شريط الأخبار

الهلال الصاعد... معاريف

11:38 - 12 كانون أول / أبريل 2013


بقلم: أساف جبور

(المضمون: ليس صدفة أن بدأ كيري جولته في المنطقة في تركيا بالذات – الدولة التي تحولت من رجل اوروبا المريض الى مفترق جغرافي سياسي أول في أهميته، بنجاح اقتصادي كبير ولاعب اساس محتمل في المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية وفي محادثات الغرب مع ايران - المصدر).

بينما تعاني الدول العربية، بما فيها تلك التي كانت تعتبر قوى عظمى اقليمية، من نزيف داخلي وتفكك متسارع، فان تركيا تشق طريقا آمنا نحو مركز الساحة وتغازلها الولايات المتحدة، اوروبا واسرائيل. في العام 2002 انتخب رجب طيب اردوغان لاول مرة في منصب رئيس  الحكومة التركية. وانتصر حسب العدالة والتنمية الاسلامي في الانتخابات وشرع في حملة لانقاذ الدولة من الازمة الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية التي كانت تعيشها.

اردوغان هو شخص لا يخاف التعبير عن مواقفه، صرح بان في نيته ان يقود تركيا الى موقع الوسيط الرئيس في نزاعات الشرق الاوسط. وعلى مسافة غير بعيدة من هناك، في قصر الاتحادية في القاهرة، كان يجلس الرئيس المصري حسني مبارك ووجد صعوبة في حبس ابتسامته. الرجل الذي قاد مصر الكبرى والمستقرة، والتي كانت المحور المركزي لكل ما يجري في الشرق الاوسط، خطط لاستمرار حكمه وأعد وريثه جمال. بعد عشر سنوات من ذلك ترك هجر الامريكيون مبارك ودخل الى السجن، بينما اردوغان، بعد أن ثبت السياسة التركية المترنحة، يواصل حكم الدولة بيد عليا ويرى حلمه يتجسد.

"لتركيا تأثير خاص على الفلسطينيين. فهي قادرة على تشجيع الفلسطينيين من كل الفصائل على قبول شروط الرباعية من أجل التقدم الى الامام"، كتبت الناطقة بلسان الخارجية الامريكية، فيكتوريا نولند، فور خروج وزير الخارجية الامريكي لزيارة المنطقة. وجاء هذا البيان استمرارا لسلسلة طويلة من الجهود الدبلوماسية من جانب الادارة في واشنطن بهدف احلال مصالحة اسرائيلية – تركية وتجنيد تركيا في معركة استئناف المفاوضات. وفي اطار تلك الجهود استجاب اردوغان لطلب كيري تأجيل زيارته المخطط لها الى غزة، الزيارة التي كانت كفيلة بان تؤدي الى أزمة اخرى في خطى التقارب المتردد بين أنقرة والقدس.

يعرف الامريكيون بان رؤيا "الدولتين" لاوباما توجد في خطر ملموس حين يكون قطاع غزة تحت سيطرة منظمة حماس وفرص المصالحة بين ابو مازن وهنية اصبحت ضعيفة أكثر. ومن تصريح الناطق بلسان الخارجية الامريكية يمكن ان نفهم بانهم في واشنطن يؤمنون بان تركيا من حقها أن تدير لعبة مزدوجة بسبب علاقاتها الوثيقة مع حماس حيث انها في اطار العودة الى طاولة المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية يمكن  لانقرة أن تسوغ المنظمة في حالة قبولها شروط الرباعية.

النظر الى حماس كمنظمة ارهابية ضعف في الفترة الاخيرة. فالعديد من السياسيين في اوروبا يرون في اتفاق التهدئة بين حماس واسرائيل، وفي انتخاب خالد مشعل الذي يعتبر متصدرا للتيار البرغماتي في المنظمة، دليلا على ان وجهة المنظمة هي نحو الاعتدال. والخطوة الاخيرة التي على حماس ان تنفذها كي تكمل عملية التسويغ الدولي هي قبول شروط الرباعية من قبل المنظمة، بما فيها ايضا الاعترف بوجود دولة اسرائيل.

رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، يرى في تركيا وفي أردوغان نموذجا للاقتداء. فقمة القيادة التركية دينية، وبعد عشرات السنين التي كانت مبعدة فيها عن مراكز الحكم والمناصب العامة، نجح حزب العدالة والحرية الاسلامي في شق طريقه ديمقراطيا وتثبيت الحكم. ويحاول اردوغان، من جهة، تثبيت صورته كمسلم علماني، ولكن من جهة اخرى أن يطرح موقفا بموجبه منظمة حماس يرفضها العالم لكونها حركة دينية، وليس بسبب انتمائها ودعمها للارهاب. حقيقة أنه على مدى السنوات الخمسة الاخيرة دارت مواجهات عسكرية بين قطاع غزة واسرائيل تضع حماس في مكان الشرف في نظر الاتراك الذين تماما مثل حماس يرون في ابو مازن دمية للامريكيين.

في حماس يرون كيف أن تركيا نجحت في أن تفرض على اسرائيل الاعتذار على احداث مرمرة، وبعدها رفضت القيام بدورها في الصفقة، في شكل الغاء لوائح الاتهام ضد قادة الجيش الاسرائيلي. كما أن تركيا تستثمر اموالا كثيرة في غزة من خلال المشاريع التي تمولها. هذه الحقائق، اضافة الى المحادثات في موضوع حجم التعويضات لعائلات القتلى في الاسطول، نجحت في ان تعزز، حتى قبل  البيان بتأجيل زيارة اردوغان، العلاقات مع المنظمة – التي مثل حزب العدالة والتنمية بقيادة اردوغان، ينتمي هو الاخر الى التيار الاسلامي الصاعد في الشرق الاوسط بعد سقوط الحكام العرب: تيار السنة.

نافذة لطهران

وتوثر الحرب في سوريا وتفكك نظام بشار الاسد على الجار الشمالي، تركيا. فنار صواريخ السكاد نحو الحدود السورية – التركية التي اطلقها النظام في دمشق ادت الى التقارب بين تركيا والولايات المتحدة. ونصبت الاخيرة، بموافقة اوروبية بطاريات باتريوت في الاراضي التركية الجنوبية، واضافة الى ذلك فان جنودا امريكيين هم الذين يشغلون البطاريات.

في البداية اتهمت دمشق تركيا في أنها تعطي ملجأ لنشطاء القاعدة ولمحافل اسلامية متطرفة اخرى ينضمون الى الثوار ضد النظام ويشقون طريقهم عبر الحدود التي تتجاهل تركيا تسيبها. وردا على ذلك حاول بشار الاسد تحريض الاقلية الكردية في سوريا ضد الاتراك مستغلا الصراع الذي يخوضه حزب العمال الكردي قد الحكم التركي منذ الثمانينيات وحقيقة أن زعيم الاكراد عبدالله اوجلان يوجد في السجن التركي.

في البداية نجحت مناورة الاسد. وهاجم مقاتلون أكراد اهدافا داخل تركيا وقاتلوا الى جانب الرئيس السوري. ولكن كلما مالت المعركة نحو الثوار وفقد الاسد سيطرته، ترك الاكراد المعركة وهم يفهمون بانه يحتمل بالذات ان تشكل سوريا المتفككة حلا للارض التي يريدونها بصفة دولة مستقلة.

نقطة الذروة في تغيير العلاقات شكلها اعلان اوجلان بانه سيكون مستعدا لانهاء الكفاح المسلح ضد الحكومة التركة. وجاء هذا الاعلان لاردوغان في الوقت المناسب بالضبط. وهو من جانبه اشار الى انه يرحب بالجهود للوصول الى سلام بين الاكراد والاتراك وحصد الثناء من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على التقدم في موضوع كان يعتبر دوما أحد العقبات الكأداء في وجه تركيا. وعقبت لجنة الخارجية في الاتحاد الاوروبي على عملية المصالحة مشيرة الى انه يجب الحفاظ على شبكة علاقات بنائة مع تركيا.

وبالمقابل، لا يزال الموضوع القبرصي قيد الخلاف منذ 1974. فتركيا لا تعترف بالجمهورية القبرصية وتدعي بان هذه أرضا تركية محتلة. كما أن موضوع المذبحة الارمنية يوجد على الطاولة، ولكن في رأس اهتمام الولايات المتحدة توجد دولة اخرى – هي ايران.

والتواصل الشيعي الذي يبدأ من ايران، يمر عبر العراق، ويصل حتى لبنان وسوريا العلوية، حليفة الشيعة، يتوقف في تركيا.

رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، ايهود اولمرت، الذي أدار محادثات قريبة مع اردوغان وكاد يعقد صفقة في شكل سلام مع السوريين، هو الذي اشعل الازمة بين اسرائيل وتركيا حين خرج الى حملة "رصاص مصبوب" في قطاع غزة بالتوازي مع تلك التفاهمات. اما اردوغان الذي شعر باهانة عميقة فقد سارع الى الاعلان بان اسرائيل ترتكب جرائم ضد الانسانية. وفي طهران استمعوا الى هذا وسارعوا الى دعوة رئيس الوزراء التركي لمحادثات جس نبض. ويضع التحسن في علاقات الدولة تركيا، في نظر الامريكيين، في دور الوسيط في الموضوع الايراني ايضا، بينما انتهت جولة اخرى من المحادثات بين طهران والغرب في كازخستان هذا الاسبوع بلا نتائج.

كل شيء يبدأ بالجيب

رحلة العذاب التي اجتازتها تركيا في محاولاتها العنيدة لدخول الاتحاد الاوروبي انتهت بخيبة أمل. فجملة الاصلاحات، المحادثات والرقص التركي على أنغام الموسيقى الاوروبية لم تؤثر على معارضة الدول المركزية في الاتحاد. ودخلت المحادثات في جمود عميق لسنتين ونصف السنة، فيما أن استئنافها في الاشهر الاخيرة يشكل خطوات تقارب هامة لاول مرة من جانب اوروبا نحو قبول تركيا في الاتحاد.

وهكذا فان العوائق الاساس في طريق تركيا الى الحضن الاوروبي آخذة في الذوبان. مثال على ذلك يمكن أن نراه في تغيير الحكم في فرنسا: الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، هو الذي قاد خطا عنيدا ضد ضم تركيا الى الاتحاد الاوروبي، وكان أحد المعارضين للخطوة؛ بالمقابل، فان الرئيس الحالي فرانسوا اولند يعتبر برغماتيا وأكثر تسامحا بكثير تجاه الاسلام بشكل عام وتركيا بشكل خاص.

فضلا عن المعارضة السياسية الداخلية والخارجية، تخوفت اوروبا من دخول حصان طروادة اقتصادي، في شكل دولة تعاني من الفقر وعدم الاستقرار، مثلما كانت تركيا قبل عقد. ولكن هذه الحجة بالذات تشكل اليوم، على نحو معاكس، حجة مضادة للدول المعارضة. فبينما اجتازت اوروبا باسرها عقدا اقتصاديا صعبا جدا، قاد قبرص، اليونان، اسبانيا ودولا اخرى نحو الافول الاقتصادي، تمتعت تركيا بعقد اقتصادي ناجح وبنمو شاهق قادها الى المرتبة الـ 17 في العالم في قائمة الدول النامية.

"الاستقرار السياسي الذي نجح اردوغان في تحقيقه أدى ايضا الى استقرار اقتصادي ونمو بمعدل 8 في المائة في السنة في تركيا"، يشرح الون ليئال، سفير اسرائيل في تركيا سابقا. "أمر آخر حيوي لاوروبا، التي يشيخ سكانها كل الوقت ويشكلون عبئا على اقتصاد دول الاتحاد الاوروبي، هو قوة العمل الشابة. في تركيا نسبة الشباب وقوة العمل الانتاجية عالية جدا. واذا كانت تركيا قبل عشر سنوات تبدو كمريض يتعين على اوروبا ان تسحبه على اكتافها، فقد انقلب الوضع الان. وثمة مصلحة كبيرة جدا للاوروبيين، من ناحية اقتصادية، لادخال تركيا الى الاتحاد الاوروبي. والسخرية هي أن تركيا الان تفكر مرتين اذا كانت ستدخل رأسها السليم الى السرير المريض لاوروبا".

برأي ليئال، ترى الولايات المتحدة واوروبا في تركيا دولة تذكر باسرائيل بمعنى ما. "في اعقاب الفوضى في الشرق الاوسط، وسقوط مصر، ليبيا، تونس وسوريا، فجأة تبدو تركيا  كشيء ما يشبهنا قليلا في الشرق الاوسط: جزيرة استقرار اقتصادي وسياسي وقوة تكنولوجية؛ مرسى سيكون خلفية لمصالحة اقليمية".

وعلى حد قول ليئال، الذي عمل ايضا كمدير عام لوزارة الخارجية، فان هذا ايضا سبب للضغط الذي مارسته واشنطن على اسرائيل للدفع الى الامام بالمصالحة مع تركيا. "يجب قول الحقيقة: خطوة الامريكيين، والاجواء التي يحاول وزير الخارجية الامريكي جون كيري المضي فيها، وبموجبها المصالحة بين اسرائيل وتركيا قريبة ويوجد أساس للمحادثات مع الفلسطينيين بسبب ذلك، مبكرة لاوانها. فقفزة كيري الى الاستنتاجات متسرعة جدا. فليس مجديا اطلاق التصريحات قبل معرفة اللاعبين. وكيري لا يمكنه أن يدخل تركيا بسهولة وبشكل فوري  كوسيط في الموضوع الاسرائيلي – الفلسطيني. هذه المصالحة لا تزال في بدايتها.  واسرائيل لن تسارع الى وضع ثقتها باردوغان المعروف بتصريحاته الشديدة ضد القدس.

"العلاقات الدبلوماسية هي موضوع وقت. يجب ان تكون عودة للسفيرين، ويجب ان يكون سفير تركي في اسرائيل شخصا يعرف كيف يتحدث بشكل ايجابي كي يوازن التصريحات السلبية للزعماء الاتراك. من ناحية سياسية، العلاقات بين اسرائيل وتركيا هي مبنى محطم، وهناك ينبغي بناء لبنة إثر لبنة الى أن تقف حيطان مستقرة كي يتم ادخال واشراك تركيا في التسويات  السياسية".

انشر عبر