شريط الأخبار

"يديعوت" تكشف تفاصيل اغتيال القائد أحمد الجعبري

11:31 - 05 حزيران / أبريل 2013

غزة - فلسطين اليوم

بقلم: يوسي يهوشع ورؤوبين فايس

(المضمون: وصف مراحل الاعداد لتصفية رئيس اركان حماس احمد الجعبري الى أن تمت التصفية - المصدر).

وضع رئيس هيئة الاركان بني غانتس راحتيه على الطاولة في مكتبه وانتصب قائما من الكرسي. "بدأنا"، قال وخرج من الغرفة. وهكذا بدأت عملية "عمود السحاب" بعد دقائق معدودة فقط من احراز صورة النصر وهي اغتيال المطلوب رقم 1، رئيس هيئة اركان جيش حماس، احمد الجعبري، من الجو.

كان الجعبري (52) سنوات على رأس قائمة أهداف اغتيال الجيش الاسرائيلي. "استُعملت حوله جميع القدرات"، يكشف عن هذا الرائد ط. ، ضابط الفهم الشبكي المسؤول عن مجال الارهاب الفلسطيني في وحدة جمع المعلومات 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات. "تعلمنا ان نعرفه وان نفهم ما يفعله وان "نخنقه" استخبارية ببساطة".

أُعلن قبل نحو من سنتين ان الجعبري هو "الهدف ذو التفضيل الأعلى". أو كما قال رئيس هيئة الاركان غانتس في المدة الاخيرة: "من الخطأ الأساسي ان نقول ان الجعبري قد اغتيل في الرابع عشر من تشرين الثاني 2012. ففي ذلك الوقت نُفذ الاغتيال المادي نفسه فقط لكنه كان مستهدفا لنا قبل ذلك بزمن طويل. وقد انتظرنا فقط الوقت المناسب والموافقة". وكان الذي "حافظ" على الجعبري حيا ومنع اغتياله جندي الجيش الاسرائيلي جلعاد شليط خاصة. عُد الجعبري المسؤول عن اختطاف شليط في 25 حزيران 2006 واحتجازه أسيرا خمس سنوات. وطول تلك المدة امتنع الجيش الاسرائيلي عن المس بالجعبري خشية على حياة شليط لكن كان واضحا ان حصانة الجعبري ستزول منذ لحظة الافراج عن شليط.

وعلم الجعبري انه يحيا في زمن مستعار وسلك على حسب ذلك. "نجا في الماضي من اغتيال"، يقول الرائد ط. "كان شكاكا وكان عالما جيدا بأن الجيش الاسرائيلي يتعقبه. وسلك سلوك مطلوب على نحو قاطع فسكن عدة بيوت. ولم يسافر وحده في سيارة بل الى جانب ناس اعتمد عليهم فقط. ولم يخرج لتناول الطعام في المطاعم بل جيء بالطعام الى بيته. واعتمد حقا على حلقة ضيقة فقط من المساعدين المقربين. وقد علمنا انه حينما يفعل أحد اولئك المقربين شيئا ما فان ذلك يتصل بالجعبري".

باعتبار الجعبري رئيس اركان حماس كان معظم وقته مصروفا الى موضوع الذراع العسكرية للمنظمة. "اعتاد كما هي الحال في كل منظمة عسكرية ان يُجري لقاءات عمل مع المستويات العليا للذراع، وان يصل الى مواقع حماس ويراقب التدريبات"، كما يصف الرائد ط. "ومع ذلك اجتهد كي لا يخرج في جولات كثيرة لأنه علم أننا نتعقبه. وفي لقاءات كثيرة كان كبار مسؤولي الذراع هم الذين يأتون اليه كي لا يضطر الى الخروج اليهم والكشف عن نفسه".

في يوم الاربعاء 14 تشرين الثاني 2012 قبل الساعة الرابعة بعد الظهر بخمس دقائق بالضبط بلغ سباق هرب الجعبري نهايته. فقد أطلقت وسيلة طيران من سلاح الجو النار على السيارة التي كان يستقلها في مركز مدينة غزة. وقُتل الجعبري وسائقه بالانفجار وانطلقت عملية "عمود السحاب" لوجهتها. ويكشف "ملحق السبت" الآن لأول مرة عن الشبكة التي حُبكت في الجيش الاسرائيلي والأذرع الاستخبارية حول الجعبري وعما حدث في الـ 48 ساعة الحاسمة التي سبقت التصفية.

إن الجسم الذي ركّز وحلل في السنوات الاخيرة أكوام المواد الاستخبارية التي جمعتها عن الجعبري أجسام جمع المعلومات المختلفة هو الساحة الفلسطينية في قسم البحث التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان". "لم يكن الجعبري فقط رئيس اركان حماس بل كان أكثر من ذلك"، يُبين المقدم زيف من قسم البحث. "كان في الوسط بين المستوى العسكري للمنظمة والمستوى السياسي لها. وقد تحكم تحكما جيدا جدا بالطبع بالذراع العسكرية لكنه كان ذا صلة ايضا بالقيادة السياسية فهاتان الذراعان غير مفصولتين بعضهما عن بعض.

"بدأت حركة حماس بعد السيطرة على قطاع غزة فورا تقوية عناصر الحكم. وكان شعور حماس بأنها قادرة على القيام بالادارة وبالارهاب ايضا. وحطمت عملية "الرصاص المصبوب" عندهم هذا التصور وبدأت الحركة تقوي المجال السياسي. ولاحظ الجعبري هذا التوجه وبدأ يقترب من الذراع السياسية فبنى لنفسه تأثيرا كبيرا في الاتجاهين العسكري والسياسي".

بيد ان الزمن فعل فعله وأخذ يضعف الردع الاسرائيلي الذي تم الحفاظ عليه منذ كانت عملية "الرصاص المصبوب". "تحولت جولات التصعيد في السنتين 2011 – 2012 الى أكثر عنفا – من جهة كمية اطلاق الصواريخ ومداها والأهداف"، يُبين واحد من كبار المسؤولين في سلاح الجو. "أدركنا انه يجب علينا ان نحطم هذا الرسم البياني وكان واضحا أننا نتجه الى عملية أساسها معركة جوية مهمة تضرب مخزونات القذائف الصاروخية ووسائل القتال. وعلمنا ايضا ان اصابة محاور اتخاذ القرارات والقيادة تؤثر جدا في العدو، وعلى حسب ذلك تم تخطيط "عمود السحاب"".

هل حدد الجعبري هدفا أول في خطة العملية؟

"كان الجعبري مستهدفا على نحو عام. وظهر اسمه في خطة درج "عمود السحاب" الى جانب أسماء اخرى. وفي الـ 48 ساعة بين يوم الاثنين ويوم الاربعاء الذي بدأت العملية فيه، بُذلت جميع الجهود الاستخبارية للبحث عن فرصة اغتياله – أو اغتيال مسؤولين كبار آخرين"، والحديث فيمن يُتحدث عنهم عن قادة ألوية في الذراع العسكرية لحماس.

"على حسب جولات التصعيد التي سبقت استقرار الرأي على عملية عمود السحاب، علمنا أن حماس تتجه الى الارهاب مرة اخرى"، يضيف المقدم زيف. "سألونا: كيف يمكن ان نفاجيء حماس؟ وقد كان اسم الجعبري منذ زمن على الطاولة".

في تلك المرحلة عُرض على قسم البحث سؤالان يبلغ الجواب عنهما الى طاولة رئيس الوزراء. وكان السؤال الاول: كيف سترد حماس على اغتيال الجعبري؟ هل تطلق صواريخ على تل ابيب أم تستمر في الاطلاق الى نفس المدى؟ والسؤال الثاني: كيف سيؤثر اغتيال الجعبري في حركة حماس في أمد بعيد؟.

"في الجواب عن السؤال الاول عرضنا عددا من سيناريوهات الرد المحتملة من حماس اشتملت على اطلاق صواريخ ايضا على مركز البلاد"، تكشف النقيب عدي وهي ايضا من قسم البحث. بازاء تقدير قسم التحقيق من شعبة الاستخبارات العسكرية أن اغتيال الجعبري قد يفضي الى اطلاق الصواريخ على غوش دان، بحثوا في الجيش الاسرائيلي وفي جهاز الامن الكلفة في مقابل الفائدة. وكان الذي رجح كفة الاغتيال عملية القضاء على مخزونات القذائف الصاروخية البعيدة المدى لحماس التي خُطط لتنفيذها بعد اغتيال الجعبري فورا والاعتماد ايضا على قدرات منظومة "القبة الحديدية".

"وكان جواب السؤال الثاني أكثر تعقيدا"، يقول المقدم زيف. "إن الجعبري في الحقيقة عامل مهم جدا في حركة حماس لكنها تستطيع ان تواجه غيابه. ومنذ كان اغتيال زعيم الحركة أحمد ياسين والرنتيسي الذي حل محله، أدركوا في حماس انه لا يمكن ان يكون كل شيء في يد انسان واحد. وأصبحت البنية الحاكمة شبه هرم مقطوع الرأس ليس طرفه الأعلى شخصا واحدا بل اربعة أو خمسة من كبار المسؤولين. وكان الجعبري واحدا من اولئك الكبار الى جانب أسماء مثل نزار عوض الله، ومحمود الزهار وخليل الحية. وبرغم ذلك كان التقدير ان اغتياله سيسبب زعزعة شديدة في الحركة وشعورا بالتغلغل الاستخباري وتجديد الردع الذي ضاع بعد "الرصاص المصبوب".

"لم نكن نفكر الى ما قبل الخروج الى عمود السحاب بـ 48 ساعة، ألبتة في أن خيار اغتيال الجعبري "سيدخل اللعبة""، يقول مسؤول رفيع المستوى في هيئة القيادة العامة كان مطلعا على سر كل تدبيرات التخطيط. "حينما بدأ التباحث في العملية، لم يظهر اسم الجعبري باعتباره هدفا للعمليات. وقال رئيس هيئة الاركان: "يُحتاج الى ضربة افتتاحية"، وكان القصد الى عدد من كبار المسؤولين في الرتب الميدانية. الى مقدار ضئيل يبلغ 2 أو 3 من كبار المسؤولين. واعتقدنا انه ستكون جولة تصعيد قوية كما كان في الماضي، وكان المنطق ان جميع رؤساء المنظمة سيكونون متحصنين عميقا تحت الارض. وحينذاك أُتيحت الفرصة الاستخبارية للوصول الى الجعبري. وأعلنت "أمان" و"الشباك" أنهما قادرتان على فعل ذلك وانه يمكن حصد ثمرات عمل جاهد جدا لمدة سنتين".

أوصى "الشباك" بأن تكون ضربة بدء عملية عمود السحاب هي اغتيال الجعبري والتزم أن يقدم جميع المعلومات المطلوبة لانشاء صورة استخبارية دقيقة كاملة تفضي الى اغتياله الناجح مع أقل عدد من المصابين من الأبرياء – معلومات جُمعت مدة سنين ومعلومات تم الحصول عليها في الوقت الحقيقي.

في المباحثة المغلقة التي ظهر فيها لأول مرة اسم الجعبري في سياق عملية "عمود السحاب" كان يجلس مع رئيس هيئة الاركان ايضا رئيس "أمان" اللواء أفيف كوخافي، ورئيس شعبة التخطيط اللواء نمرود شيفر، ورئيس شعبة العمليات اللواء يوآف هار – إيفن، ورئيس فريق الجو في سلاح الجو العميد عميكام نوركين، ومتحدث الجيش الاسرائيلي العميد يوآف (بولي) مردخاي، ورئيس مكتب رئيس هيئة الاركان المقدم ييكي غولف. وكان قائد سلاح الجو، اللواء أمير إيشل، في رحلة عمل الى الولايات المتحدة.

"حينما وضع اسم الجعبري على الطاولة كانت الغريزة الاولى لرئيس هيئة الاركان تقول ان هذه خطوة متقدمة الى الأمام وانه لا يصح قتله"، يتذكر ذلك المسؤول الكبير الذي شارك في المباحثة. "إن بداية كهذه لن تفضي الى جولة (اخرى)، بل ستفضي بنا الى مكان آخر"، قال الفريق غانتس. لكنه برغم ذلك لم يُسرع الى رفض هذا الامكان رفضا باتا. وكان واضحا لجميع حضور المباحثة ان الكلمة الاخيرة في هذا الشأن لم تُقل بعد".

وخرج رئيس هيئة الاركان من المباحثة واتجه الى جولة مشاورات بأربع عيون. تحدث طويلا الى رئيس "الشباك" يورام كوهين، والى قائد منطقة الجنوب تال روسو، والى اللواء أفيف كوخافي رئيس "أمان"، بغية الحصول على أجوبة عن الاسئلة التي وجهت في الحال الى قسم البحث في "أمان". "أراد رئيس هيئة الاركان ان يعلم ما هي النار التي سيشعلها هذا الاغتيال: هل سيقف الامر عند العملية أم يفضي الى احتلال غزة من جديد"، يتذكر ذلك المسؤول الكبير. "وأجرى بعد ذلك محادثات تشاور في هذا الشأن ايضا مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومع وزير الدفاع آنذاك اهود باراك".

كان الضغط على رئيس الاركان من اجل العمل كبيرا جدا. في الاسبوعين الاخيرين انفجرت ثلاثة ألغام عند الأسلاك الشائكة الحدودية وكان واضحا انه لا يمكن الامتناع عن الخروج في عملية تعيد للجيش الاسرائيلي قدرة الردع. وقبل ذلك باسبوع عرض رئيس هيئة الاركان على المجلس الوزاري المصغر السياسي الامني خطة عملية اشتملت على انجاز كبير في المرحلة الاولى وعلى هجوم جوي بعد ذلك. وعُرض الانجاز المخطط له في بدء العملية على المجلس الوزاري المصغر بصفة اغتيال لكن من غير ذكر اسم ما، فقد قيل في العرض على المجلس الوزاري المصغر انهم "مسؤولون كبار من حماس".

في فراش الجعبري

وفي تلك الاثناء كانت واقعة تتلو واقعة، ولم يعد الجيش الاسرائيلي قادرا على الاستمرار في ضبط النفس. في يوم الخميس الثامن من تشرين الثاني 2012 انفجر نفق مفخخ ضخم تحت محور هوبرز القريب من الأسلاك الشائكة الحدودية. وكان النفق الذي اشتمل في داخله على مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة مخصصا كما يبدو لتنفيذ عملية ضخمة أو لاختطاف جندي. وبعد ذلك بيومين في نهاية الاسبوع، أُطلق صاروخ مضاد للدبابات على دورية استطلاع للجيش الاسرائيلي كانت تسير قرب الجدار شمالي القطاع وجُرح اربعة جنود.

في نهاية مشاورات وبعد تلقي تقدير قسم البحث من "أمان" عن التأثيرات المحتملة للعملية أصدر رئيس الوزراء ووزير الدفاع موافقة مبدئية على اغتيال الجعبري. أما قرار تنفيذ الاغتيال بالفعل، كما تقرر، فيتخذه رئيس هيئة الاركان فقط وهو يملك الصورة كاملة، أي: استعداد القوات واستعداد بطاريات "القبة الحديدية"، واستعداد الجبهة الداخلية ومعطيات حالة الجو وغير ذلك.

واتخذ غانتس قرارا وقال: "سننتظر الجعبري يومين. الى ظهر يوم الاربعاء. فاذا لم نجده حتى ذلك الحين فان الامر سيطول كثيرا. وفي هذه الحال سنبدأ العملية باغتيال اثنين أو ثلاثة من كبار المسؤولين برتب ميدانية".

ونزلت التوجيهات الى الرتب الميدانية فدخل "الشباك" والوحدة 8200 وفريق الطيران الاستخباري الذي يفترض ان يساعد على الاغتيال أقصى استعداد.

"في الغد، وفي وقت مبكر جدا في الصباح، جمعت "فريق الجعبري" من الوحدة"، يصف الرائد ط. من الوحدة 8200. "أبلغتهم ان القرار قد اتُخذ وهدفنا الآن هو الاتيان بالجعبري. الحديث عن بضع عشرات من الجنود أصبحوا مطلعين على السر ويعلمون ان الجعبري هو الهدف الآن. ومن الواضح لنا جميعا أنه يجب ان نأتي بالمعلومات المحددة وأين يوجد بالضبط".

"هفللاه" (اصابة دامغة)، هذا هو المصطلح المستعمل للتعرف المؤكد لهدف من أهداف الاغتيال. "طوال تلك الساعات كان عندنا عدد من الدلائل الجزئية لكن أكثرها لم ينضج ليصبح اصابة دامغة مؤكدة"، يصف الرائد ط. "تم الأمر على مراحل الى أن أدركوا ان تلك سيارته والى ان تحققوا من انه موجود هناك يقينا. وعرفنا كيف نصاحبه لكن ليست كل مصاحبة كهذه تنضج لتصبح اصابة دامغة".

كيف كان الجو في الفريق طول ذلك الوقت؟

"كان شعور توتر عظيم. فالحديث آخر الامر عن أولاد شباب في التاسعة عشرة والعشرين من أعمارهم يجلسون ويدركون عظم الحدث الذي يشاركون فيه. فليس هذا نشيط ارهاب آخر بل هو احمد الجعبري. وهو الرجل الذي طُلب اليهم فترة طويلة ان يعرفوا عنه كل شيء. متى يمضي للنوم ومع من ومن هم مساعدوه. كل شيء".

وكيف تبلغون آخر الامر الى اصابة دامغة مؤكدة؟

"نضيق الخناق. ونوسع الغطاء حوله وحول كل الحلقات المتصلة به. العائلة والمساعدين المقربين والمساعدين البعيدين وكبار المسؤولين في المنظمة ورجال الارتباط. نفحص كل شيء. لا يمكن ان نعلم في أي دائرة توجد التفصيلة الاستخبارية التي تجعله مستهدفا. يجب ان نتذكر أنه حذر على نحو منقطع النظير. وقد اعتاد دائما ان يُبدل مساعديه ويُبدل السيارات ويُبدل البيوت. ولم يكد ينام مرة واحدة أكثر من ليلة واحدة في نفس المكان. لقد عرفناه الى هذه الدرجة".

إن تشكيلة الطيران الاستخبارية التي ساعدت على الاصابة الدامغة للجعبري موجودة في قاعدة سلاح الجو في مركز البلاد. ويمكث أفرقاء تشكيلة الطيران المؤلفين من طيارين ومُجري استطلاعات جوية على نحو دائم في سماء قطاع غزة ويهتمون بتقديم كل معلومة استخبارية ممكنة عما يجري في الميدان.

"في اللحظة التي أبلغوني فيها انه استقر الرأي على اغتيال الجعبري، وضعت في التشكيلة لليوم القريب أفضل الأفرقاء تدريبا"، يقول المقدم أ. قائد التشكيلة الجوية. "الحديث عن أفرقاء اخترتهم بحرص على حسب مستوى أهليتهم. ولم أترك شيئا للصدفة. وفي يوم الثلاثاء علمت ان الجعبري هو المهمة لكن في الغد في التوجيه الذي أجريته في الساعة 11 صباحا، كشفت للأفرقاء الذين استعملتهم في التشكيلات الجوية عن المهمة لأول مرة. وكان من المهم عندي أن يعلموا أي وسائل طيران اخرى من السلاح ستكون في الجو حولهم وان يدركوا ايضا ما هو الواقع الذي قد يهبطون اليه بعد الاغتيال. بل قد توجد صواريخ على قاعدة التشكيلة الجوية. ولم يُفاجأ أفرقاء التشكيلة، فالحديث عن عمل ليس غريبا عليهم وقد كنا نشغل أنفسنا بالجعبري زمنا طويلا جدا من قبل. والآن، في التوجيه، قاموا ببساطة بالتأهب وحصروا عنايتهم في المهمة، بل انه لم يثر احتمال الفشل في التوجيه بسبب معرفتي العميقة بالتقنيات والقدرات".

ضُم الى التشكيلة الجوية التي أقلعت الى قطاع غزة في الساعة 12 ظهرا المستطلِع الجوي الرقيب ي. (21)، الذي يسكن في واحدة من القرى الزراعية في عيمق حيفر. والمستطلِع الجوي يوجد في فريق الطيران الذي يحلق فوق المنزل وهو خارج مدى سمع ناس حماس وبصرهم. وهو يصاحب بمساعدة وسائل رؤية ليلية خاصة الهدف و"يُطبق" عليه. وفي تلك اللحظة يتم الاطلاق من وسيلة طيران اخرى.

"صاحبت التشكيلة الجوية بعد التوجيه وكنت قد أصبحت أعلم من هو الهدف"، يستعيد ي. "تحركنا بين عدد من المراكز بحسب المعلومات الاستخبارية التي تم الحصول عليها من "الشباك" والوحدة 8200. وبعد نحو من ساعتين تم تلقي معلومة ان الجعبري موجود كما يبدو في مبنى ما ووصلنا الى هناك وقمنا من فوق البيت".

في ذلك اليوم، في الفجر، استيقظ الرائد ط. بعد بضع ساعات نوم نجح "في استراقها" في القاعدة 8200. "أدركنا في اثناء الليل ان الخناق حول الجعبري بدأ يضيق. واستيقظت عالما ان "اليوم هو اليوم". وطوال اليوم في الحقيقة تقاطعت جميع المعلومات وبدأنا "نحاصره". وندرك أين يوجد ولماذا، ومتى سيكون هناك ومع كم من الناس. وفي غضون ساعات قليلة كنا قد اصبحنا "عليه" بيقين. وعلمنا الى أي مبنى سيدخل ويجب الآن فقط ان ننتظر كي يخطيء ويخرج".

في بئر سلاح الجو في الكرياه في تل ابيب الذي يدعى "كوك بيت"، كان يجلس رئيس فريق جوي هو العميد نوركين وهو الشخص الذي أدار في واقع الامر عملية الاغتيال. وقد مكث في البئر 48 ساعة متصلة منذ تمت الموافقة على اغتيال الجعبري، وكان سيبقى هناك ايضا في الـ 24 ساعة الاولى من عمود السحاب. وفي مقر "الشباك" تم فتح غرفة عمليات خاصة للعملية تكون مشغولة بالعاملين 24 ساعة كل يوم. وجرت الى غرفة العمليات كل المعلومات ونُقحت وحُللت هناك قبل ان تُنقل قدما الى متخذي القرارات.

وتابع رئيس هيئة الاركان ما يجري من مكتبه في الطابق 14 في الكرياه مشغولا بالموافقة على الخطط لاستمرار عملية عمود السحاب التي لم تبدأ بعد. وأضاء المقدم دولف رئيس مكتبه من اجله الشاشتين اللتين بُثت عليهما الصور التي أُرسلت من الطائرة الاستخبارية وهكذا كان غانتس يستطيع ان يرى في الوقت المناسب البيت الذي يوجد فيه الجعبري بحسب المعلومات الاستخبارية.

في ذلك الوقت كان رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع باراك في جولة على الحدود الشمالية وفي منطقة هضبة الجولان كانت قد تقررت مسبقا للوقوف من قريب على التطورات في الساحتين السورية واللبنانية. وتقرر في اطار صرف الذهن عدم الغاء الجولة ولم يتجه الشخصان الكبيران الى البئر في تل ابيب بل استمرا في جدول عملهما المعتاد. ويكشف عنصر أمني رفيع المستوى قائلا: "كانا بالفعل على يقين من انه سيتم آخر الامر اغتيال مسؤولين كبيرين في المستويات الميدانية من حماس، ولم يكونا يؤمنان بأن الجعبري هو الذي سيتم اغتياله".

وبقي قائد سلاح الجو الذي كان يفترض ان يدير عملية الاغتيال، في الولايات المتحدة. "علم قائد سلاح الجو بالطبع أننا متجهون الى اغتيال الجعبري وأعلن فورا قائلا: أنا عائد"، يتذكر أحد كبار مسؤولي هيئة القيادة العامة. "وقال له رئيس هيئة الاركان "إبق". لأنك اذا عدت فجأة فسيدركون ان شيئا ما يحدث وسينشرون فورا في وسائل الاعلام: لماذا قطع قائد سلاح الجو زيارته للولايات المتحدة؟. وكان قائد سلاح الجو قد استدعى رحلة عودة الى اسرائيل في يوم الثلاثاء ليلا لكننا ألغيناها وألغينا ايضا تلك التي استدعاها صباح الاربعاء. وحينما عاد اللواء ايشل بعد الاغتيال كان عصبيا جدا لأنه أضاع ذلك ولم يكن من الممكن الاقتراب منه".

بلغ التوتر ذروته في "كوك بيت" سلاح الجو. "هدوءا، وصمتا، إن عيون الجميع مركزة على العميد نوركين"، قال أحد الحضور.

"في حوالي الساعة 3 ظهرا كانت جميع الدلائل تُبين أننا بدأنا نصل الى الهدف. وانحصرت المعلومات في البيت الذي تحلق فوقه الطائرة الاستخبارية والسيارة التي يفترض ان يدخلها الجعبري. إن المسؤولية كلها ملقاة على كتفي نوركين ويشبه ذلك مفترق "تي" فاذا اخترت ان تتجه الى الاتجاه الصحيح فسيكون ذلك جيدا وإلا فسيبدو الامر مختلفا. ويحول "الشباك" معلومة اخرى. يجب ان تكون علاقات الثقة بين المنظمات جيدة جدا فالحديث بعد كل شيء عن شخص ما من منظمة اخرى لا يخضع لسلاح الجو ولا يلبس البزة العسكرية وهو الذي يقول آخر الامر: "هذه هي السيارة". وفي هذه الحال لا يوجد وقت للفحص.

الحديث عن نافذة زمن يبلغ ثواني. والشيء الوحيد الذي يجب حصر العناية فيه هل توجد شروط تنفيذ أم لا. وسيقولون في حال الفشل، لا سمح الله: "هاجم سلاح الجو" أو "هاجم الجيش الاسرائيلي". وأشد من ذلك في حال الفشل ان جميع مسؤولي حماس الكبار سيختفون دفعة واحدة".

وتمر الدقائق ولا ذكر للجعبري. وبدأت الاعصاب تتوتر ايضا في مكتب رئيس الاركان. وكلما مر الوقت بدأ اشخاص كبار في هيئة القيادة العامة يحاولون التأثير في غانتس. "قولوا له: لا تنتظر. مُرْ باغتيال المسؤولين الكبيرين في الميدان"، يصف ذلك أحد الحضور في المكتب. "هذه لعبة اعصاب. أربما لن يخرج الجعبري ألبتة هذا المساء؟ أربما يبقى للنوم هناك في الليل؟ واستمر عدد من كبار المسؤولين يضغطون. وقالوا لرئيس هيئة الاركان: عندك عصفوران في يدك، سنضيعهما ايضا آخر الامر، فاتجه اليهما". بل إن العميد مردخاي، متحدث الجيش الاسرائيلي الذي نشأ في الوحدات الاستخبارية المختارة في الجيش الاسرائيلي، بدأ يخاف. "يالله، كم سننتظر؟" سأل. لكن رئيس هيئة الاركان لم يخضع للضغوط بل حافظ على برود اعصاب وخفض الاصوات الضاغطة. وأيد رئيس "الشباك" يورام كوهين ورئيس "أمان" اللواء أفيف كوخافي موقفه. فقد اعتقدا انه يجب انتظار الجعبري أكثر. وكان رئيس هيئة الاركان "على الطرف" حقا، فلو ان الجعبري بقي في ذلك البيت ساعة أو ساعتين لكفوا عنه".

قبل الساعة 4 ظهرا بخمس دقائق ظهر اشخاص على الشاشتين. كان الجعبري يخرج من المبنى ويدخل السيارة، وصادق "الشباك" والعاملون في 8200 على ذلك بقولهم: "هذا الجعبري. توجد اصابة دامغة".

وأبلغ المقدم دولف رئيس هيئة الاركان والمسؤولين الكبار قربه في المكتب قائلا: "خرج، نطبق عليه".

ولا يتردد العميد نوركين في "كوك بيت" فيأمر بالعملية قائلا "نفذ".

ويُطلق الصاروخ وتصاب السيارة. وما يزال في "كوك بيت" هدوء متوتر والعيون جميعا مصوبة الى الشاشات ولا توجد صيحات ابتهاج بل ينتظرون معلومات استخبارية عن الارض. هل أصيب الجعبري حقا؟ وهل كانت تلك هي السيارة الصحيحة؟ وإن لم تكن كذلك أفربما يكون موجودا في سيارة اخرى ويجب اتخاذ قرار على مهاجمتها ايضا؟.

في غضون دقائق معدودة تم تلقي الجواب وهو ان احمد الجعبري رئيس اركان حماس قد صُفي.

وراقب الرقيب ي. اغتيال الجعبري من الطائرة الاستخبارية التي حلقت فوق البيت. ويستعيد ذلك قائلا "لم يكن يوجد زمن كثير للهضم، بل إنني لم أستطع التأثر أو ادراك حجم هذا الاغتيال. حينما خرج من المبنى حافظنا على صلة عين به وصاحبناه في تعقب جوي حتى لحظة الهجوم. ورأينا سيارة وحولها ناس كثيرون. وصاحبناه من أعلى طول الوقت. وراقبنا من يدخل السيارة أو من يخرج منها، وفحصنا انه لا يضيع وانه لا يوجد اولاد حوله. ونحن نسمي هذا في اللغة المهنية "أحيزاه" (قبضة). وعملنا ألا نضيعه. والحديث من الخروج من المبنى ودخول السيارة الى لحظة الاغتيال عن دقائق. وفي لحظة الاغتيال نفسها كانت مرحلة قصيرة جدا يرتفع فيها النبض والأدرينالين وبعد ذلك بقينا في أعلى الى ان تلقينا بعد خمس دقائق النبأ النهائي وهو ان ذلك كان الجعبري. هذا جزء من عملنا بعد كل عملية اغتيال كهذه وهو ان نُبلغ أكانت اصابة أم إخطاء، وهل خرج شخص ما من السيارة بعد الاصابة أم لا، والى أين يهرب اذا كان قد خرج، وهل أصيب أبرياء. وفي حال الجعبري كان التنفيذ نظيفا وسهلا جدا. وهذا ما أبلغته ايضا بجهاز الاتصال بقولي "ألفا. نظيف وسهل".

إن الرقيب ي. يخدم في التشكيلة الجوية منذ سنتين ونصف وهذه اول مرة كان مشاركا فيها في اغتيال كهذا من قريب. "بعد ان تلقينا تصديق انه كان الجعبري استمررنا نعمل على أهداف اخرى وحينما عدنا وهبطنا في القاعدة الجوية جرت مساءلتنا وفي المساء فقط حينما شاهدت الأخبار في نادي الوحدة الجوية بدأت أفهم ما الذي كنت مشاركا فيه حقا".

هل حدثت أحدا خارج الوحدة الجوية أنك شاركت في اغتيال الجعبري؟

"أبي فقط وقد كنا وحدنا".

هل حسدك الرفاق في الوحدة الجوية؟

"يبدو لي أن نعم"، قال في حرج. "أنا لا أعلم". ويقول المقدم أ. قائد الوحدة "من المؤكد انهم حسدوه. حتى انني فرحت لنجاحه، لكن قلت في نفسي من المؤسف أنني لم أفعل ذلك". انها مسألة حظ.

لا وقت للاحتفال

نحن في "كوك بيت" سلاح الجو بعد الاغتيال بدقائق ولا وقت للعميد نوركين للاحتفال، فهو يدرك ان دولة اسرائيل ستكون بعد زمن قصير تحت هجوم صاروخي وان الملاجيء ستُفتح وان منظومات الدفاع الجوي ستُمتحن أشد امتحان لها. "دخلنا عمود السحاب"، أبلغ الطائرات الحربية التي كانت تنتظر في الجو. "أخرجوا للقضاء على مخزونات صواريخ فجر بعيدة المدى".

ولم يكن وقت للاحتفال ايضا في الوحدات الاخرى التي كانت مشاركة في الاغتيال. فبعد الاغتيال فورا بدأوا في 8200 يلاحظون استعداد حماس لعمليات رد واطلاق قذائف صاروخية. وتابعوا في الوحدة الجوية الى المهمات التالية استعدادا لكل واحدة من الطلعات الجوية الكثيرة التي نفذها سلاح الجو في العملية. "ابتُلعت عملية الاغتيال سريعا في العمل ولم نعد نشغل أنفسنا بها"، يشهد قائد الوحدة الجوية المقدم أ.

عمل في "الشباك" في اثناء العملية 12 غرفة عمل تلقت معلومات من الميدان وترجمتها الى أهداف هجوم وساعدت على الاصابة الدامغة وزودت بصور استخبارية عن نشاط حماس بل صاغت توصيات للمستوى السياسي. وجلس ممثلو "الشباك" ايضا في غرف حرب الجيش الاسرائيلي. وفي اثناء العملية هوجم وأصيب عشرات من قادة حماس والجهاد الاسلامي العسكريين الذين كانوا مشاركين في القتال ومنهم ناس في منظومة الانتاج ومحاربون وخلايا اطلاق قذائف صاروخية. فعلى سبيل المثال وبفضل ما صيغ في غرف عمل "الشباك" تم الهجوم على شقة خفية كان يمكث فيها كبار مسؤولي الجهاد الاسلامي في القطاع وقتل في الهجوم أحد النشطاء وجرح ثلاثة آخرون. وهوجمت كذلك بيوت قادة كبار في الذراع العسكرية لحماس كان بعضها يستعمل ايضا مخازن للوسائل القتالية.

وهم في قسم البحث من "أمان" يتابعون منذ كانت العملية جمع معلومات استخبارية عن اهداف جديدة ويتفهمون كيف أثر اغتيال الجعبري في تنظيم حماس.

"أصيب شعور كبار مسؤولي حماس بالمنعة اصابة شديدة"، يُبين المقدم زيف. "أجروا تحقيقات عميقة. كيف بلغت اسرائيل الى هذه المعلومات وما الذي حدث بالضبط في ذلك اليوم. وأعدموا ايضا مشتبها فيهم بأنهم عملاء، وجروا جثثهم في الشوارع مربوطة الى دراجات نارية. وما زالوا في مراحل استخلاص الدروس لكن لا توجد شكوك فحماس مستمرة في زيادة قوتها وهي مستمرة في تهريب الوسائل القتالية وهي مستمرة في تهريب الاموال وفي بناء القوة. ومن الواضح أنها ستقوم من بين الأنقاض وتعيد بناء نفسها بفضل الدعم الايراني الذي تحظى به. ولا يوجد اليوم شخص حتى ولا اسماعيل هنية، يحطم اغتياله حماس".

انشر عبر