شريط الأخبار

حينما يكون كل شيء مشمولا... هآاتس

11:35 - 27 تشرين أول / مارس 2013


بقلم: تسفي برئيل

(المضمون: لم تتوقع اسرائيل من تركيا التي كانت تنظر اليها على أنها تابعة لها توافق على كل ما تعمل، لم تتوقع منها ان تعترض على شيء من سياستها ولهذا رفضت الاعتذار لها - المصدر).

إن أحد الاسهامات الجوهرية الذي أسهمت به تركيا في الثقافة الاسرائيلية هو مصطلح "كل شيء مشمول". واذا تجاوزنا استعمال هذا المصطلح في فرع السياحة وانتقاله الى معجم التشبيهات العبرية في الاقتصاد والسياسة والجيش، فقد أصبح هذا المصطلح يمثل التصور العام الاسرائيلي. فكما يحصل السائح الاسرائيلي في تركيا على "كل شيء مشمول" رأت كذلك تركيا علاقتها باسرائيل قبل الازمة. فمنذ اللحظة التي اختارت فيها ان تنشيء علاقات "عائلية" بالدولة اليهودية أصبح كل شيء مشمولا فأصبحت توجد علاقات تجارية متقدمة ومبيعات عسكرية ضخمة واستعداد لبيع اسرائيل الماء وتعاون استخباري وعسكري وحلف سياسي، وكان كل ذلك العرض التظاهري للعلاقة العميقة التي كان يوجد تحتها شعور عميق غير مُفسر بالتقدير والحرارة لم يكن متعلقا بالمصالح فقط.

إن الشعور في علاقات "كل شيء مشمول" يتبوأ مكانا أكبر من المطلوب. فليس فيها مكان لقبول جزئي ولا حروف صغيرة. واذا كان رجب طيب اردوغان يزعم انه يُقرب اليهودية واليهود فعليه ان يُقرب الصهيونية ايضا وأن يؤيد دائما وبيقين سياسة اسرائيل. واذا كانت اسرائيل ترى تركيا دولة شقيقة فلا يجوز لها ان تشك في طبيعتها المسلمة أو ان تعوق مطامحها في الشرق الاوسط. وبدأت هذه المعادلة تتصدع في ظاهر الامر مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في 2002 وتعيين اردوغان رئيسا للوزراء في 2003. ونُسي بمرة واحدة النقد اللاذع الذي وجهه الى اسرائيل بسبب سياستها في المناطق رئيس وزراء تركيا السابق بولاند أجاويد الذي سمى اريئيل شارون "ارهابيا". واتهم رئيس تركيا السابق سليمان ديمريل الذي كان يعتبر صديقا مقربا ووقع على اتفاق التعاون العسكري في 1996، اتهم اسرائيل بأنها هي التي تُفشل مسيرة السلام. ولم يزعم أحد آنذاك أن تركيا مُعادية للسامية أو مُعادية لاسرائيل وأنها تحركها ايديولوجية اسلامية. ولم يمس اردوغان ايضا الذي أصبح مشتبها فيه في نظر اسرائيل الصلات بها الى 2006 بل انه قبل ذلك بسنة زار اسرائيل وعرض الوساطة بينها وبين الفلسطينيين.

لكن اسرائيل أقنعت نفسها أنه لما كان تصور "كل شيء مشمول" اختراعا تركيا فانه مُلزم لتركيا فقط. واستمرت اسرائيل في قياس حرارة جسم علاقاتها بجارتها بحسب مقدار المشتريات العسكرية والعلاقات التجارية فقط؛ فما لم تتغير هذه كانت اسرائيل على يقين من ان سياستها في المناطق منيعة من النقد وانه اذا كان يوجد نقد تركي فانه ينبع فقط من مشاعر اسلامية مؤيدة للفلسطينيين أو مؤيدة لايران لا من أنه يصعب على تركيا ان تُنمي صداقة مع دولة محتلة وتُثبت مكانتها في الشرق الاوسط في الوقت نفسه. وقد حكمت اسرائيل بأن سياسة تركيا يجب ان تخضع لنزوات اسرائيل أو ان تتفق معها على الأقل وإلا اعتبر ذلك اخلالا سافرا بمبدأ "كل شيء مشمول" الذي نظرت اليه اسرائيل باستخفاف أصلا. باستخفاف شديد الى درجة أنه حينما اقترح اردوغان على رئيس الوزراء اهود اولمرت ان يتوسط بين اسرائيل وحماس لمحاولة منع عملية "الرصاص المصبوب"، لم يُجهد اولمرت نفسه ليجيبه هاتفيا.

إن الفرق في التوقعات بين تركيا واسرائيل هو الذي جعل قضية "مرمرة" زلزالا. ولولا ذلك ما استطعنا ان نفهم الفرق بين اعتذار اسرائيل لمصر عن قتل ضباط مصريين إثر الحادثة الارهابية في الشارع الحدودي في آب 2011، وبين إصرارها على عدم الاعتذار لتركيا. وقد استُعمل في الحالتين مصطلح "عملية عادلة" في دور مطهر السلاح. والفرق هو أنه لا تسود العلاقة بين اسرائيل ومصر التي كانت آنذاك قريبة من انهاء الاتفاق على الافراج عن أسرى حماس مقابل جلعاد شليط، لا يسودها مصطلح "كل شيء مشمول". فمصر ليست مفهومة من تلقاء ذاتها وكل مس بكرامتها أو بمواطنيها يُرى في اسرائيل مُلزما للاصلاح فورا. وتعتبر تركيا في مقابل ذلك تابعة رفعت رأسها فجأة. إن اعتذار بنيامين نتنياهو يشهد بفهم جديد فحواه ان من يطلب علاقات "كل شيء مشمول" يحتاج الى ان يدفع بالعملة نفسها.

انشر عبر