شريط الأخبار

علاقات اسرائيل بالولايات المتحدة عشية زيارة اوباما.. اسرائيل اليوم

07:28 - 01 حزيران / مارس 2013

بقلم: دوري غولد

       (المضمون: التعاون الاستخباري والامني بين الولايات المتحدة واسرائيل لم يكن قط قويا كما هو اليوم. وان اسرائيل والدول العربية في الخليج خاصة موجودة في نفس جانب المتراس في مواجهة ايران ومحاولتها الهيمنة على المنطقة - المصدر).

          أتاحت قصة دراماتية في الصفحة الاولى من صحيفة "نيويورك تايمز" في الثامن من كانون الثاني 2013 نظرة نادرة الى مستوى التعاون الاستخباري بين الولايات المتحدة واسرائيل. فقد تحدث مراسلان معروفان بصدقهما هما ديفيد سنغر واريك شميدت عن ان الجيش الاسرائيلي تلقى قبل بضعة اشهر تقريرا استخباريا من قمر صناعي قال ان قوات سورية بدأت تملأ قذائق بمواد كيميائية. وحُملت القذائف في سيارات قرب قواعد سلاح الجو السوري وكان يمكنها بحسب التقديرات ان تصبح عملياتية بعد ساعتين من صدور أمر الرئيس الاسد.

          ونقلت اسرائيل كما أُبلغ في التقارير المعلومة الاستخبارية التي حصلت عليها، الى وزارة الدفاع الامريكية. وعلى أساس هذه المعلومة بدأ الرئيس اوباما في تشكيل تحالف دولي كان يرمي الى منع الاسد من استعمال السلاح الكيميائي في الحرب الأهلية في سوريا. وتوجهت الولايات المتحدة الى روسيا والصين وتركيا بل الى عدد من الدول العربية التي كانت قلقة بلا شك من سلوك الاسد. وأعطى تقرير "نيويورك تايمز" مثالا عن الطبيعة المميزة للعلاقات الامنية بين اسرائيل والولايات المتحدة وهذا شيء ينبغي ان نذكره عشية زيارة الرئيس اوباما لاسرائيل.

          ليست الواقعة المذكورة آنفا شاذة. ففي خلال الحرب الباردة كانت اسرائيل تزود الولايات المتحدة بمعطيات تتعلق بأداء منظومات سلاح سوفييتية استولت عليها في مخازن السلاح السورية في مصر. وفي 1966 نقلت اسرائيل الى الولايات المتحدة طائرة ميغ 21 نقلها الموساد من العراق. وتحولت هذه الطائرة الى "حصان عمل" سلاح الجو في فيتنام الشمالية.

          في السنين الى تلت ذلك نقلت اسرائيل الى واشنطن منظومة رادار سوفييتية كاملة. وعبرت الملاحظة المعروفة لرئيس الاستخبارات الجوية الامريكية السابق الجنرال جورج كيغن والتي قالت ان الولايات المتحدة ما كانت لتنجح في احراز معلومات استخبارية بنفس الدرجة "حتى مع وجود خمس وكالات مثل السي.آي.ايه"، عبرت عن التقدير العظيم لاسهام اسرائيل في أمن الولايات المتحدة.

          لكن ليس الجميع شركاء في هذا التقدير الحماسي من هذا النوع للعلاقات بين الولايات المتحدة واسرائيل. فهناك مذهب صغير لكنه عالي الصوت يقوده البروفيسور جون مرشهايمر من جامعة شيكاغو والبرفيسور ستيفن وولت من جامعة هارفارد يزعم انه لو كانت اسرائيل "حليفة مهمة في فترة الحرب الباردة"، فانه ليس لذلك أي معنى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ويُقدران ان اسرائيل لم تعد منذ ذلك الحين بمنزلة كنز بل هي عبء استراتيجي، وان العلاقات بين الدولتين لا تقوم إلا بفضل جماعة الضغط الموالية لاسرائيل في واشنطن. وبرغم عيوب كتابهما الكثيرة في 2007 وهو كتاب "اللوبي الاسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية"، فانه ما زال يؤثر في النقاش العام للشأن الاسرائيلي بين النخب في واشنطن.

          ومع ذلك فان العلاقات الامنية بين الولايات المتحدة واسرائيل منذ الحادي عشر من ايلول تبدو أقرب مما كانت دائما ولا سيما في ظل التهديد الجديد للارهاب العالمي. ان مفتاح الانتصار في مكافحة الارهاب هو الحصول على معلومات استخبارية دقيقة عن المنظمات وعن قادتها. ويحتاج ذلك الى تعاون استخباري رفضت ان تقوم به دول كثيرة في الماضي ومنها اسرائيل ايضا.

          كتب العميد يوسي كوبرفاسر في 2007 بعد ان أنهى عمله رئيسا لقسم البحث في شعبة الاستخبارات العسكرية مقالة لـ "مركز سبان" في معهد بروكنغز عن صورة تطبيق اسرائيل لاصلاحات في الاستخبارات. وكان أحد المجالات الحاسمة للاصلاح التعاون الاستخباري الدولي الذي كان محدودا في الماضي. ويقول كوبرفاسر ان استخبارات اسرائيل العسكرية في واقع الامر لا تحصر اهتمامها اليوم في حاجات اسرائيل الاستخبارية فقط بل انها تجمع وتحلل معلومات تكون "الولايات المتحدة هي المستمتعة الرئيسة بها" في حالات كثيرة.

          يتعلق التعاون بين الدولتين بمجالات كثيرة، وقد كان اطلاق الصاروخ حيتس 3 الذي حضره موظفون امريكيون مثالا من الاسبوع الاخير. وقد اتسع نطاق التدريبات العسكرية المشتركة ايضا بل انه بلغ ذروته. وتتعلم وفود من مركز التدريبات والنظرية القتالية في الجيش الامريكي (تي.آر.إي.دي.أو.سي) على نحو دائم دروسا من عمليات اسرائيل الاخيرة في الضفة الغربية وفي جنوب لبنان وفي قطاع غزة. وليس من الممتنع ان يتبين ذات يوم ان بعض التكتيكات التي استُعملت في معركة الفلوجة في العراق في 2004 مصدرها المعركة في جنين في 2002.

          إن زيارات رؤساء هيئة الاركان العامة لاسرائيل التي أصبحت متتابعة في السنين الاخيرة تؤكد أهمية العلاقات الامنية بين الدولتين. وفي 2007 عرّف رئيس القسم الاوروبي في الولايات المتحدة (إي.يو.سي.أو.ام) الجنرال برينتس كرادوك اسرائيل بأنها "أقرب حليفة" للولايات المتحدة في الشرق الاوسط، في اثناء شهادة أمام لجنة الاجهزة المسلحة في مجلس النواب.

          والى ذلك ذكر المستشار الأول للامن القومي للرئيس اوباما الجنرال جيمس جونز في خطبة خطبها في معهد واشنطن في نيسان 2010 قوله: "استطيع ان أقول من تجربتي الكبيرة ان علاقاتنا الامنية باسرائيل مهمة للولايات المتحدة".

          وبرغم هذه التصريحات يوجد لمنتقدي اسرائيل ميزة قوية حينما يتباحثون في استفادة الولايات المتحدة من العلاقات الامنية باسرائيل. ان جوهر جزء كبير من التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل سري. ويصح هذا بصورة خاصة على مجال التعاون الاستخباري. ولهذا كيف تستطيع اسرائيل ان ترد حينما يُشكك جامعيون مثل وولت ومرشهايمر بقيمة العلاقات الامنية؟ من الواضح انه لن تُسرب معلومات حساسة تُصنف على أنها سرية في الدولتين من اجل الفوز في النضال عن العلاقات العامة، لأن الثقة بالشريك الاستراتيجي تقوم على قدرته على حماية المعلومات السرية.

          عبر خبراء عسكريون امريكيون في الماضي عن قلقهم من ان يسبب النشر الكامل للتعاون العسكري بين الولايات المتحدة واسرائيل التناكر بين الزعماء العرب وواشنطن. لكن في ضوء حصر الدول العربية السنية اهتمامها في التهديد الايراني، يُشك في ان ترفض زيارة سفينة حربية امريكية لأنها فقط رست في حيفا قبل بضعة اسابيع.

          يتبين من برقيات دبلوماسية امريكية نشرتها "ويكيليكس" وأدت تقارير عن زيارات ضباط امريكيين لعواصم عربية، أن اشخاصا ذوي رتب عالية في دول الخليج لا يشغلون أنفسهم باسرائيل بل بالحاجة الى عمليات امريكية حازمة لوقف ايران. وإن اسرائيل والدول العربية في أكثر الصراعات الجديدة في المنطقة توجد في نفس جانب المتراس. ان المحللين السياسيين الذين يكتبون عما يحدث في الشرق الاوسط يجب ان يأخذوا في حسابهم الواقع الجديد وألا يكونوا أسرى التفكير النمطي القديم عن العالم العربي الذي يبدو انه لم يكن صحيحا منذ البدء.

انشر عبر