شريط الأخبار

قـبـل أن يصبـح الإســلام هـو المـشـكـلــة.. فهمي هويدي

11:45 - 05 حزيران / مارس 2013

تواجـه الحالـة الإسلاميـة تحديـاً كبيـراً بعـد الثـورة جـراء هبوطهـا الاضطـراري مـن فضـاء الشعـارات والتعاليـم على أرض الواقـع المدبـب والملغـوم، الأمـر الـذي فـرض عليهـا إعـادة النظـر فـي الكثيـر مـن مواقفهـا ومقولاتهـا.

(1)

أدري أن مصطلح الحالة الإسلامية فضفاض إلى حد كبير، لكني أقصد الناشطين في الساحة الإسلامية وليس كل المسلمين الذين هم جزء لا يتجزأ من «الحالة»، ولست أشك في أن منهم كثيرين أشد إخلاصا وأكثر إسلاما من أولئك الناشطين، ثم إنني أفهم أن هؤلاء الآخرين ليسوا شيئا واحدا، وأن تبايناتهم حاصلة في البلد الواحد (في مصر 8 أحزاب إسلامية غير الجماعات التي يقودها شيوخ مستقلون). ليس ذلك فحسب وإنما تلك التباينات حاصلة أيضا في خبرات الناشطين الإسلاميين في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، ومما يحسب للربيع العربي أنه سلط الأضواء على هذه الخرائط كلها (أغلبها إن شئت الدقة)، بحيث أسفر الجميع عن وجوههم، فسمعنا أصوات المعتدلين والمتطرفين، والعقلاء والسفهاء، ولأسباب مفهومة احتفت وسائل الإعلام بالمتطرفين والغلاة، وكانت الحفاوة أشد بكل من ذهب بعيداً في الغلو والشذوذ.

في مصر وفي تونس وسوريا ابتلي الجميع بالإيذاء والإقصاء، لكن الابتلاء كان أشد بعد الثورة لأنه حل بهم من باب الغواية والتمكين، وإذا كانت العزائم هي سلاح التصدي للابتلاء الأول، فإن الخبرات والعقول صارت السلاح الأمضى في التعامل مع الثاني، إن شئت فقل إنهم في الابتلاء الأول كانوا يصدون ويقاومون، أما الابتلاء الثاني فقد فرض عليهم التقدم والمبادرة، ولأنهم لم يكونوا جاهزين لمواجهة ذلك الموقف الذي فاجأهم في مسار لم يتوقعوه، إذ فرض عليهم أولويات لم تكن في الحسبان، واستدعى ملفات وعناوين ظلت مؤجلة طول الوقت، وجلّها يتعلق بكيان الدولة الحديثة ومؤسساتها وبإطار التعامل مع الآخر في الداخل والخارج.

(2)

منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل، حيث ظهر عنوان الصحوة الإسلامية في الأفق ظلت فكرة الدولة عند الإسلاميين محل لغط كبير في بعض أوساط المثقفين العرب فضلا عن الباحثين الغربيين، فقد اعتبرها البعض نموذجاً للدولة الدينية التي عرفتها التجربة الأوروبية، ولم تكن العلاقة بين الدولة والأمة واضحة، كما كان شكل الدولة غامضاً حتى تحدث البعض عن الإمارة وقال آخرون بالخلافة، وكان هناك من يجادل في علاقة الشورى بالديموقراطية، ويتساءل عما إذا كانت الشورى مُعلمة أو ملزمة، كما كان الجدل مثاراً حول صيغة التعددية السياسية والموقف الشرعي من فكرة الأحزاب، وطال الجدل مسألة العلاقة مع العالم الخارجي، وهل ذلك العالم هو دار الكفر أم دار العهد أم أمة الدعوة (في مقابل ديار الإسلام التي اعتبرت أمة الإجابة)...إلخ.

وحين قامت الثورة الإيرانية وتأسست الجمهورية الإسلامية في العام 1979، فإنها قدمت نموذجاً لم يوقف الجدل، لكنه هز بعض القناعات والانطباعات. إذ قدمت فكرة «ولاية الفقيه» صورة جاءت أقرب إلى صيغة الدولة الدينية، إلا أن الدولة الجديدة وضعت دستوراً وأقامت مجلساً نيابياً وأجرت الانتخابات الديموقراطية على أكثر من مستوى، في ما غدا تجسيداً قريباً من فكرة الدولة الحديثة، ورغم أن قلة من الباحثين أدركوا أن النموذج الإيراني مرتبط بخصوصية المذهب الشيعي ومرجعياته الفقهية، إلا أن شبحه ظل يطارد الإسلاميين في مجتمعات أهل السنة طول الوقت، وباتوا يلاحقون بالسؤال عما إذا كانوا يتطلعون إلى احتذائه وتطبيقه، ومن ثم عما إذا كانوا يسعون إلى إقامة دولة دينية أم مدنية.

الثورات العربية التي تلاحقت في المنطقة منذ عام 2011 استدعت كل الأسئلة المعلقة منذ السبعينيات، بما فيها الأسئلة المستجدة التي فرضتها الثورة الإسلامية في إيران، وكان السبب في استدعاء تلك الأسئلة أن التيار الإسلامي فاز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في ثلاث دول على الأقل هي تونس ومصر والمغرب، وكان على تلك الأغلبية أن تقدم إجاباتها عليها، إن لم يكن من خلال المواقف والممارسات العملية، فعلى الأقل في الناحية النظرية، لطمأنة المجتمعات التي شهدت تلك الثورات.

اختلف الوضع في أقطار الثورات العربية من عدة نواح، فالثورات كانت وطنية ولم تكن ذات صيغة إسلامية كما في الحالة الإيرانية، بالتالي فإن الإسلاميين كانوا فصيلا معها وفيها وليسوا صناعها أو قادتها، ومن ناحية ثانية فإن الثورات وقعت في مجتمعات أهل السنة التي تختلف في بيئاتها وهياكلها وتراثها الفقهي عن بيئة المجتمعات الشيعية، ومن ناحية ثالثة فإن مجتمعات أهل السنة العربية تحفل بالاجتهادات الفقهية المستنيرة (من محمد عبده إلى القرضاوي) التي تنحاز إلى قيم الدولة الحديثة، وفي مقدمتها الديموقراطية والتعددية السياسية، ويعد الأزهر في مصر رمزاً للمرجعية التي تعبر عن ذلك الانحياز.

(3)

قبل عدة سنوات تداول السلفيون في الإسكندرية رسالة كان عنوانها: «القول السديد في أن الاشتراك في الانتخابات مخالف للتوحيد». إلا أن الدنيا تغيرت بحيث شكلت الجماعة السلفية في الإسكندرية «حزب النور» بعد الثورة، وخرج من عباءتها حزب آخر باسم «الوطن»، وحزب ثالث مشترك بينها وبين «الإخوان» هو حزب «الإصلاح» و«النهضة»، وفي حين كان الاعتقاد الشائع في أوساط السلفيين أن الحزبية مكروهة باعتبارها بابا للفرقة والفتنة. فقد تشكل في مصر بعد الثورة نحو ثمانية أحزاب (أحدثها حزب «الراية» للشيخ حازم أبو إسماعيل)، وبدا أن بعضها أحزاب تمثل الجهة بأكثر مما تمثل فكراً مغايراً، «النور» في الإسكندرية، «الشعب» في الدقهلية، «الإصلاح» في البحيرة، «الأصالة والفضيلة» في القاهرة و«الهدف» في 6 أكتوبر».

خارج الدائرة السلفية فهناك 8 أحزاب أخرى تعتمد المرجعية الإسلامية، الأمر الذي يعني أنه في مصر وحتى إشعار آخر 16 حزباً إسلامياً، كل منها يتطلع إلى المشاركة في الانتخابات والفوز بعضوية مجلس النواب القادم، وهو ما يمكن أن يسوغ لنا أن تقول بأن الجدل حول الأحزاب بات محسوماً على الصعيد العملي.

حين دخلت الأحزاب الإسلامية، بما فيها السلفية، إلى ساحة العمل السياسي من باب الانتخابات فذلك يعني عملياً أن الواقع فرض نفسه على الفكر، ولن نذهب بعيدا إذا قلنا إن الواقع سبق الفكر وصوبه، بالتالي فلم يعد هناك مجال للجدل حول النظام الحزبي والتعددية السياسية، أو حول الديموقراطية واختلافها أو اتفاقها مع الشورى، كما لم يعد هناك خلاف حول النظام البرلماني ومؤسسات الدولة الحديثة، الأمر الذي يستبعد تلقائياً أي حديث عن فكرة الدولة الدينية أو دولة الخلافة أو صيغة الإمارة، وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن هذه المشاركة في مجملها كرست فكرة التصالح بين الأحزاب الإسلامية والديموقراطية، والدولة المدنية. وهي العلاقة التي ظلت محل جدل ومثار لغط لم يتوقف خلال العقد الأخير.

لا أستطيع أن أدّعي أن هذه الأمور حسمت تماما، لأن ثمة أصواتا لا تزال تشكك في الديموقراطية وترفض التعددية وتتململ من فكرة المواطنة، لكنها تظل أصواتا شاذة لا وزن لها ولا تأثير على المسار الديموقراطي، لأن الأغلبية انحازت إلى صف الديموقراطية وقيمها وتقدمت للمشاركة في بناء النظام الجديد على ذلك الأساس.

(4)

تصالح الإسلاميين مع الديموقراطية لا يعني أن الأمور كلها حسمت، لأن ثمة تحديات ينبغي عدم الاستهانة بها، لا تزال تواجه العقل الإسلامي الذي له دوره في إدارة شؤون الدولة بعد الثورة، ولا أستطيع في هذا الصدد أن أتجاهل حقيقة أن الإقصاء الذي فرض على الحالة الإسلامية لم يمكنها من اختبار الافكار على صعيد الواقع، كما لم يمكن الناشطين من اكتساب الخبرات التي تمكنهم من المشاركة في تسيير ماكينة إدارة الدولة. لذلك لا مفر من الاعتراف بأنه في الحالة المصرية وأمثالها، فإن أداء الإسلاميين في إدارة شؤون الدولة يبدأ من الصفر تقريباً، الأمر الذي فرض عليهم إجراء مجموعة من المراجعات الضرورية للكثير من رؤاهم الإستراتيجية واجتهاداتهم الفكرية، وتلك دعوة لا أتفرد بها، لأن بعض القيادات الإسلامية التي خاضت التجربة عبرت عن ذلك بصورة أو أخرى، إذ في مناسبتين منفصلتين قال كل من الشيخ راشد الغنوشي زعيم «حركة النهضة» التونسية والدكتور محمد مرسي رئيس مصر أن الأوضاع التي تعامل معها كل منهما في تونس ومصر، مختلفة وأصعب بكثير مما تصوروا في البداية.

وإذا جاز لي أن أعرض لبعض أبرز الملفات العالقة والتي يحتاج بعضها إلى حسم ويحتاج البعض الآخر إلى مراجعة وتصويب ومنها ما يلي:

ـ العلاقة بين الدين والسياسة وكيف يمكن ضبط التمايز بين الدائرتين، من دون انفصال يهدد المرجعية ومن دون اتصال يعيد إلى الأذهان فكرة الدولة الدينية.

ـ ترجمة الشعارات إلى سياسات تستلهم المرجعية وتستهدف خدمة الناس وتنمية المجتمع متجنبة الاستغراق في وعظ الناس وفرض الوصاية على المجتمع.

ـ تصويب العلاقة بين الجماعة والوطن، واعتبار الأولى وسيلة لا غاية ينبغي أن تتراجع مصلحتها أمام أي مصلحة مرجوة للوطن.

ـ رد الاعتبار لفقه المقاصد وتقديمه على الوسائل، باعتبار أن المقاصد في المرحلة الراهنة تشكل المظلة والإطار الأوسع الذي يوسع في محيط المشترك مع الآخر، بما يعزز من قيمة الوحدة الوطنية التي تشكل الحجر الأساس في ضمان الاستقرار والتقدم للمجتمع.

ـ تأصيل فقه العيش المشترك، الذي يسع المخالفين في الرأي والمذهب والاعتقاد، الأمر الذي يرد الاعتبار لقيمة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات.

ـ فض الاشتباك مع التيارات الأخرى العلمانية واليسارية، واستلهام صيغة «حلف الفضول» الذي امتدحه النبي عليه وآله الصلاة والسلام حين عقده في الجاهلية لحماية الضعفاء والانحياز للفقراء.

ـ إعمال وتطوير قواعد فقه الأولويات وفقه الإنكار، وفي ظل الأول ترتب الواجبات طبقاً لمدى إسهامها في تحقيق المصالح العليا للمجتمع التي تقدم على مصالح الأفراد، وبتطوير فقه الأفكار توضع ضوابط الإصلاح التي تحملها الدولة وتلك التي يباشرها المجتمع وحدود ما يخص الأفراد منها.

ـ التعامل الإيجابي مع قضية الحريات بما يرفع من سقف الحريات العامة ويحول دون المساس بالحريات الخاصة طالما أنها تتم في إطار القانون وبما لا يمس النظام العام للمجتمع.

ـ حسم العلاقة مع العالم الخارجي، بما ينهي اللغط المثار حول تكييف تلك العلاقة عند بعض الإسلاميين بما يضعها في دائرة التضاد والتقاطع وليس التوازي أو التفاعل والتعاون.

لقد كان البعض يرفعون في السابق شعار الإسلام هو الحل، وأخشى إذا تعثرت المسيرة في ظل وجود الإسلاميين بالسلطة أن تنقلب الآية في نهاية المطاف بحيث يصبح الإسلام في نظر البعض هو المشكلة.

انشر عبر