شريط الأخبار

هل ستحل استقالة فياض أزمة الحكومة والنظام السياسي الفلسطيني؟..بقلم: د . إبراهيم أبراش

01:19 - 15 تشرين أول / أبريل 2013

سبق أن كتبنا أكثر من مقال ودراسة حول إشكالية العلاقة بين حكومة فياض والسلطة وحركة فتح، منها ما كتبناه في جريدة القدس يوم 6-6-2008 بعد أربعة أشهر على استقالتي من حكومة الدكتور فياض، تحت عنوان "حركة فتح والحكومة والمشروع الوطني" أو ما كتبناه يوم 23-6-2009 تحت عنوان "علاقة حكومة فياض بحركة فتح وبالمشروع الوطني". وإذ نعود للكتابة حول الموضوع فلأن الخلافات وصلت إلى أوجها بتقديم الدكتور فياض استقالته وقبول الرئيس لها. كانت الخلافات في البداية عندما نظرت فتح لفياض كشخصية مفروضة على الرئيس أبو عمار، ومن المعلوم أن بداية فياض كانت وزيرا للمالية في عهد أبو عمار وجيء به تحت ذريعة وجود فساد مالي في السلطة وان الرئيس أبو عمار يوظف أموال السلطة لدعم أنشطة إرهابية حسب زعم واشنطن وإسرائيل. دخول فياض للانتخابات التشريعية على رأس قائمة مستقلة وفوز قائمته بمقعدين حوله من مجرد خبير مالي أو تقني إلى شخصية سياسية لها مشروع ورؤية، وبعد انقلاب حركة حماس في يوليو 2007 أسند الرئيس أبو مازن لفياض رئاسة حكومة طوارئ التي تحولت لحكومة تسيير أعمال في مواجهة حكومة حماس في قطاع غزة.

منذ أن تولى فياض رئاسة الحكومة وقيادات من فتح تشعر بعدم الرضا وتنتقده بشدة. وهو من جانبه لم يكن راضيا عن محاولات حركة فتح التدخل في عمل الحكومة بل وكان يتحدث عن ابتزاز بعض قيادات فتح ومنظمة التحرير للدكتور فياض ماليا. كان الرئيس يحاول تخفيف هذه الخلافات أو تجاوزها وكان أكثر ميلا لمناصرة الدكتور فياض على حساب معارضيه في حركة فتح بل وصل به الأمر لأن يقول في أوج الخلافات منتصف 2008 ودفاعا عن فياض بأن "الحكومة حكومتي" مما أسكت أصوات المعارضين، ولكن لحين من الزمن.

استقواء فياض بدعم الرئيس له ثم بالمعاملة الخاصة التي كان يحضا بها من الأميركيين والأوروبيين سواء من خلال الزيارات المتبادلة أو تصريحات القادة ومستقويا أيضا بتحكمه بالتمويل الذي يصل للسلطة والذي لم تتورع الجهات الأجنبية المانحة من التصريح بأنها لن تقدم المنح والمساعدات إلا من خلال الدكتور فياض، وهي أموال مكنته ليس فقط من الظهور بمظهر ولي أمر كل من يتلقى راتبا بل وأن "يشتري ذمم" الكثير من قادة الفصائل الفلسطينية بما فيها قيادات فتحاوية وكذلك قادة الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني بوسائل متعددة، وهؤلاء كانت لديهم القابلية لذلك، وهو ما كان يكمم أفواه هؤلاء ويدفعهم إلى الصمت على سياساته. كل ذلك دفعه لأن يلعب أدوارا سياسية تتجاوز دوره كرئيس حكومة تسيير أعمال وبات وكأنه الحاكم بأمره وسيد البلاد والعباد. في زمن لم تعد فيه الخطوط والألوان واضحة وفارقة بين السلوك الوطني وغير الوطني، بين مشروع سلام ومشروع استسلام، بين مقاومة في سبيل الله والوطن، ومقاومة في سبيل السلطة والجاه الخ، زمن كادت الخيانة بالفعل أن تصبح وجهة نظر، في هذا الزمن سيكون من الشطط في الحكم وتحميل الدكتور فياض وحده المسؤولية، أو تقديمه كبش فداء أخطاء وفشل الحكومة والسلطة في رام الله في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

لا شك أن فياض بات يلعب على الخطوط الحمر ويهدد أسس المشروع الوطني ويهدد مصالح القائمين عليه، ولكن الخلل ليس في فياض فقط بل أيضا في منظمة التحرير وخصوصا في حركة فتح التي تركت الساحة للدكتور فياض ليشكل الحكومات من المستقلين ومن بعض المنتسبين للفصائل ولحركة فتح نفسها، وفي ظني هذا موقف يعبر إما عن جبن سياسي أو انتهازية سياسية، جبن حركة فتح وفصائل منظمة التحرير في تحمل مسؤولية الحكومة والسلطة في زمن خطير ودقيق يحتاج لحكومة مواجهة مع الاحتلال لا حكومة ممالئة الاحتلال أو حكومة دفن الرأس بالرمال في مواجهة سياسات الاستيطان والتهويد، وانتهازية بان نَنسِب منظمة التحرير وخصوصا حركة فتح لنفسها القليل الذي يتحقق من انجازات حكومة فياض، وفي نفس الوقت تتهرب من مسؤولية الأخطاء والمصائب التي ألحقتها حكومة فياض بالمشروع الوطني الفلسطيني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

كان من الواضح خلال السنتين الأخيرتين أن الخلافات لم تعد فقط بين الدكتور فياض وبعض قيادات فتح بل أصبحت مع الرئيس، سواء بسبب الضغط الذي تمارسه حركة فتح على الرئيس أو بسبب توجس الرئيس من طموحات الدكتور فياض ومخاطر مشروعه السياسي وهو مشروع السلام الاقتصادي الذي يلتقي مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية للحل، أو بسبب الفيتو الذي تضعه حركة حماس على المصالحة ما دام فياض موجودا في الحكومة. كان قبول فياض استقالة وزير المالية نبيل قسيس بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث اعتبر الرئيس أن قبول الاستقالة تعديا على صلاحياته الدستورية كرئيس يعود له فقط الحق في قبول استقالة الوزراء، ثم جاء تدخل وزير الخارجية الأميركي كيري بشكل فج منافحا عن فياض وكأنه يريد أن يفرض فياض على الرئيس وعلى الشعب، هذا التدخل الأميركي سرع من قبول الرئيس لاستقالة الدكتور فياض.

قبول الرئيس أبو مازن استقالة فياض وتكليفه بتسيير الحكومة خلق حالة من الترقب والتوجس عند البعض وحالة من التفاؤل عند آخرين. وقبل الخوض بالتوقعات والتمنيات نشير إلى أن حكومة فياض وقبل أن تستقيل هي حكومة تسيير أعمال وبعد الاستقالة أصبح فياض رئيس حكومة تسيير أعمال لحكومة تسيير أعمال أصلا! إن كانت التوقعات أن يعين الرئيس أبو مازن رئيسا جديدا للوزراء فإن السؤال الكبير: هل أنه بمجرد تعيين رئيس وزراء جديد ستُحل مشكلة الحكومة والنظام السياسي الفلسطيني؟ نعتقد أن غياب فياض عن الحكومة سيحدث تغييرا ولا شك ولكن يجب التأكيد أن المشكلة ليست في الأشخاص بل في الاستراتيجيات والرؤية، ونرجو ان تفتح استقالة فياض الباب أمام مراجعة إستراتيجية لفلسفة وجود حكومة فلسطينية ولأهداف الحكومة.

إن قرر الرئيس تعيين رئيس وزراء جديد ووزراء جُدد، فنتمنى على الرئيس أن يشكل حكومة وحدة وطنية وليس حكومة تكنوقراط، وإن رفضت حركة حماس المشاركة فنتمنى أن تشكل الحكومة من حركة فتح وفصائل منظمة التحرير ليتحملوا مسؤولية فعلية في قيادة المرحلة، كما نتمنى أن لا يشكل الرئيس حكومة سلطة حكم ذاتي مقيد باتفاقية أوسلو بل يشكل حكومة الدولة الفلسطينية فلا يجوز أن يمر قرار الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو دون أن يترك أثرا في الحياة السياسية الفلسطينية، ونتمنى ان تكون حكومة كل الشعب الفلسطيني، فالرئيس رئيس كل الشعب الفلسطيني وقطاع غزة جزء أصيل من الشعب والمليون مواطن الذين خرجوا يوم 4 يناير الماضي في ذكرى إحياء انطلاقة الثورة يُفترض أنهم بلغوا الرسالة وحسموا أمر ولاءهم الوطني.

وأخيرا نتمنى أن تساعد قبول استقالة فياض على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اتفاق الدوحة فيتم تشكيل حكومة بتزامن مع الاتفاق على إجراء الانتخابات، وإن كنت اعتقد صعوبة تحقيق هذه الأمنية.

 

انشر عبر