شريط الأخبار

من يخاف سوريا ضعيفة؟... هآرتس

02:57 - 31 تشرين أول / مارس 2013

بقلم: عاموس هرئيل

(المضمون: عاشت اسرائيل عشرات عديدة من السنين وهي تخشى من قوة الدول العربية. اما الان، فهي تضطر لاول مرة الى مواجهة الضعف العربي – ومن هذا تخاف ايضا  - المصدر).

الاعتذار الاسرائيلي لتركيا، والذي تحقق قبل العيد بضغط شديد من الرئيس الامريكي براك اوباما، علله مكتب رئيس  الوزراء اساسا بالظروف الجديدة الناشئة في سوريا. وشرح رجال نتنياهو بان صعوبة الوضع لدى الجار الشمالي تستدعي استئناف التنسيق مع انقرة.

وأول أمس، بعد اقل من اسبوع، ظهر تقرير لوكالة الانباء الفرنسية من الجولان يقول ان الجيش الاسرائيلي فتح مستشفى ميداني على الحدود السورية شمالي الهضبة. وقد جاء النبأ بعد وقت قصير من سماح اسرائيل، مرة اخرى، للمرة الثالثة في غضون نحو شهر، بدخول ثوار سوريين اصيبوا في المعارك لتلقي العلاج الطبي في البلاد. فهل تبشر موجة الانباء الاخيرة بتغيير جوهري في السياسة الاسرائيلية تجاه الحرب الاهلية في سوريا، التي دخلت الان في سنتها الثالثة؟

الجواب، كما يمكن الاستيضاح في هذه اللحظة سلبي. يحتمل بالطبع أن يكون اوباما ونتنياهو توصلا سرا الى تفاهمات اخرى عن الحاجة الى خطوات فاعلة للتدخل في الموضوع في سوريا. ولكن في غياب الدليل على ذلك، فان الفرضية المعقولة هي ان سياسة القدس بقيت كما كانت. فاسرائيل تحذر قدر الامكان من الدخول الى قلب المواجهة الداخلية في سوريا، بينما تتمنى بهدوء مواصلة المعارك وذلك لان هذه تواصل تآكل التهديد المحدق لها من جيش الاسد.

ولكن لما كان الوضع في سوريا يتعقد فان اسرائيل تضطر الى ان ترفع بقدر ما مستوى اهتمامها بما يجري هناك. ويجد الامر تعبيره، على المستوى العلني، في خطوات انسانية، كاستقبال جرحى للعلاج في البلاد وعلى المستوى الاستخباري في تصعيد المتابعة للحرب خشية آثارها على اسرائيل، كتسرب السلاح الكيميائي الى اياد معادية.

في السنة الاولى من الحرب، قدرت اسرائيل بان نهاية الرئيس السوري محتمة وأن الزوار سيهزموه في غضون وقت غير طويل. ولكن التقديرات تبددت. وبدلا من الحسم، نشأ شلل متبادل. الثوار يسيطرون على نحو 65 – 75 في المائة من اراضي الدولة، ولكن الاسد ينجح في صيانة سيطرة ناجعة جدا في العديد من المناطق الهامة – مدن دمشق، حلب، حمص والجيب العلوي في شمال غرب الدولة.

دعم روسي وايراني كبير يسمح للرئيس بالصمود. فروسيا ترفض حاليا المساعدة في اسقاطه، بدعوى أن احدا لا يمكنه أن يضمن لها بان بعد نصف سنة من رحيل الاسد سيتحقق استقرار في الدولة او أن يقوم بدلا منه حكم سوري يكون بالضرورة افضل.

ولا يزال يمكن للحرب أن تنتهي بخطف – باغتيال الرئيس (والثوار كانوا حتى الان قريبين من ذلك عدة مرات) او باستسلام مفاجيء واعتزال للاسد. ولكن في هذه اللحظة على الاقل، يبدو هذا كقصة طويلة. فالمعارضة تدعي بانها بحاجة الى مساعدة عاجلة اخرى من اوروبا ومن الولايات المتحدة (فضلا عن المساعدات المكثفة التي تمنحها قطر والسعودية) لان نافذة الفرص لتحقيق الحسم في المعارك توجد في فترة هي بين الربيع والخريف، حين تسمح حالة الطقس بالمبادرة الى هجوم بري كبير. في هذه الاثناء تتواصل عملية تفكك سوريا الى اقاليم متخاصمة، تسيطر عليها الطوائف المختلفة.

اما بالنسبة لاسرائيل كما أسلفنا فان الوضع الجديد لا يزعجها حقا. ففي الاسبوع الماضي بلغت جيلي كوهن في "هآرتس" عن صرف فرقة من الجيش الاسرائيلي عن الخطة العملياتية للساحة السورية نحو ساحة لبنان. ويشهد التغيير على ان الجيش الاسرائيلي يقدر بان التحدي في لبنان الان اكبر وان الخطر المحدق من مواجهة تقليدية مع سوريا يقل. بالمقابل، توجد السياسة الامريكية التي تشجع علنا قوى المعارضة في سوريا، ثمة التخوف الاسرائيلي من استخدام السلاح الكيميائي والحاجة الى الحفاظ على مظهر على الاقل من التأييد الاسرائيلي المبدئي للثوار ضد نظام الطغيان في دمشق.

كل هذا لا يزال يتحقق بسهولة نسبية من خلال بادرات طيبة مثل استيعاب الجرحى على الحدود. هذه خطوات صغيرة وحذرة، تستند الى جس نبض واع وليس الى تطلعات مبالغ فيها. يبدو أن ليس لاسرائيل هدف قابل للتحقق لتغيير في سوريا أو ادعاء بجمع قدرة نفوذ للاعب مركزي. في هذه اللحظة فانها تفعل ما هو ضروري.

وقد وقعت المصالحة مع تركيا فقط بسبب الضغط الذي مارسه الرئيس الامريكي الاسبوع الماضي. فقد قال اوباما لمضيفيه في القدس ان تركيا واسرائيل هما دولتا مرسى في كل ما يتعلق بالرد المنسق على الازمة في سوريا، الجارية في الساحة الخلفية لهما كلتيهما. طلب الرئيس يوم الاربعاء؛ وفي الجمعة نشر الاعتذار الاسرائيلي.

في الجيش الاسرائيلي امتنعوا امس عن التعقيب على نبأ فتح مستشفى ميداني على الحدود. وادعت مصادر سياسية بان هذا ليس مستشفى بكامل معداته، بل خيمة او اثنتان تشكلان خلية طبية تسمح بفحص أولي للجرحى عند وصولهم الى الحدود. وعند الحاجة يخلى الجرحى الى الاراضي الاسرائيلية. ويختفي خلف هذا النهج  تخوف من موجة طالبي علاج وإثرهم موجة لاجئين. حتى اليوم هذا لم يحصل، يبدو ايضا بسبب سنوات من غسل الدماغ الذي بواسطته أقنع الحكم السوري مواطنيه بانه خلف الحدود يكمن لهم الشيطان الصهيوني.

عمليا، في الاشهر الاخيرة استثمرت اسرائيل جهودا أكبر في التملص من العلاج الطبي (من خلال منع الاقتراب من الحدود) مما في العلاج نفسه. ومؤخرا تجول ضابط الطب الرئيس، العميد اسحق كريس في الجولان. وجاء فتح الخلية الطبية كنتيجة لاضطرار فرضتها الظروف الميدانية؛ السؤال هو اذا كانت الظروف لاحقا ستجعل صعبا على اسرائيل ابقاء هذا العلاج على نار هادئة.

في الميدان، على الحدود، يلاحظ تواجد متزايد للثوار في الجيوب التي طردوا منها الجيش. ويبلغ السكان الدروز في الطرف الاسرائيلي عن حالات عديدة ظهر فيها رجال معارضة مسلحون قرب الجدار. ويتزايد عدد احداث اطلاق النار بين الثوار والجيش السوري وفي اعقابها ازدادت ايضا الحالات التي تسللت فيها النار الى الاراضي الاسرائيلية.

خلف الكواليس يوجد خلاف في القيادة الاسرائيلية. اللواء قائد المنطقة الشمالية يئير غولان هو الرمز اليميني الذي يطالب بتصعيد التدخل، سواء بالخطوات الانسانية أم باستغلال فرص اخرى. وقبل بضعة اشهر قال غولان لناحوم برنياع من "يديعوت احرونوت" انه لن يكون لاسرائيل مفر وانها في النهاية ستضطر الى انتهاج نوع من الحزام الامني في الجانب السوري من الحدود. في المرة الاولى التي ادخل فيها جرحى الى البلاد، فعل غولان ذلك برأيه الشخصي – وأثار غضب رئيس الاركان بيني غانتس، الذي اطلع على ذلك باثر رجعي. اما اليوم، فمجال مناورة اللواء صغير نسبيا؛ كل خطوة انسانية تصل حتى اقرار رئيس الاركان.

كاتب الرأي توم فريدمان، المقرب من البيت الابيض، ادعى أمس في مقال في "نيويورك تايمز" انه مشكوك أن يكون تسليح منظمات الثوار "اللطفاء" – اي المنظمات غير الاسلامية والتي لا تزال تسعى الى ابقاء سوريا كوحدة سياسية واحدة – بوسعه أن يكفي كي يسقط الاسد ويقيم بدلا منه نظاما يكون مقبولا في نظر الغرب. "هذه مشكلة من الجحيم" وصف ذلك فريدمان الذي أعرب عن تأييده للسياسة الحذرة التي ينتهجها الرئيس اوباما.

يخيل أن في هذه الحالة، ستوقع أوساط القدس هي الاخرى على هذا التحليل. الوضع سيء، ولكن البدائل قد تكون اسوأ من ناحية اسرائيل، ولهذا فان هذه لا تعتقد بانه يوجد ما يبرر الاسراع – وتحذر من ادخال اصابعها الى الجمرة المتلظية التي في قلب الحرب الاهلية السورية، كي لا تكتوي بها.

اسرائيل، يقول البروفيسور آشر ساسر من مركز ديان لبحوث الشرق الاوسط في جامعة تل أبيب، عاشت عشرات عديدة من السنين في قلق من قوة الدول العربية. اما الان، فهي تضطر لاول مرة الى مواجهة الضعف العربي – ومن هذا تخاف ايضا.

انشر عبر