشنطن أم لم تعجبها، فممنوع على هذه الدول استعمال الطاقة النووية حتى للأغراض السلمية، سواء لتوليد الطاقة أو للأغراض الطبية أو لغيرهما.

واشنطن (ومعها دول الغرب عموماً) تكيل بمكيالين حتى بالنسبة لموضوع الديموقراطية! فهي دعمت أكبر ديكتاتور في العقود الأخيرة وهو بينوشيت الذي قاد انقلاباً عسكرياً على رئيس تشيلي الشرعي (المنتخب ديموقراطياً) سلفادور الليندي (لأنه يساري)، ودعمت يلتسين عندما قام بقصف بيت الدوما (مجلس الشعب) الروسي، ودعمت النظام العنصري في جنوب إفريقيا لسنوات طويلة (قبل اتخاذ قرار من مجلس الأمن والجمعية العامة مناشدة دول العالم بوقف التعاون مع هذا النظام العنصري)، ومع ذلك تدّعي أنها تدعم وتحرص على التطبيق الديموقراطي في كل دولة من دول العالم.

إسرائيل حذت وتحذو وستحذو حذو حليفتها الإمبريالية، دعمت الدكتاتوريين والطغاة في دول عديدة من العالم. تقوم بالمجازر والموبقات وترفض قرارات الأمم المتحدة، وتدّعي أنها ديموقراطية. واشنطن ودول العالم الحليفة لها يشيدون بــ(الديموقراطية) الإسرائيلية! العالم يكيل بمكيالين وهو يتبع سياسة منافقة ظالمة، قاسية، متطرفة، ضد العديد من الدول ومنها كوريا الشمالية.

انشر عبر