شريط الأخبار

34 عاما على كامب ديفيد: تحديات إسرائيل الجديدة ..د. طارق فهمي

12:59 - 13 حزيران / أبريل 2013

يقوم التصور الإسرائيل لمفهوم الأمن الإقليمي على التفوق العسكري والتحكم في منطقة الشرق الأوسط ، وتتمثل أهداف إسرائيل في إيجاد آلية لتعزيز الأمن في كافة الاتجاهات بما فيها ضبط التسلح. ووفقا لهذه الآلية، فإن كل دولة في المنطقة يتعين عليها أن تحدد تهديدات أمنها القومي، التي تتطلب استجابة من آلية الأمن الإقليمي التي يمكن تصورها من خلال الاستعانة بمبادرة "الشرق الأوسط الموسع/الكبير"، تأثير الناتو في الشرق الأوسط".(1)

ومن ثم فإن إسرائيل ، تجد في الوضع الإقليمي الراهن فرصة لأن تكون قوة إقليمية مؤثرة في مجالات عديدة من بينها المجال الأمني ، وفي هذا الإطار تربط إسرائيل بين أمنها القومي وأمن الشرق الأوسط ، بل أمن القوى العالمية التي يتشابك أمنها مع الشرق الأوسط . إسرائيل بهذا السلوك إنما تنشئ لنفسها إقليما أمنيا يتحدد بمدركات أمن إسرائيل من قيم ومصالح ومصادر تهديد وآليات تعامل مع هذه المصادر، إذ تصير قيم الليبرالية الديمقراطية والرأسمالية والحرية الفردية داخل المجتمع المتعدد الأعراق والأديان ، قيما مشتركة بين إسرائيل ودول الشرق الأوسط والعالم ، كما تصبح مصادر تهديد الأمن القومي الإسرائيلي هي تلك المصادر التي تهدد امن وقيم ومصالح دول الشرق الأوسط وإسرائيل والعالم.(2)

وبالنظر إلى طبيعة الشرق الأوسط ، فإن إسرائيل تواجه تحديات متعددة ، فغالبية دول المنطقة ترفض الوجود الإسرائيلي، و بعض هذه الدول لديها أنظمة تسلح غير تقليدية تتمثل في امتلاك أسلحة بيولوجية وكيميائية وصواريخ طويلة المدى تستطيع أن تصل إلى العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، بالإضافة إلى سعيها لامتلاك برامج نووية ،هذا بالإضافة إلى الإرهاب وطبيعة التنظيمات الإرهابية المنتشرة عبر شبكات معقدة في تمويلها وحركتها ، ويعد الإرهاب العالمي تهديدا لإسرائيل ولليهود حول العالم ، حيث إن الإرهاب الذي تواجهه إسرائيل يأتي من الأصولية الإسلامية ، التي تهاجم كل ما هو غربي ، ونظرا لأن إسرائيل جزء من المجتمع الغربي . فإن التحديات ليست على المستوى العسكري فقط ، بل على المستوى المجتمعي ، فالأمر يتعلق بقدرة المجتمع على الصمود في مواجهة التهديدات.(3)

ووفقا للإدراك الإسرائيلي لتلك التحديات ، فإنه يجب فصل بعض الإشكاليات التي قد تتداخل بين تحديات إسرائيل وتحديات الشرق الأوسط ، حيث قد يشكل اعتبار تلك الإشكاليات تحديات مشتركة للطرفين عائقا أمام تشكل نظام امني إقليمي قائم على تهديدات مشتركة لإسرائيل وللشرق الأوسط ، تكون أطرافة احد مصادر تلك التهديدات، ومن ثم فان اسرائيل ترى ان تلك الاطراف يجب الا تكون تهديدا مشتركا بينها وبين الشرق الاوسط . وتتمثل تلك الإشكاليات في التوازن الاستراتيجي بين إسرائيل ومصر،حيث يشكل استمرار مصر في تطوير وتحديث قدراتها العسكرية تهديدا لإسرائيل ، ويمكن إخراجه من قائمة تهديدات الشرق الأوسط من خلال عملية ضبط التسلح وإجراءات بناء الثقة ، والإشكالية الثانية هي القضية الفلسطينية نظرا لتداخلها مع الإرهاب ، حيث ساعد وضع قطاع غزة تحت سيطرة حركة حماس على تعزيز ضرورة الفصل بين الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني و الإرهاب ،كذلك فان السياسة المصرية تجاه النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني تؤكد على استمرار إسرائيل كعدو ، حيث تتغاضى مصر عن تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة في مقابل الكشف عن بعض الأنفاق ، وتعتقد مصر في هذا الشأن أن استمرار الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين سيؤدي إلى انهاك قوة إسرائيل.

مراجعة معاهدة السلام

حددت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل آليات تعديلها بناء على نص المادة (4) من المعاهدة؛ باعتبارها معاهدة شارعة تقر حقوقًا وواجبات على كل طرف, وقد وقَّع الجانب الأمريكي من خلال الرئيس الأمريكي وقتها "جيمي كارتر" كشاهدٍ على المعاهدة، وسرت المعاهدة فور التصديق عليها لتكون ملزمة لكل طرف عام 1979م حتى الآن.

وبرغم كل هذه السنوات الطويلة من عُمْر المعاهدة الثنائية بين مصر وإسرائيل إلَّا أنَّها لم تتعرض لتغيير بنودها أو نصوصها، سواء من جانب الطرفين أو طرف.

وظلت مصر وإسرائيل حريصتين على استمرار المعاهدة بنصوصها، ولم تطلب تغيير أيٍّ من بنودها برغم أنَّ الجانب المصري- وطوال حقبة التسعينيات وما تلاها- ظَلَّ يطالب بإعادة النظر في المعاهدة ونصوصها على أساس أنَّها تمس السيادة المصرية وأمنها, وأحدثت فراغا إستراتيجيًّا، ومسَّت الأمن القومي المصري، وجعلت سيادة مصر على حدودها منقوصة؛ مما يتطلب بعد سنوات طويلة إعادة النظر في بعض بنودها.

الملاحَظ أنَّ المطالِبين من الجانب المصري لم يطلبوا إلغاء المعاهدة أو تجميدها، وإنَّما تصويب مسارها, وظلت قوى من المعارضة المصرية- وخاصة اليسارية- تطالب بهذا دون أنْ تنصت الحكومة المصرية ولا قياداتها لهذا الطلب؛ على أساس أنَّ الوقت لم يحن بعد، وأنَّ الأمر لا يتطلب فتح أبواب التفاوض في ظل الخلل الأمني والإستراتيجي لصالح إسرائيل، وهو ما بدا من زيادة وتنامي القرارات الإسرائيلية بصورة بارزة مقابل استمرار الوضع الإستراتيجي المصري على ما هو عليه، على الرغم من زيادة القدرات المصرية، وإجراء المناورات الدورية، وحضور الولايات المتحدة المكثف في برامج التسليح والتدريب، وإبرام الصفقات.(4)

وقد ظل هذا الوضع حتى قامت ثورة 25 يناير لنكتشف حجم المأساة التي تعيشها مصر في سيناء؛ حيث باتت تنظيمات الإسلام السياسي وكثير من المنظمات الإرهابية عديدة التوجه والتصنيف- تستغرق أجواء سيناء؛ حيث غابت الدولة، وضاعت السيادة، وأصبحت سيناء مرتعًا لتنظيمات عدة، وبات السؤال: كيف يمكن ضبط الأمن وفرض الهيبة؟

وعندما قامت الحكومة المصرية باستئذان إسرائيل في دخول 800 جندي مصري عقب الثورة- وافقت لتبعات الموقف وخطورته على إسرائيل وليس فقط الاستجابة للمطلب المصري.

وتَتَالَى الأمر في حملة أخرى استمرت أسابيع حتى وقعت أحداث رفح ؛ لتُدخِل مصر قواتها ومعداتها بصورة واضحة في عمليةٍ طالت امنيا واستراتيجيا، ودون أنْ يلوح في الأفق إطارٌ زمني للعمليات العسكرية، ما دفع اسرائيل للمطالبة بإخراج القوات المصرية وسحب السلاح الثقيل منعًا لاستمراره وتواجده.

وبصرف النظر عن القبول والرفض للواقع الراهن فإنَّ ثَمَّة حقائق باتت تفرض نفسها:

- أنَّ الطرفين- المصري والإسرائيلي- في حاجة لمراجعة نصوص المعاهدة مع التركيز على نص المعاهدة الأمني "بروتوكول الأمن المشترك" بالأساس، والواقع أنَّ إسرائيل ترفض المساس أصلًا بالنص الأصلي، ويمكن أنْ تقبل بروتوكولًا إضافيًّا، وهذا واضح من ردود فعل رسمية في هيئة الأركان ومجلس الأمن القومي المصغر، ولديهم في ذلك سابقة اتفاق "ممر صلاح الدين" الموقَّع بين البلدين عام 2005م عقب انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من غزة.

- أنَّ المعاهدة لم تعد تكفي في إطارها العام لترسم المناطق الحدودية، وخاصة المنطقة "ج"، أمَّا المنطقة "د" فهي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية ويوجد فيها 4 آلاف جندي إسرائيلي بسلاح وعتاد إستراتيجي متكامل.

وبالتالي فإنَّ أي اتفاق جديد سيركِّز بالأساس على المنطقة "ج" وسلاحها، مع القبول بوضعها إستراتيجيًّا- يقر سيادة مصر، وليس مجرد قوات شكلية غير مسلحة وغير جاهزة للسيطرة على الأوضاع، خاصة مع احتمالات امتداد العمليات لأطول مدة ممكنة بالنسبة لمصر .

أنَّ المطالبات الإسرائيلية المطروحة بحسم الفراغ الأمني من سيناء قد تدفع إسرائيل لاحقًا للمطالبة بعدة متطلبات أمنية وإستراتيجية مثل:

أ- وضع قوات دولية جديدة مختلفة المهام والمسئوليات في سيناء بديلًا عن القوات الراهنة.

ب- المحافظة على المعاهدة الأم بين مصر وإسرائيل، وإضافة نصوص بروتوكول جديد يحدد ملامح التغير من قبل الطرفين.

ج- دخول الولايات المتحدة وربَّما دول أوربية على خط التفاوض؛ لإقرار شكل البروتوكول الجديد مع إقرارٍ بضمانات أمنية كاملة.

د- تحديد مهام المناطق الحدودية (أ ب ج) في الزيادة المباشرة لعدد القوات وسلاحها، وهو الآن الذي يميز بين النص الأصلي والنصوص المقترحة وسلاحها الأصلي وعتادها؛ أي أنَّ هناك اتجاهات إسرائيلية للمفاوضات الأمنية والإستراتيجية تجاه مصر، ولن يكون الأمر بدون مقابل، خاصة أنَّ المنظومة الأمنية الإسرائيلية بأكملها سوف تتغير، وقد بدأت إسرائيل ذلك منذ أشهر وعقب الثورة المصرية بعدة أسابيع، ومازالت نظرية الأمن القومي الجديدة لإسرائيل في طور التشكل والتكوين، مع التركيز على التسليح طويل المدى، وتأمين الحدود المصرية الإسرائيلية.

ولهذا فإنَّ إعلان إسرائيل عن نشر منظومة "القبة الحديدية" للدفاع الجوي المصممة لاعتراض وتدمير الصورايخ عند مشارف مدنية "إيلات" جنوب إسرائيل بالقرب من الحدود المصرية- يُعدُّ خطوة في إجراءات طالت خط الحدود "سياج أمني مركب، كتائب للاحتياط، تشكيل العمق الإستراتيجي..."؛ مما يعني أنَّ إسرائيل لم تقف في انتظار تعديل نص المعاهدة أصلًا أو حتى إضافة بروتوكولها الأمني(5)

وفي كل الأحوال فإنَّ إسرائيل لن تتقبل التعامل مع سياسة الأمر الواقع التي قد تحاول مصر اتباعها أو المضي فيها بإدخال قوات ثقيلة مخالفة لـ"كامب ديفيد" فحسب بل إنَّه ستعمد إسرائيل لطرح أفكار عامة بشأن تعديل المعاهدة دون أنْ تضع رؤية موحَّدة، خاصة أنَّها مدركة مع مَنْ تتعامل, وفي ظل مخاوف من إقدام مصر على بناء شبكة تحالفات كبيرة ، مما يعني أنَّ إسرائيل قد تصبح في دائرة محيقة بالمخاطر والتحديات.

الهواجس الإسرائيلية

لم يعد بخاف أن إسرائيل تدفع بقوة إلى تغيير نمط قوات حفظ السلام فى سيناءلقوات ومهامها وسلاحها وعناصرها وآليات حركتها برغم أن الولايات المتحدة متابعة عن قرب فى هذا الملف وغير معلوم حتى الآن هل تريد إسرائيل التعامل مع منابع الخطر بصورة غير مباشرة أم عن طريق الحل السريع، فتأمين الحدود مع غزة ينفصل تماما عن تأمين الجولان وفتح ملف كامب ديفيد فى المنظور الإسرائيلى مؤجل لحين اتضاح رؤية النظام فى مصر وتحولاته السياسية وإن كان هذا لم يمنع فعليا إسرائيل من إعادة النظر فى مجمل المواقف الراهنة، فقد استدعت وحدات للكتائب وشكلت قوات للعمق الاستراتيجى وأعادت النظر فى نظرية الأمن القومى الإسرائيلى فى مناطق الخطر المباشر ووضعت سيناء فى بؤرة الاهتمام الأولى بالرعاية الاستراتيجية فى إشارة لإدراكها للخطر الراهن.

وقد حسم الموقف الإسرائيلى من إشكالية تصدير الغاز المصرى لإسرائيل، فما زالت إسرائيل تلوح بالبدائل والخيارات الأخرى سواء بإمكانية الحصول على الغاز من الأردن برغم حاجة الاردن له وهو ما دار مؤخرا في مفاوضات سرية بين الطرفين ونشرتها ذي ماركر في 24 مارس الماضي وحسم البديل الداخلى بعد بدء تشغيل حقل تمارا مؤخرا وقدأعلنت شركة نوبل إنرجي تعديلاً في تقديراتها لكميات الغاز الموجودة ضمن امتيازات التنقيب الممنوحة لها ولشركائها في المياه الاقتصادية الحصرية الإسرائيلية في البحر المتوسط. (6)وأشارت مصادر طاقة إسرائيلية إلى أن كميات الغاز المكتشفة حتى الآن، والتي تقترب من 950 مليار متر مكعب (BCM)، تسمح لاسرائيل بتصدير الغاز وفق توصيات لجنة تسيمح التي حددت احتياجات الطاقة الإسرائيلية للسنوات المقبلة، ووضعت قواعد التصدير من الحقول المكتشفة.

وقد ارتفع مخزون إسرائيل المقدر من الغاز إثر تعديل «نوبل إنرجي» لكميات الغاز في عدد من حقولها الغازية. فقد عدلت التقديرات لكمية الغاز في حقل لفيتان من 17 إلى 18 تريليون قدم مكعب (TCF) في أعقاب تحليل نتائج حفر التقدير في «لفيتان 4»، (7) كذلك أعلنت «نوبل إنرجي» عن تعديل كمية الغاز الموجود في حقل «كريش» الواقع شمالي «لفيتان»، وقالت إن المخزون يبلغ ثلاثة تريليونات قدم مكعب. ومن المقرر أن تنتقل منصة حفر التنقيب الأميركية العملاقة «ENSCO 5006» التابعة لشركة «فرايد» الأميركية، والتي نفذت الحفر في «لفيتان 4» إلى حقل «كريش». وأعلنت «نوبل إنرجي» أن الحفريات التي تمت في «لفيتان 4» بلغت عمقاً نهائياً هو 5179 متراً، . (8)

اضافة لذلك هناك تخوف إسرائيلى من افتقاد الدور التنسيقى على المستوى الأمنى والسياسى مع مصر والاكتفاء فقط بتفعيل ذلك لحظة المواجهات وهو ما جرى بالفعل فى حرب غزة الأخيرة، حيث تبدى إسرائيل تساؤلات حقيقية حول تعاملات مصر فى النطاق الثنائى أمنيا وسياسيا راصدة فى ذلك الرسائل المباشرة التى يبديها صناع الساسة الجدد فى مصر على حد قولهم وليس مجرد الدكتور محمد مرسى، فالقضية تتجاوز عدم نطقه اسم إسرائيل إذ أن الرهان المصرى باستمرار على نمط العلاقات على وضع لن يطول، ففى إسرائيل يتساءلون عمن يصنع السياسة المصرية الراهنة والمتوقعة تجاه إسرائيل، هل هى المخابرات أم الخارجية أم بعض المستشارين القليلين فى مؤسسة الرئاسة أم من بالضبط ؟

ومع اعتبار وزارة الدفاع الإسرائيلية الإرهاب فى سيناء الخطر الحقيقى على أمن إسرائيل فإن السؤال فى إسرائيل: هل يمكن القيام بعمليات استباقية لتحييد التهديدات والمخاطر الإرهابية على إسرائيل؟! خاصة مع نشر كتيبة كركال الإضافية وتفعيل نشاط وحدة ريمون لمكافحة التطرف والإرهاب المتوقع وإعادة وحدة المستعربين على الحدود بعد نقل مواقعها منذ سنوات.

كل هذا يطرح تساؤلا مهما فى إسرائيل: هل يمكن أن تبادر إسرائيل بتوجيه ضربات مكثفة ومن آن لآخر للتنظيمات الإرهابية الجهادية كما تراها؟ وما توقعها للرد المصرى وخاصة أن إسرائيل عمدت لنشر خطة «عوز» للتعامل مع مصر معتبرة مصر الدولة والجيش عدوا مقابلا كما خططت لنشر صواريخ «ساعر 5» فى البحر الأحمر لاستهداف قناة السويس، ويبقى السؤال الاستراتيجى هل تدرك إسرائيل أن أى خطوة غير محسوبة قد تقوض السلام.

لا أحد فى إسرائيل يريد أن يتوقف عند تراجع الصادرات الإسرائيلية للقاهرة وانخفاض الواردات المصرية لتل أبيب بنسبة لم تتجاوز 44 مليون دولار خاصة مع إدراكهم للأزمة الاقتصادية التى تشهدها مصر وتوقعهم بأن مصر على حافة الهاوية.

إن رهان إسرائيل حول ما إذا كان السلام لمصر سيبقى فى موقعه برغم كل المشكلات الراهنة والمتوقعة أم أن مصر التى يريدها التيار الإسلامى ستعيد التأكيد لدى أوساط الإسلاميين على مختلف تصنيفاتهم بأن إسرائيل دولة عدو وأنها لن تكون دولة سلام أو تسوية ويستوى فى ذلك رهانات بعض قادة الدولة بأن الإدارة المصرية المتعثرة والمرتبكة لن تغامر بالمواجهة مع إسرائيل إلا أنهم فى الوقت ذاته يراهنون على أن المواجهة قادمة لا محالة سواء فى سيناء ردًا على وجود التنظيمات الإرهابية أو فى قطاع غزة.

وهناك توقعات لايمكن استبعادها من أى تحليل استراتيجى فى أغلب الكتابات الاستراتيجية فى إسرائيل من أن الأمور فى مصر ستدفع للمصادمة والدخول فى مواجهة مع إسرائيل وما جرى مؤخرا فى حملات تمشيط سيناء ما يشير إلى هذا خاصة مع ردود فعل إسرائيل ومطالباتها بسحب القوات المصرية، وهو الأمر الذى يشير إلى احتمال تصعيد إسرائيل لمواجهاتها إلى دوائر أخرى (الأمم المتحدة - الولايات المتحدة) وأطراف أخرى وتتيح معاهدة السلام ذلك ولن تنتظر عقد اللقاءات الدورية فى بئر سبع أو العريش أو تحتكم إلى قوات متعددة الجنسيات لتنفيذ مهامها، ولهذا تنصت إسرائيل جيدا إلى خبراء ووزراء واستشاريين فى الشأن المصرى فى الكنيست ومجلس الأمن القومى والحكومة المصغرة والذين يؤكدون على أن إسرائيل يجب أن تستعد للحرب والمواجهة لأنه فى نهاية المطاف لن تستطيع إسرائيل التعامل مع نظام حكم إخوانى ذى خلفية إسلامية ومن ثم فعلى إسرائيل البدء فى تبنى استراتيجيات مواجهة تقوم بها الدولة العبرية منذ قيام ثورة يناير 2011 فى مصر من إجراء مناورات وتدريبات دورية وزيادة موازنة الجيش وتشكيل وحدات للعمق ونصب بطاريات صواريخ فى الجنوب واستدعاء لكتائب احتياطى وغيرها من الإجراءات الأمنية المكثفة، وكذلك فإن إسرائيل باتت مطالبة ببناء نظرية أمن قومى جديدة، حيث لم يعد هناك وجود لنظرية الأمن القديمة التى تأسست عقب معاهدة السلام مع مصر ونظرت لمصر على أنها دولة جوار إقليمى تربطهما معاهدة رسمية، ولكن الآن تغيرت الأوضاع وباتت مصر جبهة معادية تمثل خطرا على أمن إسرائيل وكيانها ووجودها ومصر ليست غزة ومصر ليست حزب الله وليست كذلك سوريا ومن ثم فإن التعامل معها يتطلب آليات جديدة ورؤى استراتيجية ومنها تحول مصر إلى إيران والسعودية وبنائها لتحالفات استراتيجية مع تركيا - إيران - بلدان الخليج، الأمر الذى يجعل إسرائيل فى مأزق تاريخى حقيقى ظلت سنوات طويلة تخشاه وترصده وتضع له السيناريوهات تباعا.

تطويق الحركة المصرية

لم يكن غريبا أن يطالب استراتيجيون فى إسرائيل بضرورة تقييد الحركة المصرية انطلاقا من معاهدة السلام ذاتها وفى سيناء تحديدا حيث المطالبة بضرورة سيطرة مصر على الأوضاع الأمنية فى سيناء ولن تدرك أن حجم القوات وعتادها والتزام مصر لن تستطيع القيام بذلك وأنه بدون زيادة قدرات مصر لن تنجح فى مواجهة مد التنظيمات الإرهابية الموجودة وبرغم ذلك فإن إسرائيل تتذرع بأنها ليست مطالبة بضبط النفس لأن البديل سوف يؤدى إلى دخول إسرائيل إلى عمق الأراضى المصرية، بل احتلال مساحات من سيناء وإقامة مناطق عازلة مع إدراك إسرائيل بأن التدخل العسكرى فى سيناء سيؤدى فعليا إلى آثار عدة لن تقتصر على مصر وإسرائيل فحسب، بل ستشمل دول الجوار الإقليمى إذ إن قرارا إسرائيليا بالدخول فى عمق سيناء أو احتلال مساحات منها سيدفع الإخوان إلى تحريك عناصرهم فى غزة (حماس) والأردن، بل سوريا وسينضم لها حزب الله بالضرورة لتكون إسرائيل فى حالة حرب مفتوحة على الجبهات المختلفة لهذا كانت وزارة الدفاع محقة عنــدمـا طلبـت 15 مـليـار شــيكل لمواجهة الخطر من الحدود الجنوبية.

ولهذا أيضا يجب الإنصات جيدا لأفكار عسكريين مؤثرين فى صنع القرار فى إسرائيل يطالبون بتقييد حركة الرئيس محمد مرسى وتطويق دبلوماسيته والسعى لعزل مصر ورفض أى حركة دولية مصرية والرفض التام لقبول الإخوان والرئيس كلاعبين ديمقراطيين شرعيين فى المنطقة على غرار ما فعلوه بعد وصول حماس للسلطة.

إنه السيناريو القابل للتطبيق مع تعليق الموقف الإسرائيلى المعلن بأن «مصر اختارت الإسلام» والتركيز الواضح على البعد الدينى والنظرة الدينية للإخوان ودعمهم للمقاومة. وعلى الرغم من أن بعض وزراء حكومة نتانياهو وبعض نواب الائتلاف الحاكم يرون أن جدول أعمال الرئيس المصرى والإخوان سيضع المطالب الاقتصادية على رأس الأولويات مقارنة بالقضايا الأخرى، وفى ظل تعقد الأجندة الرئيسية المصرية وتشابك ملفاتها وعلى أساس أن قضية السلام مع إسرائيل تأتى فى مرحلة لاحقة إلا أن هذا التصور محدود ويعمل فى نطاق للمدى القصير وفى أغلب الأحوال فإن إسرائيل تدرك أن المسألة ليست أولويات فحسب، بل هى قضايا ذات طابع للأمن القومى المصرى تتجاوز الحفاظ على معاهدة السلام أو ترك إدارة العلاقات مع إسرائيل لمؤسسات أخرى أو النظر إلى مجمل العلاقات على أنها مستمرة مادام الطرف الأمريكى حاضرا بمساعداته، إذ إن المساعدات هى جزء من اتفاق السلام ومن ثم سيكون القرار المصرى أيا كان مضمونه سيكون مرتبطا بمصالح خارجية أمريكية وأوروبية بالأصل، وهذه الدول يهمها ضمان سلامة إسرائيل، لذا على مصر إيجاد البديل لكى تكون خارج دائرة السيطرة الأمريكية الإسرائيلية هكذا تقدر إسرائيل الموقف.

قامت اسرائيل بالعديد من الخطوات علي الارض لتأمين ذاتها:

- إعادة تشكيل وحدات للعمق الاستراتيجى واستدعاءات متتالية لكتائب الاحتياط.

- نصب بطاريات من مشروع «القبة الحديدية» على طول الحدود المصرية -الإسرائيلية.

- إدخال سيناء ضمن منظومة التهديدات الاستراتيجية لإسرائيل وفقا لتصريحات رئيس هيئة الأركان «بينى جانتز»، واعتبار وزير الدفاع الإسرائيلى «إيهود باراك» أن «الإرهاب فى سيناء الخطر الحقيقى على أمن إسرائيل»، وهو ما انعكس فى تسريبات إسرائيلية لدراسة عن القيام بعمليات عسكرية استباقية لتحييد التهديدات الإرهابية فى سيناء، وتأكيدات الجنرال «تسفى فوجل» نشر كتيبة «كراكال» الإضافية على الحدود مع مصر.

- رفعت إسرائيل مستوى التأهب على الحدود الجنوبية، والدفع بمزيد من الوسائل القتالية الحديثة، بالإضافة إلى المعدات الاستخباراتية، والمطالبة بزيادة فى الميزانية، تحسبا لأى خطر قد يواجه إسرائيل من مصر.

- الاستعداد الاستراتيجى المكثف من خلال إجراء مناورات تحول الدورية.

- استكمال بناء مدينة المتسللين بالقرب من الحدود المصرية.

- السعى لاستمرار التعامل الأمنى المشترك «لقاءات دورية فى بئر سبع» - العريش بناء على نص معاهدة السلام.

- استكمال تطوير ونشر أنظمة التحكم الرادارى الرقمى الأرضى المسمى بـ«المنارة 600»، والذى يستطيع مسح مساحة كبيرة من الأرض، ونصبه على الحدود المصرية، ليكشف كل التحركات فى سيناء.

- إقامة منظومة تجسس تكنولوجية حديثة فى المنطقة الواقعة بين مدينة بئر السبع وبين قرى اللقية وأم بطين القريبة من الحدود المصرية، وتستهدف تجميع المعلومات الاستخباراتية عن التطورات فى سيناء.

- نشر كتيبة الصواريخ «الرمح السحرى».إنشاء فيلق مدفعية أرضية تكون قادرة على إطلاق صواريخ على بعد 40 كم داخل سيناء.

- قام الجيش الإسرائيلى بنشر كتيبة جديدة فى مدينة إيلات على ساحل البحر الأحمر مقابل شبه جزيرة سيناء التى شهدت فى الفترة الأخيرة حالة من الانفلات الأمنى. وتم تأسيس هذه الكتيبة الإقليمية رسميا الأربعاء لتعزيز الأمن حول إيلات، وسوف تساعد كتائب «ساغوى وعربة» وستشكل معها وحدة أطلق عليها اسم «أدوم» تعمل على طول الحدود مع مصر وقال قائد المنطقة العسكرية الجنوبية نعيش فى زمن التغييرات والاضطرابات، التهديد القادم من سيناء أصبح كبير.

وتبنت إسرائيل إجراءات دفاعية جديدة على طول طرفها الحدودي، أهمها هي عملية "الساعة الرملية" التي تتضمن بناءاً متسارعاً لسياج مزدوج يبلغ طوله 240 كم وارتفاعه 5.5 متر ويمتد 1.5 متراً تحت الأرض ليكون بمثابة حاجز مادي بين البلدين. .(9)

مقترحات إسرائيلية

انتشار الجيش المصري على طول الحدود

أدركت إسرائيل بالفعل الحاجة إلى أعداد أكبر من الوحدات العسكرية المصرية في شبه الجزيرة. ولسد هذه الحاجة يمكن السماح للمزيد من وحدات الجيش بالدخول إلى المنطقتين ("ب") و ("ج")عبر "آلية الأنشطة المتفق عليها" وهذا الترتيب غير المنشور وغير المعلن عنه يمكِّن الطرفين من تفادي حظر معاهدة السلام ضد وضع وحدات جيش مصرية شرق المنطقة ("أ").

وانطلاقاً من هذه النقطة ينبغي لإسرائيل أن تسمح لمصر بنشر قوة عسكرية يبلغ قوامها ما يقرب من نصف حجم فرقة مشاة (ما يصل إلى ثماني كتائب) في العديد من المناطق الرئيسية: على طول الطريق الساحلي والمراكز السكنية المجاورة في شمال سيناء وعلى طول الحدود بين غزة وسيناء وخاصة رفح وعلى طول الطريق السريع الذي تموله الولايات المتحدة والذي يسير محاذياً للحدود مع إسرائيل وفي مناطق من وسط سيناء مثل النخل. وينبغي أن تكون الأولوية القصوى هي إحباط الهجمات الإرهابية المذهلة مثل إطلاق صواريخ مضادة للطائرات على طائرات مدنية إسرائيلية حول مطارات إيلات وعوفدا أو إطلاق صواريخ مضادة للدبابات ضد سفن تبحر من وإلى ميناء إيلات. وثمة حاجة إلى وجود عسكري مصري أيضاً بالقرب من مضايق تيران الضيقة التي تعتبر بوابة إلى خليج العقبة الواقعة إلى الجنوب من شرم الشيخ.

التنسيق الاستراتيجي بين مصر واسرائيل

ينبغي الاهتمام بالتعاون الاستخباراتي على طول الحدود بين غزة وسيناء نظراً لتهريب الأسلحة الواسع النطاق - بينها صواريخ ثقيلة - في كلا الاتجاهين. وعلى الرغم من أن مصر قد تعاملت باستراتيجية مصلحية عما يجري على طول حدودها مع القطاع إلا أنها بالتأكيد لا تريد أن ترى حماس أو غيرها من المنظمات الفلسطينية تضع المزيد من التأزم في سيناء وتواصل تحويلها إلى مواقع لورش ومستودعات السلاح.

الدعم الأمريكي

فيما يتعلق بجهود وقف تدفق الأسلحة - خاصة من ليبيا وإيران وسوريا والسودان - يمكن للولايات المتحدة ممارسة نفوذها، الذي ما يزال كبيراً، في القاهرة للتشجيع على المزيد من الرقابة الصارمة على نقل البضائع عبر قناة السويس. ويمكن بشكل فعال مراقبة العدد المحدود لنقاط المرور - سواء أكان نفقاً أم جسراً أم معبراً - كما أن توفير التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة من شأنه أن يساعد مصر على تنفيذ مراقبة أفضل على الشحنات التي تشق طريقها نحو سيناء. وحيث إن معظم حالات نقل الأسلحة تمر عبر مصر في طريقها إلى سيناء فينبغي أن ينظر إلى قناة السويس على أنها خط الدفاع الحاسم ضد تحول سيناء إلى ملاذ للإرهابيين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- Patrick Morgan.. Security in International Politics: Traditional Approaches. at Alan Collins. Contemporary

2-Security Studies. Oxford Jeffry Azarva.. From Cold Peace to Cold War? The Significance of Egypt's Military Buildup. the Middle East Review of International Affairs (MERIA) (March).

3-tuart A. Cohen. An Exchange on Israel's Security Doctrine. the Middle East Review of International Affairs (MERIA) Journal. Vol. 5. No. 3. September. Israel.

4- Efraim Inbar.. Israel Strategy. the Middle East Review of International Affairs (MERIA) Journal. Vol 2. No4. November

5 -an Haloutz,. 21st Century Threats Facing Israel . http://www.jcpa.org/ .

-Also uval Steinitz. The Growing Threat to Israel's Qualitative Military Edge. http://www.jcpa.org/. Israel

6-سايمون هندرسون وديفيد شينكر، الاردن في مجال الطاقة، مارس 2013 ، معهد واشنطن

7 -د. طارق فهمي، اسرائيل وحرب الغاز القادمة ، روز اليوسف 8 ديسمبر 2012

8- موقع تمار الذي اكتشف خلال2009 علي بعد90 كيلو مترا من ميناء حيفا, تتولي استثماره شركة البترول الأمريكية العملاقة نوبل حيث تمتلك36% من الحقوق بالاشتراك مع ثلاث شركات إسرائيلية هي ديليك واسرامكو ودور آلون. وحقل تمار يحتوي علي احتياطيات تصل إلي280 مليار متر مكعب من الغاز مما يكفي لتلبية احتياجات إسرائيل لعشرات السنوات. وذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن اكتشافات الدولة العبرية من الغاز تكفيها لنحو150 عاما.

ودفع اكتشاف حقل تمار إلي موجة من عمليات التنقيب في حوض المشرق- الذي تتقاسمه إسرائيل وقبرص ولبنان- والإعلان عن اكتشاف حقلي داليت وليفياثان وتلاها قيام تل أبيب بإنشاء صندوق لإدارة ثروة الغاز الطبيعي.

وكانت اسرائيل تستورد43% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من مصر حتي عام2011, مذكرة تفاهم ، وزارة البنية الاساسية، nrty.vmyu.ngp

9- تعد خطة عوز جزء من خطة عمل الجيش الاسرائيلي للسنوات 2012- 2016 وتحدد الخطة الصعوبات التي تواجه هيئة الاركان العامة وفرع التخطيط (أغات) في الجيش الاسرائيلي اللذين يواجهان عدة صعوبات استراتيجية في التعامل الاستراتيجي مع الدول العربية المجاورة وهي صعوبة افتراض ما سيحدث خلال الاعوام الخمسة المقبلة من تهديدات دول الجوار وعلي رأسها مصر، وقلة الموازنة العسكرية ،ولهذا تم رصد 250 بليون شيكل تحت تصرف معدي الخطة والمشاركين في تنفيذها أي اكثر من 50 بليون شيكل في العام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة الدراسات الاسرائيلية في المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط.

انشر عبر